الاتحاد

الملحق الثقافي

اللؤلؤ.. البريق الأسطوري

في عام 2003، أصدر المجمع الثقافي بأبوظبي، كتابا نوعيا بعنوان «نشأة الرواية وتطورها في دولة الإمارات العربية المتحدة – الفترة من 1972 – 2000» لمؤلفته الباحثة «فاطمة خليفة أحمد» ولعل أهم ما يعنينا في هذا الكتاب تناول الباحثة لمفردة (البحر) كثيمة أساسية وما يرتبط بها من ثقافة ومهن بحرية تقليدية، في أعمال روائية سجلّت مرحلة التحولاّت في المجتمع الإماراتي بين الماضي والحاضر. تقول المؤلفة: “لقد دفعت الظروف البيئية القاسية سكّان الإمارات للاتجاه نحو البحر منذ القدم، حيث مارسوا حرفة الصيد والغوص على اللؤلؤ في مياه الخليج العربي، فضلاً عن القيام بدور الوساطة التجارية بين دول جنوب وشرق آسيا، ودول الجزيرة العربية والعراق وبلاد وإيران وبلاد الشام. (ص- 22).
وتضيف الكاتبة: “كما نجد أن حياة الماضي والعلاقة بين الإنسان والبيئة شكّلت محوراً رئيساً في الإبداع الأدبي لدى كتّاب الإمارات، ومنها استمدت الرواية والقصة الإماراتية العديد من موضوعاتها وصورها الفنية، فالبحر والماء والصحراء والشمس والنخيل من أبرز الموضوعات في مختلف الفنون الأدبية لدى أدباء الإمارات، ولعل مرحلة الغوص كانت أكثر المراحل تأثيرا في حياة الإنسان على هذه الأرض، وشكّلت هذه المرحلة محورا أساسيا لغالبية الكتابات الأدبية، ولعل أهم مظهر من مظاهر تحولات المهنة انحسار دور البحر ومهنة الصيد مع ظهور النفط وتخلّي الأبناء عن مساعدة آبائهم في مهنة الغوص والزراعة والصيد، بعد أن تبنّوا أعمالا جديدة لدى الدولة. (ص- 180).
نورد هذا الكلام ليكون مدخلاً نعبر منه إلى محتويات كتاب “أبوظبي واللؤلؤ.. قصة لها تاريخ” الصادر عن «مركز الحصن للدراسات والبحوث» لمجموعة من الباحثين والباحثات لم تورد أسماؤهم في الكتاب، وهو توثيقي مرجعي مصوّر باللغتين العربية والانجليزية، في جزأين، يرصد المركز من خلالهما القصة الحقيقية للؤلؤ الذي ميّز تاريخ إمارة أبوظبي.
نظرة تاريخية
يحمل الجزء الأول من الكتاب عنوان «أبوظبي جغرافيا وتاريخ»، وهو مدخل عام يقع في تسعة فصول، تتناول: جغرافية وجيولوجية إمارة أبوظبي، والملاحة والتجارة في الخليج العربي في العصور القديمة، وفصول من التاريخ القديم، في دراسة تاريخية حول جزيرة دلما، وحضارة أم النّار ودورها في التفاعل مع الحضارات القديمة، وفي سياق هذا المبحث يتناول الكتاب حضارة أم النار التي تمثل الفترة الثانية من العصر البرونزي (2700 ق. م – 2000 ق. م) وهي تغطي حوالي سبعة قرون من ذلك العصر. وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب حول إمارة أبوظبي في العصرين النبوي والراشدي (العصر الإسلامي)، معرجا في الفصل الرابع على دور الأوروبيين في منطقة الخليج (البرتغاليون، الإنجليز، شركة الهند الشرقية الهولندية)، فيما نقرأ في الفصل الخامس حول إمارة أبوظبي في التاريخ الحديث، مع التركيز على رحلات الغربيين إلى الشرق، حيث أسهمت أبوظبي في الاقتصاد العالمي منذ مطلع التاريخ الحديث بقدر كبير، وأصابت شهرة في هذا المضمار من خلال (صيد اللؤلؤ) والحرف والصناعات البحرية المرتبطة بهذا النشاط، مما أكسبها وسواحلها والجزر التابعة لها شهرة وفيرة. وقد أفرد الرحالة الغربيون الذين زاروا منطقة الخليج العربي في سجلاتهم صفحات عديدة تتحدث عن اللؤلؤ واستخراجه ونشاط أهل أبوظبي في هذا المجال، وكان اللؤلؤ هو المادة الأساسية التي جعلت لـجزيرة أبوظبي وسواحلها بريقا جذب إليها العديد من التجار الغربيين من طالبي الثراء من العاملين بتجارة اللؤلؤ والأحجار الكريمة عموماً.
وفي الفصل السادس يتناول الكتاب الوجود السياسي البريطاني في الإمارات، فيما يعالج الجزء السابع الحياة الاجتماعية، في إطار توضيحي عن معالم الحياة الأسرية، وظروف عمل المرأة والأعمال التي مارستها في زمن الغوص: (يتناول هذا البحث طبيعة الأعمال التي مارستها المرأة في زمن الغوص، فقد وجدت المرأة في الإمارات – مجتمع البحر – نفسها منذ وقت مبكر، ومنذ مئات السنين، تسهم في شتى ميادين العمل، لتعول أسرا بأكملها، حين يبحر رجالها شهورا ممتدة في رحلاتهم البحرية المريرة من أجل رزق عيالهم. (ص – 16).
صور تراثية
في الفصل الثامن ثمة صور رائعة ومشرّفة عن حياة الأسلاف، يقدمها الكتاب تحت عنوان (صور تراثية) وفيها حديث شائق عن مقومات العبور الغذائي عند الآباء والأجداد وطرق حفظ الأغذية، بعيدا عن تكنولوجيا العصر، ومنه نقتطف: “لقد عاش مجتمع أبوظبي في عصر اللؤلؤ في رفاهية لم يعهدها من قبل، وذلك خلال النصف الثاني من حكم الشيخ زايد بن خليفة، إذ ازدهرت عمليات الغوص على اللؤلؤ وتجارته، وازداد الطلب عليه نتيجة لحياة الرفاهية والرخاء التي كانت تعيشها أوروبا في تلك الفترة، وكان لؤلؤ الخليج من أساسيات الرفاهية الأوروبية، في المقابل تأثر “المطبخ الظبياني” بسبب الوفرة وازداد التنوع في الأطعمة والأشربة ودخلت أطباق جديدة تم استيراد موادها من الأسواق الأوروبية وغيرها، وبعد انهيار صناعة الغوص على اللؤلؤ، قلّت المواد الغذائية، إلا أن أجدادنا لم يقفوا مكتوفي الأيدي، وإنما استخدموا ذكاءهم الفطري في تطويع حياتهم الاقتصادية، وبخاصة الاقتصاد المنزلي طبقاً لمبدأ الاكتفاء الذاتي، معتمدين بشكل رئيس على ما يوجد في البحر. (ص – 20).
أما الفصل التاسع والأخير من الجزء الأول من الكتاب، فجاء تحت عنوان «معالم أدبية» وفيه حديث عن تجليات الغوص في الشعر النبطي في الإمارات، وأثر الغوص في الحكايات الشعبية، والتعليم ودور تجارة اللؤلؤ، فقد لعب تجار اللؤلؤ في زمن الغوص دور الحكومة اليوم اقتصاديا، فكانوا الممولين للتعليم وللعلم والعلماء عموما، كما كانوا يدعمون المشاريع الخيرية كالمساجد، وكان تاجر اللؤلؤ يسمى (المحسن فلان)، لأنه كان يحسن إلى الفقراء، ويعطيهم من زكواته، ويحسن إلى طلبة العلم، ويؤسس لهم حلقات القرآن الكريم والدرس والعلم والوعظ، وكثيرا ما كان التجار المحسنون يأتون بمشايخ وعلماء من خارج المنطقة ليقيموا عندهم في مجالسهم، ويقوموا بمهمة التعليم والوعظ والخطابة، وفي أبوظبي كان خلف عبد الله العتيبة ذا شهرة واسعة، وهو الذي أنشأ مدرسة ابن عتيبة عام 1903. (ص- 22).
أمة بحرية
ضالتنا في هذا الكتاب، تكمن في جزئه الثاني، عندما نقرأ حديثا ممتعا حول (المعاني الدينية والتراثية للؤلؤ)، وكيف وردت هذه المفردة البحرية في العديد من آيات القرآن الكريم، ومن نعم الله الباطنة التي لفت القرآن الكريم أنظارنا إليها، ما أودعها الله في عمق البحار، والحديث أيضا عن الإعجاز العلمي للآيات الكريمة التي تتحدث عن البحار واللؤلؤ، كما نجد حديثا عن مرويات العرب عن مفردة اللؤلؤ، ومن ثم دراسة لها في التراث العربي، تصحح مفهوماً خاطئاً شائعاً عن كون العرب أهل بادية وجمال، فقد كان العرب (أمة بحرية) من طراز رفيع، ارتادوا البحار ووصلوا إلى العديد من البلدان، وكان في جملة نشاطهم البحري ارتياد البحر للغوص فيه واستخراج اللؤلؤ، كذلك نجاحهم في اختراع العديد من الآلات المساعدة في عملية الغوص.
والكتاب في الحقيقة، شائق وممتع، وبه من أسلوبية الحكي والقص والسردية ما يدفعك لالتهام كل حرف فيه، فهنا مثلا حديث عن (أسطورة اللؤلؤ) بعد أن يستعرض لنا بعض الحكايات والأساطير المرتبطة باللؤلؤ، ومن ذلك قصة كليوباترا وأنطونيو، وأسطورة كيوبيد، إله الحب وحبيبته بسيشة، وآفروديت آلهة الجمال عند الإغريق، كما يورد لنا مفردة اللؤلؤ في ملحمة جلجامش (ورد اللؤلؤ في ملحمة جلجامش على أنه نبتة غريبة وهي سر من أسرار الآلهة، تشبه الشّوك، تنبت في قاع البحر، تجدد الشباب وتعيد نشاط الحياة، ووردت في الملحمة طريقة غوص جلجامش إلى الأعماق للوصول إلى النبتة، وهي الطريقة التي يغوص بها الغواصون للبحث عن اللؤلؤ، كما أن وصف النبتة ينطبق على وصف محار اللؤلؤ في مغاصات أبوظبي).
ويتحدث الكتاب عن بيئة اللؤلؤ من خلال البيئة البحرية لإمارة أبوظبي بشكل عام، وما يعيش فيها من أحياء سمكية وحيوانية ونباتية والتي تشكل بدورها بيئة اللؤلؤ، وهنا أيضا ثمة معلومات عن مهارة أهل الخليج الملاحية والفلكية وعن حسابات الدرور التي كانوا يعملون وفقها، مع استعراض للأدوات البحرية التي استعانوا بها في عمليات إبحارهم مثل: الديرة والكمال والإسطرلاب والخرائط البحرية، وكيف نجحوا عن طريقها في الاهتداء إلى مغاصات اللؤلؤ.
صيد اللؤلؤ
في الفصل الرابع من الجزء الثاني، يتحدث الكتاب تحت عنوان عريض عن فن صيد اللؤلؤ وتجارته، وتحت عنوان فرعي عن البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في زمن الغوص، وفي تركيز على مفردة الغوص على اللؤلؤ في إمارة أبوظبي وبعدها الاجتماعي، نستكشف ثقافة خاصة ذات صلة بالبحر، يورد الكتاب: “في رحلة الغوص نرى كيفية إعداد المحمل – سفينة الصيد – وتزويده بالمؤن قبل انطلاق الرحلة التي تستغرق ثلاثة أشهر مدة (الغوص العود)، وكيف كان البحارة يستعدون للرحلة، التي لا تخلو من المصاعب والأخطار التي تواجه المحمل والبحارة في رحلتهم، والرياح التي يتعرضون لها، ثم انتهاء الموسم (القفال)، حيث عائلة الغواص التي تنتظر معيلها في فترة غيابه المضنية القاسية، ورحيلهم إلى واحات العين أو محاضر ليوا للمقيظ (الحضارة) ثم عودتهم إلى الساحل”.
ونجد في هذا الفصل توضيحات وإشارات حول أسماء ومواقع (الهيرات) في الإمارات عامة وأبوظبي خاصة، ومن ثم حديث عن صيد اللؤلؤ في ساحل الإمارات وطرق تجارته في (1790 هجرية – 1914 م ) وأبوظبي كنموذج مثالي لهذا الموضوع، ثم دراسة في المصادر البريطانية، ويتحدث هذا المبحث عن دور أبوظبي في عمليات صيد اللؤلؤ وتجارته، وأن هذه التجارة بشكل خاص كانت معتبرة ومميزة جدا في موانئ ساحل الإمارات، خاصة في أبوظبي لامتلاكها العدد الأكبر من سفن الصيد التي يتم تجهيزها من قبل الإمارة نفسها في كل موسم من مواسم صيد اللؤلؤ التي كانت تشكل موسماً وحالة بحرية يستنفر لها المجتمع البحري بأكمله. كما نجد في هذا الفصل توضيحات ومعلومات عن أمراض الغوص في ضوء الطب الحديث، فقد كان (الغاصة) عرضة للعديد من الأمراض، ومن الغرابة انهم كانوا يعتقدون أن سبب تلك الأمراض، إما وحشة قاع البحر، وإما الإصابة بالضرر، وإما مسّ من الجن، مع حديث عن أشهر الطواويش (تجار اللؤلؤ) و (السرادلة) والتجار في إمارة أبوظبي، ويتصدرهم خلف بن عبد الله العتيبة، كما نجد شرحا عن اللؤلؤ في كفة الميزان، بمعنى طريقة وزن اللؤلؤ، ونستدل من ختم عثر عليه في قبور تعود إلى حوالي 2000 سنة قبل الميلاد، في مدينة حمد بمملكة البحرين، على أن طريقة وزن اللؤلؤ استمرت كما هي دون تغيير منذ ذلك التاريخ حتى العصر الحديث، ويظهر على هذا الختم صورة رجل جالس يحمل ميزانا ذا كفتين شبيهاً بميزان اللؤلؤ الذي أستخدمه تجار المهنة في العصر الحديث. ويختتم الفصل الرابع بالحديث عن رجل من المجتمع البحري القديم اسمه (الدّلال) فقد كان تجار اللؤلؤ يلجأون عادة إليه إذا أرادوا بيعاً أو شراء، لسبب وحيد انه يمتاز بمهارات خاصة في فنون المعاملة والبيع والشراء والمحاورة، على أن إبرام الصفقات التجارية بين الأطراف التي يجمعها هذا الدّلال كانت تتم بسرية تامة، حفاظا على قوانين وطبيعة هذه المهنة التي تحف بها الكثير من المصاعب والإشكاليات ومخرجات التجارة السائدة في ذلك الوقت.
وفي الفصل الخامس من الجزء الثاني يتحدث الكتاب عن مراكز تجارة اللؤلؤ وتسويقه، وتعد جزيرة دلما الميناء الأول في الخليج لصيد اللؤلؤ وتجارته: “تعد جزيرة دلما من أهم جزر إمارة أبوظبي في مجال تجارة اللؤلؤ، فهي تحظى بالعدد الأكبر من المغاصات التي تحيط بها، ويتوافر بها اللؤلؤ عالي الجودة، فكانت دلما قاعدة تجارية رئيسية يؤمها التجار من جميع موانئ الخليج العربي والهند، ويؤكد تجار اللؤلؤ قديما وحديثا أن اللآلئ المنتجة من مغاصات دلما كانت تعتبر الأكثر جودة في العالم، ويقال إن أكبر حبّة دانة متداولة في العالم حتى الآن استخرجت من مغاصات دلما. (ص – 35).
مغاصات
أما جزيرة غاغة فتأتي من حيث الأهمية، بعد كل من جزيرة دلما وأبوظبي، كميناء لتجارة اللؤلؤ، وفي التفاصيل معلومات عن تاريخ هذه الجزيرة، مستقى من حديث ميداني مع الوالد مهنا بن بطي بن هزيم القبيسي، واللجوء إلى المعلومات الشفاهية من الوالد مهنا، مرده إلى عدم العثور على معلومات موثقة في المراجع التاريخية، عدا أنه تم اكتشاف أوانٍ مستوردة تعود على فترة ما قبل الإسلام، وأنها كانت تشكل في أوائل القرن التاسع عشر مركزا ثانويا لتجارة اللؤلؤ. وهنا تجد معلومات عن دور بعض الموانئ في تنشيط هذه التجارة خارج إمارة أبوظبي، ومنها ميناء البصرة، الذي كان مركزا مهما لتسويق اللؤلؤ، ومنها كان ينقل عن طريق القوافل إلى حلب، ثم أوروبا عن طريق البحر المتوسط، كما ارتبطت البصرة بشبكة من الطرق، فكان اللؤلؤ بأصنافه وألوانه وأشكاله يجد طريقه من خلال هذه الشبكة إلى أنحاء متفرقة من بلدان العالم.
وفي حكاية الموانئ نرتحل إلى ميناء مسقط ودوره في تسويق لؤلؤ أبوظبي، فقد كانت أبوظبي تعتبر ميناء مسقط منفذا بحريا لاقتصادها الوطني، حيث يتم تصدير بعض ما تنتجه عن طريق هذا الميناء الذي كان يرتبط بموانئ عالمية عدة لها وزنها الاقتصادي، حيث يتم تصدير لؤلؤ أبوظبي من ميناء مسقط إلى ميناءي بنجالور والسند، ومن ميناء مسقط إلى موريشوس ثم فرنسا، ومنه أيضا إلى باتاهيا (جاكاراتا) ثم هولندا، ومنه إلى أميركا.
وربما تكون أهم قصة في هذه الموضوعة، ما يورده الكتاب في فصله الخامس عن التجارة مع الهند بشكل عام، فقد كانت أهم شريك تجاري للخليج: “لقد ارتبطت هذه التجارة مع الهند بظاهرة مناخية فريدة من نوعها، وهي ظاهرة «الرياح الموسمية» التي خبر عرب الخليج أسرارها منذ القديم ونظموا رحلاتهم إلى الهند وفق هبوب الرياح، فلم يقتصر دور التجار العرب على نقل السلع من الموانئ الهندية إلى منطقة الخليج فحسب، فقد كانوا يتنقلون بتجارتهم حتى بين الموانئ الهندية، فقد شاركوا – مثلا – في تجارة الأرز الذي كانوا يشترونه من البنغال ليبيعوه في بومباي، وقد كان لميناء بومباي دور مهم في تسويق اللؤلؤ، وقد قادت هذه التجارة بالضرورة إلى تكوين مجتمع عربي في بومباي من تجار اللؤلؤ الخليجيين. (ص- 40).
ويختتم هذا الفصل بالحديث عن دور مدينتي جدّة ومكة المكرمة في تسويق لؤلؤ أبوظبي، فقد وجد لؤلؤ أبوظبي والخليج العربي طريقه إلى مختلف بقاع العالم عن طريق جدة ومكة المكرمة، وكان يشتريه بعض الحجاج الذين يتوافدون إلى الأراضي المقدسة كل عام لأداء فريضة الحج، حيث يصلون إلى مكة برا عن طريق القوافل، وبحرا عن طريق ميناء جدة، وكان يرافق قوافل الحجيج كل سنة عدد كبير من التجار الأغنياء، الذي يأتي بعضهم ليس بهدف أداء الفريضة وإنما بهدف التجارة وحسب، فقوافل الحج بالنسبة إلى هؤلاء هي الوسيلة الأكثر أمنا لتنقلهم بما يحملونه من سلع نفيسة ونقود”.
وفي الفصل السادس معلومات نادرة حول أهمية اللؤلؤ كسلعة فاخرة جلبت النقود إلى أبوظبي، فكانت العملات بمختلف أنواعها معروفة في أسواق الإمارة، ومنها على سبيل المثال النقود الإسلامية التي تم تداولها في الفترة من (81 – 1200 هجرية). وفي الفصل السابع توضيح حول الاهتمام العالمي بلؤلؤ الخليج، وفي الثامن حديث عن انهيار صناعة الغوص، والأزمة المالية انعكاساتها على الإمارات (1929 – 1933م)، ودخول اللؤلؤ الصناعي الياباني إلى الساحة التجارية، ليوجه بذلك الضربة القاضية للؤلؤ الخليج، وفي الفصل التاسع والأخير، ثمة عنوان لافت هو “مستقبل اللؤلؤ – التنمية المستدامة”، ووجوه اهتمام الدولة بالبيئة وحمايتها بشكل عام والبيئة البحرية بشكل خاص، والجهود المبذولة لاهتمام بفنون الغوص واستخراج اللؤلؤ.
ثقافة البحر
على أننا إذا ابتعدنا قليلا عن الجانب الاقتصادي الذي ركز عليه الكتاب، سنجد أن الغوص على اللؤلؤ احتل مكانة رفيعة لدى المجتمع البحري القديم في الأمارات، فقد تشكلت في هذا المجتمع ثقافة خاصة، ذات صلة بـ (المجالس التراثية البحرية)، وكانت تضم نخبة الطواشين – كبار تجار اللؤلؤ – والبحارة، حيث استعادة حكايات البحر، وقصص الغواصين المغامرين، وتنوعت أشكال هذه الثقافة ما بين نظم وإلقاء القصائد الشعرية المستمدة من بيئة البحر، إلى ظهور حالة إنسانية اجتماعية من التكافل والتآزر، ومساعدة المحتاجين وحل المشكلات التي يواجهها بعض البحارة وعائلاتهم التي كانت تنتظر العائدين من البحر بشوق وحرارة، وكانت هذه المفردات تشكل نسقا اجتماعيا لا يستثني أحدا، فرحلة الغوص المريرة التي كانت تستمر أشهرا تمثل نظاما إداريا تتوزع فيه المسؤوليات في البحر وفي البر أيضا.

لقد اعتمدت رحلة الغوص الناجحة على كوكبة من الرجال الطامحين، يتقدمهم النوخذة (ربان سفينة الصيد)، ومعه: المجدمي (رئيس البحارة) والغواص، والسيب، ومهمته سحب الغواص من عمق البحر، والجلاس، الذي يقوم بفلق المحار، والسكوني، الذي كان يمسك بدفة السفينة مستجيبا لأوامر النوخذة في توجيهها، وأخيرا النّهام، وهو أحد الصداحين، الذي كان يردد ويغني لطاقم رحلة الغوص على ظهر السفينة، فيخفف عنهم بغنائه رحلة غربتهم ويحفزهم على العمل والصبر وتحمل مشاق الرحلة من خلال (الفرضة البحرية). كل هؤلاء كانوا يشكلون رحلة الغوص في الزمن البحري الجميل، وهي بدورها حالة إنسانية مليئة بالخفايا والأسرار والعادات والتقاليد الأصيلة التي فقدناها في غمرة زحام الحياة، وزحمة التحولات في زمن العولمة.

اقرأ أيضا