الاتحاد

الملحق الثقافي

أبا خالد.. خالد في الكلمة

يا أبا خالد، خالد في تلافيف الكلمة، خالد في المعنى وأصل الحكاية المبجلة، عندما يضع القلم أوزاره تتلقف النجوم حبر الهوى، وما استوى في القلب من أشجان حُلم بات في الصحائف والكتب، شغل العبارة كأنها النث على ترب الغارفين من معاني الحب، العازفين على وتر الأخلاق النبيلة، وهكذا، نسخ التاريخ من مخطوطة العمر، وأبدى عرفاناً لمن أعطى بجزل، وأجزل ببذل، وما خابت معانيه حين امتطى صهوة الحُلم، مجللاً بفكر وعِبر، وخبر، وسور سارت مع الترتيل كأنها الماء السلسبيل على شفاه من رفعوا النشيد عالياً، لأجل سفينة لا تغرق في بحار الظلمات، ولا تزحف في رشق الكلمات، سفينة الإنسان الذي وضع الوطن رمشاً ومقلة، وقُبلة وقِبلة، وشرياناً في الثنايا والطوايا والسجايا، يطرق بوجدان لا يخفي وجده ولا يجف ماء سده، لأنه العين والمعين، والبيان والتبيين، والسر المبين، والخبر اليقين، واللحن الأمين في العطاء والسخاء، والتفاني بلا توان، وبتأني الأفذاذ أعطيت وأشعلت شمعة العمر، ليستنير الآخرون، ولكي يبقى الوطن دائماً نجمة ونعمة، في القمة المتاخمة لهامات السحاب.

غياب وحضور
أبا خالد.. في غيابك حضور الجلجلة كما كان في حضورك، وجه النجوم المتلألئة، في غيابك تستدعي الذاكرة، ما شاخ في زمن التلاشي وتحاشي الزلزلة، في غيابك تستيقظ الكلمات، ترتدي قماشة وعيها، ذاهبة في الحزن إلى مناطق الزهو، حادبة في براري العروبة الآفلة، والقاحلة، لعل في الأسماء الباهرة، تدق نواقيسنا،
وتطرق أبواب وعينا ويبدأ الحوار بلا أسوار، وتغني العصافير على ألسنة الصغار والكبار، بأن كان في الديار من يستحق أن يكون شامة على الجبين، وعلامة فارقة في زماننا المستكين، ووسامة تشرق بها أقمار السماء، مضاءة بالوشم والشيم، والوسم والقيم، والحسم والنعم، وما جاش في قلب الصحراء، من لواعج سكنت القلوب وما سكنت، وأيقظت في رحم الأيام بذرة الأجنة القلقة، وما حل في أنهار الفكرة من موجات مضطربة، أعلنت عند السواحل المقفرة، أننا جميعاً بحاجة إلى قناديلنا حتى وإن أطفأها الموت حتى وإن لفت بأقمشة النهايات القصوى، تكون البداية عندما تُسرد الحكاية، عن قمر أشعل بصيصه، من خلال غيمة واستراح عند نافلة السماء، يتهجى حروف الاسم الرباعي «ح. ر. ي. ة».. لا غياب يا سيدي، ولا عتاب ولا اقتضاب، إنه الموت الذي يحيي عظام الذاكرة ويستفز الكلمة، لتشمر عن ساعد الحكمة، وتشهر حروفها كأنها الحروز المعقوفة على زند هوانا وما أغوانا.
لا غياب يا سيدي، وأنت الذي طاردت الغيبوبة، بقنديل وعي ونشفت عرق المتعبين بمنديل الأمل، وسرت بالقارب نحو خليج يخصب موجاته، بابتسامة المحارات المبتهجة، سرت بالقارب نحو غايات لا ترجفها راجفة، ولا تغرقها آزفة.
يا أبا خالد، هل نقول كما قال أفلاطون العظيم، «الجسد مقبرة مؤقتة للروح»، وأنت الآن يا سيدي تسرج جيادها في ملكوت الحكمة الأبدية، في فضاء الوعد الأزلي، هناك في البعيد القريب، تغلق نوافذ القلق، وتسرد عنا وعنك وعن الوطن ما ظهر وما بطن، من هم شغل الفؤاد، وفكرة تزاحمت فيها أشجار وعيك، وتفرعت أغصانها، مظللة رؤوسنا بأحلام أزهى من النجوم، أصفى من زرقة البحر، وأرق من أوراق اللوز، أنت يا سيدي في الحلم فكرة ترتل آيات الفرح، وتبتهل بسعادة الناس أجمعين، إذا ما توارى القنوط، واستيقظ الأمل، نخلة وارفة الظلال، استيقظت المقل، جزراً طيورها نوارس، الفضاءات المفتوحة والعشب القشيب والحقل الخصيب.
يا أبا خالد.. في مضيق القلب، سفن ومراكب وأجنحة طير، وموجات عارمة، تخوض في البياض، رحلة السفر البعيد، إلى مناطق في الغياب وشكل الغياب، ولون الغياب، ولوعة الغياب، والذاهب مترجلاً ينظر إلى عيون الغارقين حزناً، النازفين دمعاً، الواقفين على نعش الفراق، متأملين ماذا يجري تحت القماشة البيضاء والجسد المُسجى ينبض برائحة الدهشة.. يا أبا خالد، هكذا كانت الساعة التي استيقظ عليها النهار، بدت كأنها زحف بغيض يهش بعصا القسوة، مشاعر من أحب لطفك وطيفك، ونعومة أظفار القلم الذي ما شاخت معالمه، وما توارى حبره في ظلام العروبة المتقد..
يا أبا خالد، هكذا كانت اللحظات كأنها سيوف تغرس حدها في جحيم الخبر المريع، وهكذا نامت في مهد الوعي فراشاتنا القلقة.
لا يمكن لحكمة العقل أن ترصد دفق الشريان، عندما يتداعى جسد، وتبدو الحياة مثل عربة فارغة، ضجيجها لا يقيسه مقياس وعجلاتها أشبه بعصا مجردة من المرونة، لا يمكن يا سيدي أن يجف الحبر، طالما نهر الأفكار يغرف من مطر الأحلام واسعة الحدقات، طالما العشاق ينتمون إلى وطن ملأ الأشجار ثمرات الحب، وأروى الجذور بماء المكرمات، حتى صارت الوديان مآقي، دموعها الماء الفرات، وصارت الجبال صفحات سطورها تختزن وعي الذين زفوا البشارة بعبارة بلا استعارة، ولا مجاز شعري، ولا قواف مرتبكة، نعم سيدي هكذا تبدو في الغياب، المحارات المبتهجة تشبع السواحل بالبريق الأنيق، وتحكي الحكاية لطيور طافت على الرمل، تفتش عن بقايا أمل، وترفع الأسئلة بوسع الفضاء وخفة الهواء، ورقة الماء ورقيق الأفئدة، هكذا يا سيدي لا تختفي الأقمار حتى وإن غشيها غيم أو ضيم، لأنها السر في الوجود والأصل في الخلود والحقيقة القابعة في أطناب الوعي الإنساني، لأنها الحق المستدام، النابض بالمشهد العظيم.

وتبقى الكلمة
يا أبا خالد وعمران، هذا طائر الروح، رفرف بأجنحة الحضور الأبدي، وأعلن عن تصريحه الأخير، بأن الكلمة ستبقى في العقل الباطن في اللا شعور الجمعي، في ثنايا الذاكرة الوطنية، المشهد المتجدد والمستطرد والمغرد، والمتغرد، والمتعدد، والمجتهد دوماً في صياغة قلائد الحرية الناصعة، المبتعد دوماً عن بلاغة المدعين وكل ما ساور ظن المفترين.
بروتا غوراس «الإنسان مقياس كل شيء» وأنت يا سيدي كنت المقياس، والمتراس، والإحساس، والفراسة التي أوغلت في الوعي، وأسست في الذاكرة، خطها الممتد من طنجة حتى شعم، وسارت في المعاني ترسم دروباً، وتتخطى خطوباً، وتصنع الأمل نهراً فاصلاً ما بين الشح، وترف الفكرة المتطرفة في الحب، المطرقة باتجاه النعيم الأبدي، لوطن سواعده من فروع النخل وجذوره، من الجبال الراسيات على الخضم الرحيب.. يا سيدي، قلت دائماً كما قال فولتير: «الأفكار المسبقة مفسدة للعقل» فكان عقلك حقلاً من حقول النهار، سهلاً من سهول الديار، نهلاً من نهول العيون المترعة بالعذوبة، متقناً درس العطاء، متيقناً من أن الوطن يحتاج إلى نخيله كي يملأ الصحراء ظلالاً، يحتاج إلى بحاره كي تسير السفن بسلاسة السابحات في أحشاء الماء..
يا أبا خالد، لا تنام العيون ولا تغمض الجفون، إذا ما طارت الطيور بعيداً عن أعشاش التكوين ولكن يبقى للأفئدة من أمل في تلك الأجنحة المرفرفة بالأمل، وتلك الأحداق المتألقة بالأحلام الزاهية، إذاً لابد من كلمة تنثر على الورود رائحة العطر لابد من وعي بالكلمة، كي تعطي ثمارها، وتمنح للأوراق خضرتها.. لابد يا سيدي، للموت رجفته، لكن ألا نحلم فذلك هو الفناء الأكيد، وتلك هو النهاية المأساوية، وها نحن وفي غيمة الموت الداكنة، نرى المشهد بلون الأمل والأمنيات، التي ما باءت بالفشل رغم تشققات الروح، ورغم القروح، فالأحلام قناديل الليل البهيم، تطرق أبوابنا كلما ترعرع في الأفئدة، بعض النكوص إلى مراحل ما بعد الفراغ.. يا سيدي، يجدر بنا أن نستدعي أحزاننا، لأنها الجرس المحقق لحظة الإيقاظ، لأنها الهديل المهفهف عند آذاننا، لأنها الحفيف الذي يغسل أذهاننا من الصدأ، ويطهر الأفئدة من حثالة القهوة المرة.
يا أبا خالد.. في هذه الرحلة البعيدة، نبدو جميعاً أمام اختبار الإرادة ولنا في العزم طرقات رغم الحرقات، ورغم انطفاء كوكب من كواكبنا المضيئة جداً، والمترفة بنور العقيدة.. لابد لنا أن نقف عند ناصية الفكرة ونحدق ملياً في شارع وعينا، ونتذكر أنه ما غاب نجم إلا ووضع عند منازل انتظارنا، ناقوساً يطرق نوافذنا، يذكرنا بأن الآمال لا تكسرها لحظات أو أيام أو سنوات الحزن، الآمال بحار من إرادة، ولابد لنا أن نسبغ على هذه النسخة من كثب الحياة ما قاله نيتشه: «لابد من تجميع عناصر القوة، كي ما نكتشف سر قوتنا».. نحن إذاً يا سيدي بحاجة إلى قوتنا الداخلية، كي نحلم كما حلمت ونأمل كما سادك الأمل، ونذكرك دوماً في التو، كونك المدار والسوار، وأنك الطوق المرصع بالنهار، وأنك يا سيدي المنطقة الدافئة في أحلامنا، والمساحة التي دارت في حلقتها طيورنا الباحثة عن نقطة الضوء.
يا أبا خالد.. نسأل الله لك الرحمة والغفران، ولنا الصبر والسلوان، وانقشاع غيمة الأحزان، لأننا نؤمن أن من يرسخون الفكرة المضيئة لا تموت أشجارهم، ولا تذبل سنابلهم، ولا تنحني أغصانهم، ولا تغيب أقمارهم، ولا تجف أحبارهم، ولا تسف بحارهم، ولا تنحرف سفنهم عن مسار الحقيقة.. لأننا نؤمن أنك سيدي شيّدت جبالاً من فكرة، ونسجت أوتاداً من كلمة، وغرست جذوراً من أحلام، والباقيات الصالحات من خطك القويم.

اقرأ أيضا