الاتحاد

الملحق الثقافي

مكر السينما

في أحد مشاهد فيلم «Captain Phillips - كابتن فيليب» يقوم ضابط الربط والتفاوض مع القراصنة بإخبارهم بأسمائهم ومن أيّة قبيلة هم!؟. ويوحي هذا الإخبار، أو هكذا يفترض به، بمعرفة المخابرات لحركة القراصنة من الألف إلى الياء. وليس من الحصافة النقدية القول بأنّهم عرفوا أسماء القراصنة بعد حدوث الواقعة وقرصنة سفينة الكابتن فيليب، فمنطق الإحاطة بالقراصنة ضمن قارب النجاة الذي يحملون فيه رهينتهم الكابتن فيليب، ثم إنجازهم مهمة تحريره، وقتلهم لبحارة القرصان موسى، بخطوات تبدو أقرب إلى المعادلة الرياضية، كل هذه الأحداث تستبعد عدم علم المخابرات الأميركية بواقع القرصنة في القرن الأفريقي، ومن هم رجالاتها، وبالتالي القدرة على خرق مخططاتهم بسهولة!؟.

يقوم الفيلم على جذر واقعي يتعلق بحوادث القرصنة التي تحدث في القرن الأفريقي انطلاقاً من الصومال، البلد الذي دمرته الحرب وتركته نهباً لعصابات وميليشيات مسلحة، إذ يقوم الكابتن فيليب بنقل بضاعة جلّها من المساعدات الإنسانية من مرفأ صلالة على بحر العرب إلى منطقة جيبوتي، وبعدها عليه أنْ ينحرف جنوباً وهناك تتم قرصنته، وعليه تحدث جملة الأحداث المتوقعة والتي يمكن أن يستشفها المتفرِج من هكذا أفلام ليس الهدف منها المغامرة ولا «الآكشن» كما هو ظاهر الأمر، بل الهدف الخفي هو المطابقة مع الواقع، ومن ثم الإيحاء بالسيطرة الكاملة على تفاصيله!؟.
ملامح هذه السيطرة يمرّرها لنا الفيلم منذ اللحظة الأولى مع الكابتن فيليب الذي يتناقش مع زوجته عن مستقبل أولاده ليصل إلى أنّ العالم صار أكثر تنافساً، وبالتالي فإن النجاح يحتاج مجهوداً أكبر.
وعندما يصل إلى سفينته ويصعد عليها يلقي بتعليماته التي يجب أن تنفذ بحذافيرها، وهكذا، يرسم الفيلم صورته للمتلقي كقبطان يمسك بمجريات الأمور ولا يترك شيئاً للأقدار.

رسم الشخصيات
في الجهة الأخرى نجد القرصان/ القبطان موسى نائماً وفوهة بندقيته متجهة إلى رأسه، وعندما ينتقي طاقمه يختاره تحت تأثير القات، ومع ذلك يحاول أنْ يظهر بمظهر المتحكِم بالأمور ويمارس العنف على قرصان آخر ليثبت أحقيته بفرض الأوامر. بيد أننا نراه يتخبط، وتنطلق قراراته من ردّ الفعل أكثر من كونها مبنية على التخطيط. وفي مشهد من الفيلم عندما يقوم الكابتن فيليب بتحميل محركات سفينته فوق طاقتها، نجد القرصان موسى يضيف محركاً آخر لزورقه ليزيد من سرعته، إذاً نحن أمام مواجهة بين قبطانين فهل يحقّ لنا السؤال: لماذا العتبة العنوانية للفيلم اقتصرت على اسم الكابتن فيليب؟!
هل نمارس شيئاً من سوء النية، حين نفترض أنّه مهما حاز القرصان موسى على اهتمامنا فإن الذي يظل في البال هو الكابتن فيليب.. وعندما نذكر الفيلم سنذكره باسم الكابتن فيليب وليس القرصان/ الكابتن موسى.. وهذا، ما يحاول العنوان تحقيقه، فالعنوان هدفه في النهاية شطب القرصان موسى من عتبة ابتدائية، إذ كيف يتساوى العالم الأول والعالم الثالث!؟.
في المقابل، نجد الكابتن فيليب، طوال الفيلم، يظهر في شخصية الرجل العاقل، الذي يفكر بغيره من منطلق إنساني. وهو ما أظهره الفيلم من خلال المشاهد بنوع من المكر، لا سيّما عندما تصاب قدم أحد القراصنة فيحاول معالجتها. فالمكر المقصود هو تدارك العواقب السيئة وفتح نافذة حوار بين القراصنة وبينه لربما يثنيهم عن الاستمرار بفعلتهم التي تظهر، بشكل حاسم، أنها بلا نتائج ولن تعود عليهم بشيء إلا إذا كانت تصفية الكابتن فيليب تحسب لمصلحة النتائج الإيجابية من قبل القراصنة بعدما فقدوا السفينة، وتحولوا لمطاردين من البحرية الأميركية التي تستحضِر للمنطقة حاملة طائرات وطرّادين لإنقاذ الكابتن فيليب!؟

إنسانية.. وإنسانية
في تصويره للشخصيات يسعى الفيلم إلى تبيان إنسانية الكابتن فيليب في الوقت الذي يظهر فيه أن إنسانية القرصان/ القبطان موسى براغماتية واضحة عكس براغماتية الكابتن فيليب، فالقبطان موسى لا يريد سفك الدماء إلى حدّ ما، وعندما كبح عنف أحد بحارته تجاه الكابتن فيليب، ظهر أنّه لرغبة القراصنة بعدم دفع الأحداث نحو الأسوأ.
تحضر البحرية الأميركية لإنقاذ الكابتن فيليب في حين يهرب مشغِّل القرصان موسى ويتركه لقدره، في لحظة ينهار الكابتن فيليب ويطلب قتله ويكتب رسالة وداعية لزوجته. وفي المقابل نجد القرصان موسى يقبل المفاوضة، ويذهب إلى ظهر السفينة الأميركية منتظراً مشايخ القبائل، وعندما تنتهي العملية بتحرير الكابتن فيليب يقبض على موسى وتتلى عليه حقوقه وفق القانون الأميركي، فمستقبله هو السّجن في أميركا لمدة طويلة نتيجة جرم القرصنة.
في هذه اللحظات الختامية، وبينما إحدى الطبيبات تتأكد من سلامته، يبكي الكابتن فيليب، في الظاهر كان يبكي للذي حدث وفي الوقت نفسه يستشعر الحزن لما حدث بالقراصنة. نستمد هذه المقاربة من حوار بين الكابتن فيليب والقرصان موسى، عندما ذكر كل منهما أنّ له قادة عليه تنفيذ ما يأمرون به، ونتابع مشهد استنكار بحارة الكابتن فيليب عدم وجود سلاح ضد حوادث القرصنة، وعند احتدام النقاش مع إحدى النقابيين يرد الكابتن فيليب قائلاً: «عليكم الاستقالة إنْ لم يعجبكم ذلك، لكن أنتم من وقع على عقود الإبحار وتعرفون الشروط، فلماذا التمرد الآن!؟». وعليه نجد عنف الكابتن فيليب الناعم وعنف القرصان/ القبطان موسى الخشن، لكن ما الفرق!؟ إن الحوار الذي يجري في بداية الفيلم بين القبطان فيليب وزوجته يوضح أن العالم صار أكثر تنافسا، وبالتالي أكثر وحشية، لكن لا ينبغي أن يقودنا هذا إلى مهزلة التصديق بأن هناك فرقا بين عالم الكابتن فيليب وعالم القرصان موسى، الفارق يكمن في أنّ القرصنة مقننة في عالم الكابتن فيليب وتسمى «المنافسة»، في حين أنها في عالم القرصان موسى غير مقننة وهي صراع لأجل البقاء.
يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة الكابتن فيليب بمشهد يوحي بالطمأنينة للكابتن فيليب وبحلم القرصان موسى بالذهاب إلى أميركا، ويصرخ بأنّه يحبّ أميركا في أحد المشاهد، ويتحقق حلمه بالذهاب إلى أميركا، لكن للسجن! هكذا يتضح لنا أنّ الذهاب إلى أميركا سيكون وفق شروطها هي، لا شروط الحلم الأميركي الذي تم زرعه في عقول المتفرجين على أفلام هوليوود في القرن المنصرم. لقد تغيّر الحال بعد هجمات 11 سبتمبر، وما تكرار القرصان موسى أنّه ليس من القاعدة، ومن دون داعٍ لذلك، إلّا إشارة للمفصل الهام في حياة أميركا، والقاعدة الجديدة التي سيتم بها التعامل مع الغير سواء من القاعدة أو غيره، وعليه يكون الفيلم تظاهرة لمصلحة أنّ أميركا هي شرطي العالم.
نجا الكابتن فيليب وخسر القرصان موسى بحارته وسجن، إذاً، هذه هي نتيجة المواجهة مع أميركا، لكن هوليوود تحقق الأحلام (!) فقد رُشح الفتى النحيف المجهول والذي لم يعرف التمثيل مسبقاً بالمعنى الاحترافي لجائزة الأوسكار!؟ هل علينا أن نقرّ بمهارته بالتمثيل وبوقوفه في مواجهة المخضرم توم هانكس الذي غاب عنه الترشيح (طبعاً ليس لنفس الفئة)، لأنّ الفتى القرصان الهامشي كان ترشيحه عن دور المساعد الثانوي!؟.
نعود للعتبة العنوانية للفيلم، ونقول: إنّه عالم الكابتن فيليب وليس من داع لحشر اسم القرصان موسى معه، حتى لو جرى ترشيح القبطان موسى لجائزة الأوسكار.

اقرأ أيضا