الاتحاد

الملحق الثقافي

اقتناص الدهشة.. استدعاؤها من الغياب

يقدم معرض (في غياب النص) المقام حالياً بمركز مرايا في قناة القصباء بالشارقة، أنماطاً مفاهيمية تقتنص الدهشة الذاتية والمختزنة لدى الفنان، انطلاقا من التجربة الحية والحارة الموشكة على التلاشي والذوبان في راهن اللحظة وقبيل اختفائها في الماضي، وهي اللحظة التي يبدو وكأنها مقبلة أيضا على تأسيس ذاكرة مخدوشة تتعلق بهذا الماضي، أو بذاك الحاضر المنفلت لتوه نحو النسيان، وعطفا على هذا الاستدعاء الملحّ للدهشة، وهي في قبضة المحو وقلق التلاشي، فإن أعمال المعرض ورغم تباينها شكلياً، تكاد تجتمع على صيغة توليفية واحدة يتداخل فيها (النص) كجوهر مع (الكتلة) كمظهر، بحيث يأخذ الشكل الفني في النهاية مسارا متدفقا يمزج بين التوثيق وبين التداعي الحرّ، أو بين الثابت كقيمة، وبين المتحول كتمرد على هذه القيمة.

يسعى المعرض الذي يستمر حتى الخامس من شهر مارس المقبل إلى تحفيز الطاقة التأويلية في النص المكتوب، من خلال إدماجه في الفنون التفاعلية الحديثة والوسائط المرئية والمسموعة، بحيث ينقل هذا الامتزاج الفني مستويات التعاطي مع العمل التشكيلي إلى أفق التجريب والتعبير المتخفّف من أسر المنهج أو النظرية الفنية، ويتيح مساحة أرحب لقراءة الواقع الثقافي والاجتماعي وبمنظور مختلف ونابع من فلسفة الفنان ورؤيته للوجود.
شارك في هذا المعرض الجماعي خمسة فنانين هم آلاء إدريس، وسالم القاسمي، وزينب الهاشمي، وفيكرام ديفيجا، ووليد الواوي، وتم التحضير للمعرض بإشراف نور السويدي القيّمة على الأعمال المشاركة من خلال طرح فكرة عامة حول تعاطي الفنان مع ثيمة (النص - Text أو Script)، ومع دلالات وحمولات النص قياسا بالزمن والمكان والتفسير الذاتي للفنان، والرمز الاجتماعي الذي يمكن له أن يجعل من النص الواحد والمحايد، نصوصاً مفاهيمية مختلطة أو متنافرة يتحكم في تفسيراتها الحيز الذي تقع فيه، وتشع دلالاتها المعرفية من خلاله.
وانطلاقاً من هذا الطرح والتأويلات التي يتضمنها والإشارات التي تصدّرها، اشتغل الفنانون المشاركون على تكوين شبكة متصلة كمحتوى ومنفصلة كأسلوب، للتعبير عن هذا المحتوى اعتمادا على الخبرة الذاتية، والتأثر بالأفكار المعاصرة، والقراءات الشخصية للواقع، ورصد تأثيرات النص وسط محيط ممزق بين التراث والحداثة، وبين الحداثة وما بعدها.
حيث يكشف لنا عمل الفنانة آلاء إدريس المكون من أربع شاشات متقابلة في حيز ضيق وفي غرفة معتمة، عن هذا التلاقي المرهف بين النص الثابت والصورة المتحركة، وهو ما يعرف بفن: (توثيق الأداء Documented Performance). واعتمدت الفنانة على الإيحاءات الأدبية والمفاهيم الأخلاقية في أعمال «تشارلز ديكنز» الروائية كي تخلق فضاء مرئيا يجسد كلمتي «الجهل» و«الرغبة» كأصل للشرور التي تحدث في العالمين القديم والمعاصر، ففي الصورة الأولى نرى وجه فتاة تمضغ طعاماً لا تستسيغه حسب تعابير وجهها، وفي الصورة الملاصقة لها نرى صورة لقطعة رغيف لا تكاد تصلح للاستهلاك الآدمي، في دلالة على الأفكار المتطرفة التي يتغذى عليها الجهلة والبسطاء دون وعي، كي تتحول هذه الأفكار في النهاية إلى أعمال وحشية وتدميرية تحقق رغبة ومصلحة مروجي هذه الأفكار، بغض النظر عن المصير البشع للضحايا.
وتبدو تقنية (الفيديو آرت) التي استخدمتها الفنانة آلاء إدريس هنا ملائمة لعنوان العمل وهو «المستهلِك، والمستهلَك» مستثمرة النص كوسيط أو كمعبر دلالي بين الوسيلة البريئة والغاية الشيطانية، عندما يتحول قطاع كبير من البشر إلى حقل لتجارب النخبة، وإلى مجرد أرقام وإحصاءات هامشية مقارنة بالطمع أو الجشع الفردي الذي لا يعرف حدودا أو موانع أخلاقية للوصول إلى مبتغاه وهدفه النهائي.

متاهة بصريّة
أما الفنانة زينب الهاشمي فتقدم في عملها بعنوان: «الكلمات المتقاطعة: أحجية الحياة»، ما يشبه مكعبات المتاهة البصرية، من خلال لوحة جدارية تجسد لعبة الكلمات والصور، والكتلة والفراغ، والأبيض والأسود، والنور والعتمة، وسط
تقاسيم متباينة وأخرى متدرجة تخفي وتظهر كلمتي « قدر» و«حبر»، وما تحمله هاتان الكلمتان من دلالات ظاهرية وكلاسيكية وأخرى ضمنية وميتافيزيقية، من خلال وسيط تشكيلي ينتمي للفن الحاضر ويصنع شبكة من العلاقات المعرفية المتداولة والراهنة.
ويتوسل عمل الفنانة الطابع التجريبي في التعاطي مع النص الماثل هنا كحقل هائل من الاستعارات والكنايات والتي تتجاوز «كتلة النص»، لتنقلنا إلى «فضاء النص» في لعبة مدوخة من الاحتمالات اللانهائية عندما تتعالق مفردتان في هيولي المعنى المتعدد، والعبارة المنشطرة إلى أجزاء لا تحد ولا يستوعبها أفق.
ومن هنا، فإن مفردة: «قدر» المشتبكة مع مساحات البياض والسواد، تبدو كمنطلق لسلسلة متتابعة وأحياناً منفرطة في مسار حياتنا كأفراد نفسر فرضية (الجبر والاختيار)، اعتمادا على المنفعة المتحصّلة منهما، فالنظرة الذاتية هي التي تلعب دور الحكم هنا لتفسير ماهية القدر وأثره في تكوين وخلق مصائرنا، بينما في الجهة المقابلة، فإن كلمة: «حبر» يمكن إحالتها لمفهوم الكتابة والتوثيق والخروج من غبش الشبهة إلى وضوح البيّنة، حيث يتحدد الثواب والعقاب طبقاً لهذه البيّنة الدامغة التي لا يمكن محوها.
ويستخدم الفنان سالم القاسمي التصميم الجرافيكي في عمله «الكتابة بلغتين»، ليقرأ الاحتمالات المستقبلية لكتابة وقراءة ومشاهدة النص الهجين، أو الكتابة المختلطة بين العربية والإنجليزية، والتي باتت تُستخدم في نصوص الرسائل الإلكترونية، فيما يشبه السيناريو الاختزالي أو النص البصري الهشّ، حيث يتم استخدام أحرف أبجدية لاتينية لإظهار اللفظ العربي، قبل أن تتطور هذه العلاقة التبادلية قسرا لتصبح طريقة للتحدث. يقدم القاسمي في عمله الفني نصا بلغتين تمت كتابته بحروف لغة واحدة. ويعالج القاسمي ظهور ثقافة الكتابة المختلطة من منظور شخصي وعالمي، وباستخدام مختلف الوسائط مثل التصوير الفوتوغرافي، والأفلام، والأعمال الطباعية، والفنون التفاعلية.
ويتساءل عن هذه الظاهرة، ويقدم تعليقه عليها في محاولة لتقديم فهم أكثر وضوحاً لمسببات هذه الظاهرة ونتائجها المحتملة مستقبلاً.

علائق المحيط
وفي عمله المعنون بـ «نقل الحاضر» يطرح الفنان فيكرام ديفيجا عِدّة أسئلة حول قيمة الإنسان في واقع متغيّر باستمرار، ويكشف عن التردد الواضح لمواجهة وتعريف الواقع. بدأ هذا العمل عندما لاحظ ديفيجا شيئاً غريباً في مِشواره اليومي للعمل، كانت كل إشارات الطريق مُغطّاة بأكياس قُمامة سَوداء على امتداد شارعٍ يبلغُ طوله 3 كيلومترات (نتيجة أعمال طرق جديدة). حيث شكّلت هذه الظاهرة رمزاً للفنان يوحي« بالهجران»، فبدأ بطرح أسئلة عِدّة عن علاقته بالأرض التي يسير عليها من وإلى الشارع غير المُسمّى، مما أثار شعوراً ملتبساً تمثّل بالضياع الجسدي وفقدان الذاكرة المساحية. وخلال الشهور المتتالية كانت أجزاء من هذه الأرض قد اقتُلِعت، الأمر الذي أدّى إلى زعزعة تلك العلاقة بشكل أكبر. ويظهر لنا عمل ديفيجا كيف أن استخدام اللغة عملية إقليمية الطابع، تُعبّر في مكنونها عن الواقع والبيئة التي نعيش فيها، ومحاولة محوها أو تغييرها أو التغطية عليها يشتتنا أمام إحداثيات الواقع الذي نعتمد عليه لرصد حضورنا.
وينظر وليد الواوي في عمله الفني المعنون بـ «دراسة معلّقة» إلى اللغة كعنصر مضاف، ويركز على شكلها المكتوب، ليجذب الانتباه إلى منظور الكاتب والقارئ على حد سواء. وتبدو الدراسة أحياناً كتجربة وجدانية، حيث يتم عرض نص التواصل على ثلاث شاشات كنوع من الاقتطاع والتجزئة البصرية مع محاولة المحافظة على قيمة النص بتقنيات ثلاثية الأبعاد. ومع استكشاف الواوي للمساحات السلبية وغياب الشكل، يقوم في بحثه الفني باستكشاف عجز اللغة وتعدد دلالاتها رغم وجودها كعنصر فيزيائي محايد.
وفي سياق تعليقها على محتويات المعرض تقول نور السويدي، القيّم الفني للمعرض: «لقد كانت تجربة فريدة بأن أشارك في تطوير مفهوم المعرض بمشاركة الفنانين الشباب المشاركين فيه، كل حسب رؤيته وتفسيره لدلالات ومعاني الكتابة في مواجهة العمل الفني البصري»
وأضافت: «في غياب النص» هو المعرض الخامس الذي أقوم بالإشراف الفني عليه منذ حصولي على درجة الماجستير في هذا المجال عام 2009، والمعرض الثالث لي بالتعاون مع مركز مرايا للفنون. ولقد حققت كل تجربة لي نضجاً مهنياً، وأشعر ببالغ الامتنان لمؤسسات مثل مرايا لإعطاء الفنانين والقيمين الفرصة لتطوير مهاراتهم.
وقال يوسف موسكاتيلو، مدير مركز مرايا للفنون: يمثل «معرض في غياب النص» استكشافاً فريداً لمختلف الطرق التي يمكننا أن نرى من خلالها الأشياء، والعبارات، والصور ذاتها، سواءً في حالتها المتحركة أو الساكنة، وبالتالي تقديم تجربة غامرة وتفاعلية للمشاهد.

اقرأ أيضا