الاتحاد

الملحق الثقافي

زهرات الخشْخاش في سهُوب الشّوفان

هناك ولعٌ هامشيّ لشعراء كتبوا نصوصا غير الشّعر الذي دمغ حياتهم بشكل مركزي. فحجب الوجهُ الشعريّ لقصائدهم ظلَّ القصص التي أبدعوها كما لو اقترفوا خيانة أوجريمة ما. وظلتْ تلك القصص عزلاء ويتيمة، منذورة للصّمت. بل هناك نزعة نقدية تقصّدتْ إهمال ما أنجزوه من نصوص سرديّة، كما لوكان خلقها الأدبي مجرّد نزوة. وثمة أيضا نقد لم ينتبه، عن كسل، إلى قوة تلك النصوص وإبداعيتها التي تسمق بها لتوازي وتضاهي قيمة ما كتبوه من شعر.


لا نعني هنا الكتاب الذين زاوجوا بين كتابة الشعر وكتابة القصة القصيرة، أمثال إدغار آلن بو وبورخيس...
كما لا نعني كتاب القصة القصيرة الذي دشنوا أفقهم الأدبي بنصوص شعرية ثم تحولوا عنها والتزموا بكتابة السرد، أمثال خوليو كورتاثار...
بل نعني شعراء بالدرجة الأولى، نذروا وجودهم للشعر، وذاع صيتهم كشعراء لا غير. في الوقت الذي أغوتهم كتابة أخرى، وزاولوها ضمن فراغات مريبة اعتورت حياتهم الصاخبة، فأثمرت قصصا قصيرة خلدت كأثر جروح لامعة وغائرة في ذاكرة كتابتهم. وهو أثر نادرا ما يلتفت إليه، لأن النظرة الرسمية المسدّدة إليهم، يحتكرها ويستأثر بها الشعر والشعر لا غير. في حين أن النصوص القصصية، التي تجاسروا على إنجازها وغامروا بدخول تجربتها انفردت بقيمة أدبية عالية وإن لم يردفوها بنصوص أخرى تعزز رصيدهم السردي. وبالرغم من عزلة هذه النصوص، وارتكانها إلى هامش كتابتهم الشعرية، فهي بقيت تدخر قوتها، تضمر جمالها بألم وتصون حكمة غرابتها لزمن آت... زمن سيبزغ فيه معدن ألقها وفرادة صنعتها وجمالية خلقها الأدبي، مع الالتفات إليها، ونفخ الغبار عن منطقة كنوزها، واستكشاف زمرد تاريخيتها وأدبيتها. استكشاف يفتح هامشا جديدا لخارطة مجهولة حول مبدعيها، بإضاءة جوانب عاتمة من وجوههم ووجودهم المنهوب استهلاكا من ضوء الشعر.
استكشاف يعزز الحاجة الأنطولوجية لقول أشياء لا يمكن أن يستأثر بقولها الشعر وحده دائما وأبدا:
هناك الحاجة إلى شعر أيضا لا يتحقق بالقصيدة وحدها. وهناك الحاجة إلى القبض على أشياء منفلتة، لا يمكن الإطباق عليها دائما بالقصيدة أيضا.
ثم هناك ما يعزز غواية السرد، وإبداعية القصة القصيرة بالذات، التي سحرت هؤلاء فمارسوا كتابتها بمخاطرة وريبة، ولم يكرروا التجربة. فظلت كتابتهم السردية تلك تلمع كحجر أبيض راسب في بحيرة ما راكموه من شعر.
وكنموذج سامق لهذا المنحى من الكتابة القصصية، التي أنجزها شعراء طبقت شهرتهم الأفاق بفعل الشّعر. يمكن التّمثيل إشارة ولمعا إلى ثلاثة أسماء على سبيل المثال لا الحصر: راينر ماريا ريلكه، فيرناندو بيسوا، انغبورغ باخمان.

ريلكة.. ضرواة القلق
تنضح قصص راينر ماريا ريلكه (4 ديسمبر 1875 - 29 ديسمبر 1926) بضراوة القلق، دوارة في انشطارات ذاتية، معنية بملاذات فردانية مضطربة هي صورة مضاعفة لوضع اجتماعي وتاريخي. قصص تحتكم إلى تجارب حياة رمادية، ترصد الإحداثيات اليائسة والمنعزلة والمأساوية لقدر الإنسان المندحر، عبر مقدرة هائلة من التصوير والتشخيص والحفر داخل اللحظة الإنسانية بوعي يقظ وحادّ.
ثمة غنائية تتواتر في سرد ريلكه القصصي، يبرع في ابتكار إيقاعية لها نسق شعري، غير النسق الذي يتخلق بالقصيدة.
وثمة صوفية تنضح بها رؤية الحب في القصص، الذي لا يتمرآى هنا في حالات عزلاء منطوية، بل في اصطدام واحتدام مع وجوه الكراهية والحقد واليأس والعنف والموت.
وهناك خلفية طفولية، واستغوار للذاكرة، كلما رسمت القصص الطريق الجوانية إلى الشخوص النسائية، طريق ملتوية ممتدة عبر التعرية موغلة في غابة الأشياء الداخلية الداغلة.
ريلكه لا يترك أدواته الشعرية جانبا هنا، عندما يتعلق الأمر بتشخيص العزلة القصوى، وتفجير الطاقة الغامضة للحالات السوداوية، كما لا ينسى جسارته اللاذعة والإيحائية في توجيه الضربة الرادمة لأنصاب البداهات المستفحلة، بما فيها أشكال القيم ذات العلاقة بالقومية والوطن والسياسة والحرب (قصة وليمة العائلة).
الملفت في القصص أيضا جنوحها إلى تصوير أقرب إلى بلاغة النحت، كلما تعلق الأمر برسم وجوه وهيئات وملامح هلامية منفلتة، وهنا تلمع في ظلال النصوص أزاميل رودان التي يستنطق بها حجر الصمت (قصة فلاديمير رسام الغيوم...).
وبرغم الحسية الدامغة في بعض القصص فثمة مسافة محسوبة في الاشتغال الداخلي والخارجي على الأشياء. اشتغال يعي تماما اللعبة، ولا يفرط في الحسي على حساب الفني، كما لا يبالغ في التصوير على حساب الموضوع الجوهري.
قصص ريلكه شأنها شأن شعره أيضا، مؤرقة بالوجود وقلقه المزمن، وهي في ذلك ذات نزعة حادة أشبه ما تكون كيريجاردية (قصة إيفالد تراجي وقصة توحد وقصة كيف وصلت الخيانة إلى روسيا).
وكيفما بدت القصص موغلة في مصائر ذوات منشطرة تعاني أفدح حالات العزلة واليأس والموت (قصة حفار القبور)، فهي في العمق النائي، رسم لصورة إنسانية كلية، وإعمال نظر فكري حاد في قلق العصر وتوتراته واضطراباته العاتية.

بيسوا.. استكناه الميتافيزيقي
كتب الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا (13 يونيو1888–30 نوفمبر 1935) بأسماء مستعارة: ألْبرتو كاييرو، وألْفار دي كامْبوس، وريكارْدو رييس، وبِرْناردو سْواريش، وقد حافظ على اسمه الحقيقي في كتابة قصص بعينها، وكتب أخرى بمسمّى مغاير.
قصص بيسوا ذات قيمة أدبية وأثر فني لا يقل شأنا عن إبداعيّة شعره. في عشرات القصص التي خلّفها بيسوا، هناك مناح متعددة للأسلوب الذي سوّغ به مادته الحكائية، بين نزوع فانتازي ونزوع تأملي ونزوع بوليسي... وإن كانت الأسماء المستعارة التي اختارها بيسوا كأقنعة لذاته المتعددة، فشخصيات قصصه تبدو كذلك بشكل من الأشكال، تارة كمفكر وفيلسوف، وتارة كفلكي، وتارة كعالم اقتصاد وتارة كعالم فيزيائي...الخ.
هذه التناقضات المعتملة في ذات يستشرس فيها التعدد، يفصح عنها سرد قصص بيسوا، عبر أفكار تبني خططها التخييلية، بالاحتكام إلى خلفية معرفية وأطروحية هائلة، يتواشج فيها الفكري بالفلسفي، والشعري بالموسيقي، والعلمي بالاقتصادي، والواقعي بالخيالي، واليومي بالرمزي...
هي قصص تبرع في استخطاط أشكال حكيها، ولا ترتكن إلى نمطية القص الكلاسيكي الذي عاصره بيسوا. قصص وإن يثقل كاهلها الاستكناه الميتافيزيقي لحالات وجودية، والجنوح إلى التنظير أحيانا، أو تفخيخ النص بشذرات حكمية، والولع بالتشخيص الإنساني والحضاري لحالات فردية هشة ومتوترة... فهي منتبهة بحذاقة لمشغلها الفني وتبتكر طرقها الخاصة في صوغ الرؤى ورسم الخرائط وحبْك العوالم الدوارة.
المتنزه في حدائق بيسوا السردية هذه، لا بد أن يصادف أشباح كل من إدغار آلن بو (قصة كواريزما فكاك الرموز كنموذج) وتشيخوف (قصة البحار التي تعتمد تكنيكاً مسرحياً كمثال)، وهيرمان هيسة وتوماس مان (ناسك الجبل الأسود كمثال) وغوغول (رسالة الحدباء) الخ...

باخمان.. مأسوية الوجود النسائي
الشاعرة النمساوية انغبور باخمان (25 يونيو1926 – 17 أكتوبر 1973) وإن لمع اسمها في كتابة المسرحيات أيضا غير الشعر، وفيما بعد الرواية، كتبت قصصا قصيرة تأخر الالتفات إليها كهامش يغذّي بشكل خاصب منجزها الأدبي الشهير بوجهه الشعري.
القصص السبع لكتاب “العام الثلاثون” لانغمور برغمان، يعتمل فيها القلق باصطخاب، راصدة لمصائر فردية حادة في اصطدامها المدوي بحقائق صلدة. حقائق مفزعة تضاعف من هشاشة الذوات النسائية المنذورة للحب والموسيقى والتناغم. ما يشبه التشخيص الإيحائي لمأساوية الوجود النسائي.
سعت باخمان في لغتها لكشط طبقات النازية الملتاثة من لاشعور الكلمة، ودفعت بأبطالها الرجال في نزوع يائس إلى الحرية والمطلق كما في قصة “أوند يسافر”، وحاولت استنطاق جليد اللاتواصل في العلاقات الإنسانية، بين الرجال والنساء، بين الذكور فيما بينهم وبين الإناث أيضا.
قصص انغمار برغمان التي يحتد فيها صمت الفراغات وتعتورها المحذوفات التي تذكرنا بصمويل بيكيت وفيرجينيا وولف، تبدو كما لو كانت تقنية في الحكي وليس عجزا كما هاجمها نقاد لحظتها التاريخية المصطخبة. مصطخبة بالنظر إلى مضاعفات الحرب النازية المفزعة. وبالنظر إلى جسامة الحوادث المريبة التي عصفت بحياتها الشخصية، وأقواها حدة وغورا انتحار صنمها “بول سيلان” غرقا في نهر السين، وهي نفسها الخاتمة المدوية التي ستمهر بها حياتها بإحراق نفسها في روما (هل للأمر علاقة رمزيّة بنيرون، أم هي صرخة تاريخية لا واعية ضد فاشية موسوليني؟).
القلق الشرس وقسوة العزلة والضجر العنيف بالإضافة إلى الرعب الصامت الذي يتغوّل الأعماق وعدم الاطمئنان لحياة مسعورة، ذات تقلبات مسنونة دوارة، يشكل منطقة شاسعة من مناطق اشتغال القصص الذي يجد في ذات انغبورغ باخمان وتجربة حياتها منطلقا وثيقا وأكيدا، تجربة الذات التي تتشابك مع مناطق أخرى حادة، لها علاقة جدلية بالتفكير الوجودي المؤرق، واستقراء المعنى الإنساني في معترك الحقد والكراهية والحرب والألم والحب والموت.
هكذا تشترك التجارب القصصية لهؤلاء الشعراء، في صنع ضفّة موازية لشعرهم، وإن لم يتم الالتفات إليها بالشّكل اللائق بها، وظل إهمالها قائما حتى اليوم.
وبالنظر إلى وفرة القصائد التي كتبها هؤلاء الشعراء مقابل التجارب اليتيمة لكتابتهم القصصية، فالصورة المتمثلة لشعرهم هنا تبدو كما لو كانت حقولا شاسعة من الشوفان، فيما القصص القليلة التي أنجزوها خلسة، فتبدو كزهرات خشخاش تائهة في التموج الهائل لسهوب قصائدهم المستشرية كالشوفان.
ولعل هسيس الشوفان هنا أيضا هو صوت القصائد، ولعل حمرة الشوفان القانية هنا هي ألوان القصص الفوارة بدم الخلق والعزلة والجنون.

اقرأ أيضا