الاتحاد

الملحق الثقافي

«إكسبو».. اختبارنا الثقافي

استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تتنافس على استضافة معرض «إكسبو 2020» بجدارة، مع مدن عالمية تاريخية، تقودها حكومات تتمتع بوزن دولي ليس بقليل، مثل روسيا وتركيا والبرازيل وغيرها. وحصلت «درة الخليج» في الجولة الثالثة من التصويت على 116 صوتاً، فيما حصلت مدينة أيكاتنبرغ الروسية على 47 صوتاً فقط. أما الجولة النهائية فكانت نتيجة دبي 53 بالمئة، وإيكاتنبرغ 25 بالمائة، وأزمير التركية 22 بالمائة. وهكذا انتزعت «دانة الدنيا» ثقة حكومات العالم بأغلبية الضعفين على أقرب منافسيها. وهو فوز مُسّتَحَقْ على كل المستويات، وبكل المعاني، ولا يُحسب للبنية التحتية الحديثة التي تتمتع بها الدولة فقط، كما يعبر البعض. وإنما بسبب استجابتها المدهشة للمعطيات الحداثية وتفاعلها الإيجابي مع المنجز الحضاري الإنساني،أما دبي فقد أصبحت «مدينة إلكترونية» منذ سنوات، وستتحول لاحقاً - بموجب الخطة الحكومية الأخيرة -، إلى «المدينة الذكية»، بحيث يستطيع الفرد، سواء أكان مقيماً أم زائراً، إنجاز معاملاته التجارية والقانونية من مكتبه أو بيته، إدراكاً من قادتها لأهمية الوقت.


استطلاع: محمد وردي - محمود عبدالله - فاطمة عطفة

يعلق مدير دائرة الثقافة والتراث في مجلس أوروبا روبرت بالمر يعلق على فوز دبي باستضافة «إكسبو 2020»، متوقعاً «أن تركز الإمارة في المرحلة المقبلة على كونها وجهة للثقافة وتبادل الأفكار، وملتقى الشرق والغرب، وحاضنة التلاقي العالمي وحوار الثقافات، لا سيما أن نسيجها السكاني يضم أكثر من 200 جنسية»، حسب تعبيره. وهو أمر يضع نخبة دبي والإمارات عموماً أمام استحقاق جديد.
ورغم أن الطابع التجاري يغلب على معرض «إكسبو الدولي»، حيث يمثل في الأساس، منصة لعرض أحدث المنجزات الإنسانية على المستوى العلمي أو الصناعي والتقني عموماً، ولكنه في الجوهر يعكس الوجه الثقافي للإنسانية جمعاء، كونه يشكل أكبر وأوسع ملتقى للثقافات، وتلاقح الحضارات المعاصرة في شتى وجوهها المعرفية. فآخر دورات «إكسبو»، التي أقيمت في شنغهاي الصينية عام 2010، استقطبت حوالى ثلاثة وسبعين مليون زائر من جميع أمم الأرض، حولوا المدينة إلى مرج ربيعي، يمور بالزهور البرية المتعانقة، التي تتبادل الشذى والضوع بوئام وانسجام، يضاهي تناغم خلية نحل متجانسة، لا تنام ولا تعرف السكينة أو القرار على مدى أيام وليالي المعرض، التي يمكن أن تصل إلى ستة شهور إن أحبت الدولة المضيفة.
والسؤال: كيف يمكن للثقافة الإماراتية أن تعبر عن حضورها المميز والفاعل في حدث مثل إكسبو؟ وما الذي يتوقعه المثقفون على هذا الصعيد؟
«الاتحاد الثقافي» وهو يفتح ملف الثقافة وحضورها في معرض «إكسبو» طرح هذين السؤالين على كوكبة من المثقفين الإماراتيين، فكانت هذه الحصيلة.
وجه الثقافة الآخر
تقول الدكتورة حصة لوتاه إن الثقافة تعكس النسيج الاجتماعي بكل توجهاته ورؤاه الإبداعية على كل المستويات، فالجانب المادي منها، هو جزء من الثقافة بمفهومها الفلسفي أو المعرفي الواسع، وليس كل الثقافة. لكن يبدو أننا في الوقت الراهن معنيون بجانب واحد من الثقافة، حيث يجري التركيز على البعد المادي، وتسخير كل الإمكانيات المتاحة لخدمة هذا الجانب، في حين أن الاهتمام بالوجه الآخر للثقافة بأبعادها الرمزية والدلالية، لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، ما يجعل الصورة مشوهة، أو بمعنى أدق، فارغة في بعض وجوهها الإنسانية، وإذا ما قُدمت إلى العالم بهذا الشكل، فستبقى الصورة ناقصة، بل عاجزة عن القيام بدورها الحضاري. لذلك لا بد من التركيز على الثراء الحقيقي، وهو الإبداع الإنساني بالفلسفة والآداب والفنون وعلم الاجتماع، ومختلف فروع العلوم الإنسانية، وهي المجالات الوحيدة القادرة على أنسنة المنتج المادي، وحينها فقط يكتمل المشهد الحضاري ببعده الإنساني الراقي لأي مجتمع أو دولة أو أمة، سواء في الزمن الحاضر أو في المستقبل.
أما بخصوص توقعاتها الشخصية على هذا الصعيد، فترى الدكتورة حصة أنه لابد من الاستعداد على مستوى التأهيل والتدريب، للقيام بأنشطة متواصلة في مجال الفنون بكل مستوياتها، المسرحية والتشكيلية والموسيقية والغنائية، لإحكام الهُوية الثقافية بأبعادها الإماراتية والخليجية والعربية في «روح منتجنا الإماراتي أو العربي»، حتى تتمكن الفرق الفنية، التي ستشارك بالمعرض من تقديم عروضها باحتراف يليق بشعبنا ودولتنا وهُويتنا وحضورنا الإنساني في المجتمع الدولي.
وترى الدكتورة حصة أنه لابد من التركيز أيضاً على الأنشطة الأخرى على مستوى الملتقيات الثقافية بوجهيها الأدبي والفني، وتنظيم فعالياتها بشكل يضمن تواصلها من دون انقطاع، بهدف اكتساب المهارات وتراكم الخبرات، حتى تنظيم المعرض بعد ست سنوات.
تخفيف الخواء
من جهته يرى الأديب عبدالغفار حسين أن الثقافة الإماراتية يمكن أن تتجلى في معرض «إكسبو»، بحضورها الفاعل والمميز، من خلال تنظيم فعاليات تقدم لوحات غنائية ورقص شعبي وفنون تشكيلية ومسرحية وسوى ذلك من المظاهر أو الأشكال الإبداعية، وبالتالي تخفف من حدة الخواء الذي يطبع المعرض بطابعه التجاري أو الصناعي الصرف. وهي فرصة كبيرة للإمارات ولا يمكن أن تعوض، في المدى القريب إن لم تُستغل بتقديم ثقافتنا، كما يليق بدولتنا وشعبنا، من خلال حدث يستقطب عشرات الملايين من مختلف الجنسيات أو الإثنيات الثقافية، العرقية أو الدينية.
ويعتقد الأديب حسين أن المسؤولين عن فعالية «إكسبو 2020»، سيأخذون هذا الموضوع بعين الاعتبار، ويولونه الأهمية التي يستحقها، لا بل يظن أنه سيجري تشكيل هيئة تضم كل المؤسسات الثقافية لبحث هذه القضية، والإعداد لها بمسؤولية واحتراف يرتقي إلى مستوى الحدث وأهميته. ويدعو حسين إلى ذلك بإلحاح واستعجال، «إذ لا بد من تشكيل مثل هذه الهيئة في أسرع وقت ممكن، ولا يجوز الانتظار، إلى ما قبل الحدث بعام أو عامين، ونبدأ بسلق الموضوع. يجب الشروع في ذلك من دون إبطاء، لأن الإعداد لأعمال ذات قيمة ثقافية بمضامين فنية وجمالية، يحتاج إلى التدريب والتأهيل وتراكم الخبرات».
ويضيف حسين بهذا الصدد، أنه علم بفكرة إعداد «كتاب حول إكسبو»، يتناول تجربة المعرض، منذ انطلاقته الأولى، وأنه أبدى استعداده الشخصي للمساعدة في هذا الموضوع، كما هو مستعد للمساهمة والمساعدة في كل ما سيجري من إعداده في إطار حضور الثقافة الإماتية في «إكسبو 2020».
بضاعة غير كاسدة
أما إبراهيم سعيد الظاهري فيرى أن الدول المتحضرة هي تلك التي يتصدر فيها الشأن الثقافي سلم الأولويات من منطلق اتساع مفهوم الثقافة، وتشاركاته الكبيرة في عالم المال والأعمال، لكونه أولاً دعامة أساسية لتعزيز الهُوية الوطنية التي تتعدد وتتنوع روافدها. خصوصا أن منظومة القطاع الثقافي ليست قصيرة، بل طويلة وتشمل أنشطة وبرامج لا سقف لها وتخدم قطاعات وفئات مجتمعية كبيرة ومتعددة.. وللمناسبة هنالك ضرورة لتغيير النظرة السلبية لهذا القطاع الحيوي..
إن استضافة الإمارات لهذا الحدث العالمي لم تأتِ من فراغ، إنما سبقتها استضافة العديد من الأحداث والأنشطة والفعاليات، منها ما هو ثقافي ومنها ما هو رياضي واقتصادي، وكلها حققت الإمارات فيها نجاحات باهرة. مما أكسبها خبرة وعلاقات واسعة في مجال التنظيم والتنسيق مع هيئات ومنظمات إقليمية ودولية. وتلك الخبرة هي مزيج من التخصصات تراوحت بين الإعلام والعلاقات العامة والقانون والسياسة والدبلوماسية والإدارة..
والثقافة لم تعد مجرد أنشطة للتثقيف وتصدير المعرفة والوعي، أو صناعة مهملة، أو كاسدة بالمعنى التجاري التقليدي. لقد غدت صناعة الثقافة تحظى اليوم باهتمام مراكز البحوث التي تضع لها الخطط الاستراتيجية وترسم لها مساراتها التسويقية والترويجية. بل أصبحت الثقافة جزءا من اقتصاد حيوي يسهم في تعظيم الثقافة وأدوارها وأهدافها وحتى آليات تسويقها كمنتج، وذلك عبر وجود منتجين ومستهلكين.
ويرى الظاهري أن الثقافة الإماراتية سيكون لها حضورها الفاعل في حدث ضخم كمعرض إكسبو الدولي كما أتوقع، وذلك من خلال إسهامات هذا القطاع ممثلا بمبدعيه ومثقفيه وبما لديهم من منتجات ثقافية جيدة ومتنوعة يتوزعها الأدب والفنون الحركية على اختلافها بضمنها السينما، مدعومة أيضاً بمشاركة خارجية للإمارات عربية وعالمية فاعلة هي الأخرى، طوال السنوات الماضية أكسبتها خبرة ودراية عالية في هذا الشأن.
ويلاحظ الظاهري أن هناك تخوفات قد يبديها البعض، مصدرها الاعتقاد أن أحداثا كهذه لها تأثيراتها السلبية على المنتج الثقافي، إلا أن القيادة السياسية في الإمارات بما لديها من خبرة وإمكانيات قادرة على تجاوز كل الصعاب والتغلب على المعوقات، التي قد تعترض المشهد العام الذي سنكون عليه بعد ستة أعوام من الآن..
تنسيق.. وعمل جماعي
وفي إجابته عن السؤال الخاص بالمؤسسات الثقافية وخطتها لكي تكون حاضرة بفاعلية في «إكسبو»، يقول الدكتور حبيب غلوم العطار مدير الثقافة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع: في الواقع إذا تحدثنا عن الخطة، في السياق، يمكن القول إنها على وجه الدقة شبه غائبة في معظم المؤسسات ذات الصلة، وأتمنى من «إكسبو» أن ينظم الأهداف والخطط بحيث تعمل تلك المؤسسات وفق خطة تكاملية ممنهجة، تخدم الصالح العام والثقافة الإماراتية وليس المؤسسات منفردة. بمعنى أنه علينا العمل تحت مسمى (ثقافة وطنية)، ويجب الابتعاد عن التكرار، والاتجاه إلى/ أو العمل على ثقافة الداخل لكي تكون مشاهدة من قبل الجمهور، فالآتون إلينا سيأتون ليتعرفوا على ثقافتنا، لا أن يشاهدوا فرقاً عربية وغربية على حساب فرقنا الفنية، وهذا ينسحب على كل مجالات العمل الثقافي والأدبي والفني والتراثي.
ويضيف غلوم: «لا بد من عقد اجتماعات للتنسيق بين الفرق الفنية على مستوى الدولة، من خلال لجنة تكون مهمتها تنظيم حقل الثقافة والفنون في «إكسبو»، والظهور بمظهر يليق بإمارات المحبة والسلام، بالإمارات التي تحترم فكر الآخر.
ويتوقع غلوم أن توضع الثقافة الإماراتية في المكانة التي تستحقها، وأن تكون محل تقدير من قبل إدارة المعرض، لكنه يستدرك قائلاً: «يجب أن يرتبط ذلك بالجدول العام للمعرض، لا أن يتم زجّ الفنون المحلية لسد الخانات الناقصة». ويوضح: «مما لا شك فيه أن العديد من الفرق الأجنبية سوف تشارك في المعرض، وتقدم عروضها المختلفة، وهذا شيء جيد وإيجابي، ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب ثقافتنا وفنوننا، ولا يجب أن نقارن بالفرق الأخرى، وهي بلا شك ستكون كثيرة، بل من المستحسن أن توضع الفنون الإماراتية حسب جدول زمني محدد، وموزع بطريقة لا تقل أهمية عن باقي الفرق المستضافة.
ويؤكد غلوم ضرورة العناية بأن تقدم العروض الإماراتية في الأوقات المناسبة، ويشدد على «أهمية اختيار المكان والتوقيت الملائمين لعروضنا، لا أن نوضع في ساعات العرض الباهتة، فأحيانا تجد معرض الفنون التشكيلية للفنانين الإماراتيين في زاوية لا ترى بالمجهر بينما الفنان الآخر يتصدر المعرض، وهذا في تقديري غير مستحب لأنه من حقنا أن نحتل أوقات الذروة في المشاهدة، وأن نخرج للعالم بمظهر لائق وأنيق».
حضور فاعل وقويّ
وتقول الفنانة التشكيلية الدكتورة نجاة مكي: أعتقد أن الثقافة الإماراتية حاضرة بكل ثقل من خلال الكتاب والأدباء والشعراء ممثلين في غزارة إنتاجهم الأدبي، كما هي حاضرة في منتج الفنانين التشكيليين والمسرحيين والسينمائيين، فضلاً عن حضورها من خلال وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو من خلال قنوات التواصل الاجتماعي. ولقد حرص المثقف الإماراتي على الظهور ثقافياً في كل وقت، وهذا دليل على فاعليته وحضوره على الساحة الثقافية.
وتضيف مكي: «مما نفخر به وجود هذا الدور الملموس للشباب المثقف الذي يسابق الزمن للوصول إلى أعلى المناصب لخدمة وطنه، ومواكبة كل المستجدات العلمية والثقافية التي تخدم مجتمعه من خلال رؤية استراتيجية واضحة».
وتتوقع مكي أن يجتهد أبناء وبنات الإمارات في بناء نهضة وطنهم برقي فكري وإنساني وحضاري يلمسه كل زائر لأرض الإمارات، ومن ثمّ من خلال المشاركة الفعالة والهادفة في الأنشطة والفعاليات على مختلف أشكالها وأنماطها.
وتتابع مكي: «الحضور الإماراتي على المستوى الثقافي سيكون فاعلاً وقوياً في معرض إكسبو، إذا استجابت المؤسسات المعنية كافة لمطالب المثقفين وطموحاتهم وإبراز إبداعاتهم، بالطريقة التي تعكس قيمة وأهمية هذه الثقافة التي تحدد معنى هوية وروح الشخصية الإماراتية أمام الثقافات التي ستحضر إلى أروقة الحدث.
إزالة الغموض الثقافي
من جهتها، تقول الباحثة الدكتورة فاطمة الصايغ أستاذة التاريخ بجامعة الإمارات وعضو مجلس دبي الثقافي: «حدث عالمي مثل “إكسبو” يمكن أن نستغله لإبراز الثقافة التي تعاني من غموض، ومن خلاله يمكن تسليط الضوء على الثقافة الإماراتية وما فيها من إضاءات أمام من سيأتون إلينا ليروا عمق الثقافة بكل جوانبها؛ الفنون والموسيقى والتراث العمراني. السياح لا يأتون إلى بلادنا للتفرج على المدينة الحديثة فقط، هناك أيضاً الفضول الذي يدفع الغريب ليتعرف إلى الجوانب التراثية والاجتماعية والعادات والتقاليد».
وتتابع الصايغ: “إن الفوز بهذا الحدث العالمي يرتّب علينا أن نعدّ له ثقافياً، لكي نطلع الجمهور الزائر على ثقافتنا المحلية، وما كانت عليه في الماضي. وأعتقد أن فوز الإمارات بهذا الملف جاء بعد أن قام الخبراء بزيارات للدولة عرفوا خلالها أنها ليست مدناً حديثة فقط، وإنما ترتكز على ماض وحضارة قديمة وعريقة، والثقافة بكل أنواعها هي جزء من الماضي والحاضر”.
ولأن الدكتورة فاطمة الصايغ على علاقة وطيدة بالسلك الأكاديمي، سألناها عن خطة الجامعة، مثلاً، بالنسبة للمشاركة في إكسبو فأوضحت قائلة: “إلى الآن، لم تعلن خطة معينة على مستوى الجامعة. غير أننا بدأنا نهيئ الطالبات منذ قرابة الشهرين. الطلبة لم يكونوا يعرفوا أي شيء عن “إكسبو”، وبعد التحضيرات التي قمنا بها جاءني العديد من الطالبات وقدمن لي أكثر من 15 مشروعاً للمناقشة كلها تتعلق بـ “إكسبو” ومن كل الجوانب. نحن ندرس أشياء كثيرة في هذا الحدث، سواء من الجوانب الإيجابية أو السلبية، لأن من المتوقع أن تظهر بعض النقاط التي تؤثر سلباً مثل الغلاء في المواد الاستهلاكية، أو دخول زائرين يرغبون في البحث عن عمل وهؤلاء قد لا يغادرون الدولة بعد دخولهم إليها، وهناك الخوف من ارتفاع أسعار العقارات مما قد يخلق بلبلة. كل هذا لا بد من أخذه بعين الاعتبار، وأعتقد أن دبي وضعت قوانين تنظم مثل هذه المسائل، ولاحتمالات قد تظهر مستقبلاً، ولعل قانون الإيجار أحد هذه الترتيبات.
وتضيف: “دبي دائماً تنظر للبعيد والمستقبل، وتخطط، أما على المستوى الفردي فلم أجد أي مبادرة ثقافية أو علمية بعد”.
ما خلف الاقتصاد
أما الكاتبة الدكتورة فاطمة حمد المزروعي فتشير إلى أن «الإمارات في طليعة الدول التي تنظر إلى المستقبل نظرة واضحة وذات رؤية محددة في أهدافها ومبدعة في طرائقها. وغالباً ما يتوارد إلى الذهن أن معرض “إكسبو” الدولي الذي تستضيفه الإمارات في دبي له منافع وفوائد اقتصادية من مثل توفير حوالي 250 ألف وظيفة، مع عوائد متوقعة تقدر بـ 27 مليار يورو، وينسى الكثيرون الجانب الثقافي والحضاري له، وما يقام فيه من أنشطة وفعاليات ثقافية تعزز تواصل الحضارات والتفاعل الثقافي، وهو ما يؤكده شعار المعرض “تواصل العقول، وصنع المستقبل”، وأتوقع أن تقام فعاليات ثقافية وفنية ضخمة تليق بهذا الحدث العالمي.
وتضيف المزروعي: “وعند تأمل ملف الإمارات الذي عرضته نلاحظ ذلك المزج الجميل بين الثقافة والاقتصاد في التصميم الذي يحمل روح الأسواق العربية القديمة ويبرز الدور التجاري الذي تؤديه الإمارات بكل اقتدار بسبب توسط موقعها الجغرافي في قلب العالم، ولتكون حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبسبب انفتاحها على الثقافات الأخرى مع احتفاظها بهويتها، مما جعلها بيئة مميزة وجاذبة للاستثمارات ليس في الجانب الاقتصادي وحده فحسب، وإنما في الجوانب السياحية والطبية والثقافية والفنية. إضافة إلى أن التصميم الهندسي يراعي البيئة، ويثبت ريادة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة حيث إن الممرات مظللة بنسيج مزود بخلايا كهرو - ضوئية لتخزين الطاقة الشمسية، ومن ثم توليد الطاقة، وهذا سيمد المعرض بـ 50% من احتياجاته.
والأهم من ذلك أن البنى التحتية للمعرض هي جزء من الخطة التنموية حتى 2020، وستتحول هذه البنى بعد انتهاء المعرض إلى جامعة ومتحف وطني ومراكز أبحاث. وهذا يدل على أن الفريق الذي أعدّ وخطط قد فكر في الجوانب جميعها”. ويشير عبدالله ماجد آل علي مدير إدارة المكتبات في دار الكتب الوطنية إلى أن “هذا الحدث العالمي سوف يسلط الضوء أكثر على إنجازات دولة الإمارات ونجاحاتها، كما يعود بالنفع المباشر وغير المباشر على دولة الإمارات والمنطقة. إلى ذلك، من شأنه أن يعرّف بالتنوع الثقافي وسياسة التسامح التي تنتهجها الإمارات، والتي كانت من الاعتبارات المهمة التي طرحتها الإمارات للفوز بـ “إكسبو” 2020.
ويضيف: “نحن في دار الكتب الوطنية التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة لدينا المشاريع الثقافية والمكتبات العامة التي نسعى من خلالها إلى بناء مجتمع المعرفة، وتوفير المصادر والمعلومات بشكل عام، كما سيكون للمشاريع الثقافية مثل «جائزة الشيخ زايد للكتاب» دورا مهما في تشجيع وتحفيز المؤلفين العرب وغير العرب للمشاركة في هذا الحدث الكبير، كذلك مشروع «كلمة» هو نوع من التبادل الثقافي مع البلدان الأخرى حيث ترجم ما يزيد على 750 كتاباً من لغات أخرى، وهذه كلها تعزز التعايش والتسامح، فضلاً عن التبادل المعرفي بين الأمم، وبالنسبة إلينا سنحضر في “إكسبو” من خلال كتبنا وإصداراتنا المتنوعة”.
تجسيد التنوع الثقافي
ويقول وليد الزعابي مدير إدارة التراث والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع: “إكسبو ليس جديداً على الإمارات أصلاً. وعلاقتها به قديمة تعود إلى السبعينات، حيث كانت لحكومة أبوظبي مشاركة فيه. ولعل العلاقة توطدت بهذا الحدث منذ عام 1992 في إسبانيا. وبعد انتقاله أو تحوله من معرض تجاري لتصبح له ثيمة أو شعار يتضمن أبعاداً ثقافية، ويشير الزعابي إلى أن ارتباط “إكسبو” بالثقافة وطيد لا يقتصر على الشعار فقط، وإنما يمتد ليمارس تأثيره على الدول التي صارت تجتهد لكي تطبق الشعار في ممارساتها، وبالتالي صارت تتولد ثقافة ما تحظى بقبول عام من دول العالم. من ناحية أخرى لا تبتعد الإمارات في تكوينها الثقافي القائم على التنوع والتعدد الثقافي عن شعار المعرض، فهي مجتمع تختلط وتتعايش فيه أكثر من 250 جنسية، وهذا الخليط الثقافي يؤكد أن التنوع واقع عياني في الدولة، كما يؤكد أحقية دبي في استضافة المعرض. كما أن هؤلاء الناس الذين يعيشون معاً يتشاركون في ثقافاتهم، يتبادلون المعارف، يتناقلون الخبرات في شتى المجالات ما يعني حدوث حوار أو تلاقح ثقافي على الأرض وبشكل يومي. لهذا وغيره، أعتقد أننا في الإمارات مهيئون لأي حراك أو عمل ثقافي. “إكسبو” يحمل شعار الخدمات والثقافة والحياة السعيدة لكل البشر ونحن جاهزون لهذه الأشياء”.
وفيما يتعلق بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع يشير الزعابي إلى أن الوزارة “تضع خطة للمشاركة في هذا الحدث، وسيكون لنا جناح خاص تحت شعار “دبي إكسبو”. وأتوقع أن تتضمن مشاركتنا الفنون الشعبية والتراث الإماراتي والمعارض الفنية، فضلاً عن نشرة إلكترونية حول الثقافة الشعبية، وأمسيات شعرية، وسوف نولي عناية للمسرح، هذا الفن السامي ذو الطابع الإنساني الذي يتفاهم فيه كل الناس. وهناك بعض البرامج والأفكار التي سنعمل عليها، كذلك سوف نحاول أن نعد لبرامج مع الدول المشاركة التي تجلب معها ثقافتها، وتنظيم محاضرات متخصصة، وترجمة بعض الكتب وغير ذلك.

بلا تمييز
ويلمح الفنان التشكيلي محمد الأستاد الحمادي إلى أن “الثقافة الإماراتية لها جذورها الراسخة وحضورها في الفكر والاهتمام العالمي قبل معرض إكسبو 2020”، مؤكداً أن “هذا الحضور في هذا المعرض العالمي بالذات سوف يكون في ذروته وقمته إذا تم وضع خطة واستراتيجية مدروسة للارتقاء بواقع الفنون والثقافة في الدولة، من خلال إقامة المعارض وإشراك كبار الفنانين الرواد والفنانين المبدعين من الجيل الجديد في مختلف مجالات الفنون دون التحيز لأسماء أو مدارس أو أساليب معينة، بل أن نضع الهدف الأسمى رفعة الوطن واسم الوطن وما يمتلكه من ثقافة وفنون ومثقفين وفنانين ومنه تكون انطلاقات محلية جديدة نحو العالمية”.
وتنقلنا الممثلة المسرحية المبدعة سميرة أحمد إلى حقل ثقافي آخر هو المسرح، تقول: “غالباً ما يتركز الاهتمام على الثقافة والأدب والشعر والتشكيل ويغيب المسرح، بالنسبة إلي أرغب في أن يتم الاهتمام بالفنون كلها، وأن يتركز على المسرح بشكل خاص. ولا أخص المسرح بالعناية والاهتمام لأنني مسرحية أو لأنه مجال ممارستي الإبداعية، بل لأهميته ودوره الكبير وأثره الواسع على الجمهور. أتمنى في “إكسبو” أن يكون دور الفنان الإماراتي حاضراً وبخاصة في المسرح. لا أعلم لماذا يغيب المسرح دائماً عن أي تظاهرة فنية هامة! كما أرجو تفعيل دور السينما الإماراتية بحيث يتم تخصيص أعمال سينمائية تقدم في هذا الحدث. نحن بحاجة لأعمال سينمائية يقوم بها الفنانون الكبار، وهذا لا يعني أنني أقلل من دور الشباب لكن عندنا رواد في الفن السينمائي، وهم قادرون على عمل أفلام سينمائية مهمة. إن الإمارات قادرة على تمويل أفلام يقدمها أبناؤها وتترك بصمة في التاريخ السينمائي، وجديرة أن تقدم في حدث عالمي مثل إكسبو”.
امتحان كبير
يبدأ الخطاط محمد مندي، الذي يشارك غالباً في التظاهرات الثقافية والأسابيع التي تقيمها الدولة في الخارج، حديثه عن حضور الإبداع الفني الخطي والتشكيلي في “إكسبو” بتهنئة حكومة دبي والإمارات كلها بهذا الحدث العالمي الهام، ويقول: “بالنسبة لي أعتبر “إكسبو” امتحاناً كبيراً للإمارات، وأنا على يقين أن دولتنا ستنجح فيه كما نجحت في غيره. لا شك أننا أمام تحدٍّ كبير بعد أن نجحنا في انتزاع “إكسبو” من دول ذات وزن ثقيل في العالم. يتوقع أن يزور المعرض قرابة 25 مليون شخص، والسؤال: هل الإمارات قادرة على استيعاب هؤلاء الناس؟
بلا أي تردد يمكنني الإجابة بأنها قادرة، بدليل أنها نجحت في كل المهرجانات التي أقامتها، ومن هذا المنطلق واستناداً إلى هذه الخبرة الطويلة في تنظيم المعارض والمهرجانات أقدمت دبي على استضافة “إكسبو” وهي تعي ما يحتاج إليه من تنظيم وتخطيط وما يترتب عليه من تبعات، وتعلم أنها قادرة على القيام بكل مستلزمات هذا الحدث.
ويضيف: “كفنان تشكيلي وخطاط أتمنى أن يكون هناك اهتمام بكل أنواع الفنون التشكيلية والخطية، والتراث الشعبي كالرقصات الفنية والطعام التقليدي والشعر الشعبي إلى جانب وجود الأدب بكل أطيافه (شعر، قصة، مسرح، عروض أدائية، وكل من يستطيع أن يقدم عملاً من أجل رفع اسم الإمارات عاليا). كما أتمنى أن يكون للخطاطين دور فاعل وحضور قوي في هذه المناسبة. وعني شخصياً، أنا على أهبة الاستعداد لكي أقدم أفكاري ولوحاتي في سبيل أن يرى أي زائر جماليات الفن في الإمارات.
ويتابع مندي: “الفنون التشكيلية والخط بحر واسع لكن المهم كيف نسخرهما لهذا الحدث المهم. أتمنى أن تكون لنا مشاركة فاعلة، وعلى كل شخص عاش على هذه الأرض وأكل من خيرها أن يكون له إسهام في هذا الحدث”.
وترى الفنانة التشكيلية الإماراتية الشابة هدى الريامي في استضافة الدولة لمعرض «إكسبو» إنجازاً تاريخياً لدولة الإمارات العربية المتحدة ولإمارة دبي، وتعتبره «دليلاً على المكانة العالمية التي تحتلها الدولة في ظل سياسة الانفتاح التي تنتهجها مع كل دول العالم»، وتضيف: لا شك في أن الدعم الكبير الذي قدمته القيادة الحكيمة ممثلة بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، لهذا الملف وتوجيهاتها السامية للقائمين عليه بتوحيد الطاقات والجهود، وتسخير الإمكانات قد أنشأ قاعدة صلبة أسست لهذا الإنجاز العظيم. وأن ثقتنا لم تهتز يوماً بقدرات دولتنا الحبيبة الإمارات، على استضافة الأحداث العالمية الكبرى، وها هي تثبت من جديد قدرتها التنظيمية الفائقة بما تتمتع به من بنية تحتية عالمية، من طرق وفنادق وشركات طيران ومطارات، أهلتها لاحتلال الصدارة بسباق استضافة إكسبو 2020.
منصة تواصل
وتتابع: إكسبو بالنسبة لي كتشكيلية، يشكل ملتقى لكي نتواصل من خلاله مع العالم الخارجي، كونه معرضا دوليا يحتفي بأبرز الفعاليات والمشاركات من شتى دول العالم، والتعرف على بعض رواد الاتجاهات الحديثة في شتى أنواع الفنون ومجالاتها المتنوعة.
وهو منصة تواصل مهمة تساعد في تأسيس شراكات جديدة تضمن الازدهار والمستقبل الزاهر. وأعتقد أن ثقافتنا ومنها التشكيل ستصل إلى الحدث بروح حماسية تحلق بجناحي الأصالة والمعاصرة، وبخاصة في مجالات الفنون ومنها التشكيل بكل أبعاده، حينما ينقل صورة مثالية عن الهوية الوطنية وعن مفردات الحياة في مجتمعنا بطريقة فنية متقدمة.
ويلفت الروائي والإعلامي نبيل الكثيري إلى أن «قطاع الثقافة في الدولة يستطيع على الدوام أن يبرز حضوره الفعال، في مختلف المعارض والمنتديات سواء التي تقام داخل الدولة أو خارجها، وذلك لأن المثقفين الإماراتيين بمختلف ميولهم ناشطون في نشر نتاجاتهم الأدبية والفكرية في مختلف المجالات.ويضيف: في ما يخص «إكسبو» 2020 سيشكل القطاع الثقافي من دون شك ركنا مهما فيه كسائر الأركان، كالاقتصادي والسياحي وغيرهما على صعيد الترويج للحدث والمساهمة فيه على مدى الأشهر الستة التي يستغرقها المعرض.وحتى ذلك الوقت، أتوقع من الجهات المعنية تفعيل معرض دبي الدولي للكتاب سنوياً بداية من هذا العام أو العام القادم، وإقامته في توقيت معرض «إكسبو» على أن يستمر معرض الكتاب مفتوحاً بشكل استثنائي طيلة انعقاد معرض «إكسبو» في عام 2020. كما أتوقع أن تقوم المؤسسات المعنية بالترويج للموضوع من خلال عقد اجتماع وطني لكافة المبدعين الإماراتيين، ووضع تصورات مسبقة لبرنامج أو خارطة طريق، توضع عليها كل الخطوط والفعاليات التي يمكن المشاركة بها، وتعكس خلاصة التجربة الثقافية الإماراتية، ونعتقد أن الاستجابة لهذه الخارطة ستكون قوية وفعالة، لأن المبدع المحلي أولاً وأخيراً هو نتاج حضارة هذا البلد العزيز، فقط نريد الحركة الأولى من المؤسسات المعنية، فلا عمل فردياً في «إكسبو» أو في غيره.



مرعي الحليان: لا مكان لأجندات خاصة



يرى الممثل والكاتب الإماراتي «مرعي الحليان» أن هذا الحدث العالمي الذي ستستضيفه الإمارات، يعد واحداً من منجزات البناء النهضوي الذي شق طريقه منذ ولادة اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي حمل لولاء التحضر منذ البداية، وحمل أهداف التنمية البشرية لكي تكون بلادنا في مصاف البلدان المتحضرة. إن استضافة هذا المعرض واختيار الدولة لتكون مكانا له، لدليل على أن عيون العالم من حولنا بدأت تتنبه إلى أن في هذه الرقعة من العالم يوجد إنسان يحمل طموحات مهمة للبشرية والتعايش السلمي، وحينما يتقاطر مئات الآلاف من الزوار إلى أرضنا سيضعون نصب أعينهم، أن يقتربوا من هذا الإنسان، الذي أبهرهم في منجزه الحضاري السريع. هؤلاء لن يفتنوا بالابنية والأبراج والطرق المعبدة، ولن تلفت انتباههم كثيراً، وإنما سيصرون على محاولة أستكناه الذات الإماراتية، ثقافتها وخصوصيتها، آدابها وفنونها، منجزها الثقافي الذي هو انعكاس لأسلوب حياتها. لهذا ستكون هناك مهمات كبيرة يجب أن يقوم بها المثقفون والفنانون لإبراز صوتهم الحضاري، وأسلوب تفكيرهم وأسلوب تعاطيهم مع الفكر الإنساني، إن أهل الساحة الثقافية مطالبون بإبراز الخصوصية الفكرية وخصوصية الخطاب الحامل لأصالة هذه البقعة من الأرض، جذورها وتاريخها وامتدادها في الحاضر المتمدن.. وهذا الأمر لن يتأتى إلا إذا بدأنا منذ الآن في إنجاز ما يمكن أن يبلور هذه الأصالة في لوحة رائعة صادقة.. لدينا مؤسسات قائمة على الفعل الثقافي، وهذه مطالبة اليوم بوضع استراتيجياتها لهذا الاستعراض العالمي، ولدينا كوادر في الحراك الثقافي قادرة على تقديم هذا الاستعراض للزائرين والمطلعين، وعلينا أن نبدأ منذ الآن في الحصر ثم البدء في المشاريع.
ويعتقد الحليان أن الحراك الثقافي في الإمارات راكم لأكثر من خمسة عقود من الزمن ما يمكن أن يشكل زاداً للراغب والمطلع.. وهذا يستدعي تحريك آلة الترجمة، يقول: «لدينا دواوين شعرية يجب أن تنشط حيالها عجلة الترجمة، لنمكن هذا الزائر من قراءة مشاعرنا بسهولة. لدينا منجز في التراث وفي الفنون نحتاج إلى وضعه في متناول اليد.. ترجمة المنجز الإبداعي إلى لغات عالمية ستكون من أهم روافد التقرب إلى أصالتنا ومنجزنا الحضاري، لهذا فإن تشغيل آلة الترجمة أمر مهم..علينا أن نحضر بفنوننا الأدائية مثل العروض الفلكلورية والمسرح، فهناك مسرح يحتاج إلى ترجمة ومنجز الساحة المسرحية ليس بالهين، لكن هذا يحتاج أيضا إلى أن يُنقل باللغات العالمية الرئيسية.
ويلفت الحليان إلى مسألة مهمة مفادها أن الجيل الجديد من الشباب، تخلى في الآونة الأخيرة، عن الفنون الفلكلورية بدعوى أنها تركة قديمة للآباء والأجداد، ومن المهم دعوة وتشجيع هؤلاء الشباب على إعادة إحيائها. أيضا يحتاج هذا الفلكلور إلى وضعه في إطار نوع من الفرجة الحديثة، وهذا يتطلب تعاون المخرجين المسرحيين والسينمائيين مع رواد الفلكلور والأهازيج الشعبية.. إن نقل أسلوب العرض من التقليدي إلى العالمي يتطلب لمسات فنية حديثة.. ويتابع الحليان: «اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عليه عبء كبير هو الآخر لكي يحضر المنجز الإبداعي وتحضر وجوهه وقاماته في هذا الحدث العالمي... والأمر يحتاج إلى حراك منذ الآن. وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، عليها تحريك العجلة بصورة فاعلة وهذا يتطلب التخلص من أعباء الروتين، والعمل المركزي.. كثيرة هي الأمور التي يجب أن تعالج من أجل إقامة ورشة كبيرة وواسعة استعداداً لتقديم ثقافتنا ومنجزها للآخر..
لدينا مؤسسات تعنى بالثقافة لكنها تعمل لحساب أجنداتها الخاصة، والأمر الآن يختلف في وجود هذا الحدث العالمي، لهذا فإن آلية عملها يجب أن تختلف بحيث يسود العمل المشترك والأجندات الثقافية والفنية المشتركة، لتحقيق الصورة البانورامية للحالة الثقافية في الإمارات.. هناك أعباء ونواقص لدى المؤسسة الثقافية، وهناك حاجة لدعم المثقف والفنان للإسهام في الحدث. انطلاقاً من هذه القاعدة يمكننا ردم وتجسير الهوة بين الجهود المتفرقة للجوقات المتفرقة ثقافيا لكي يصبح العزف واحداً، والسّرب واحداً نحو فضاء النجاح المرتقب. محمد يوسف: علينا اقتحام الذاكرة وحفرها فلسفياً وجمالياً

يرى الفنان الدكتور محمد يوسف أن هناك ضرورة ملحة، لأن يكون السهم موجها للخارج بالدرجة الأولى، أي بمعنى أن يكون المنجز الثقافي الإماراتي قادراً على تقديم نفسه للآخر بخصوصيته الثقافية. لذلك يعتقد أنه لا بد من اقتحام الذاكرة الفنية الإماراتية، كونها تحتضن الموروث الثقافي الإماراتي بكل أبعاده الجمالية والفنية والمعرفية، ومن ثم العمل، بل الحفر في عمقه الفلسفي والجمالي، أو خصوصيته الثقافية بالمعنى الإنساني لتقديمه بروح معاصرة تحاكي وعي الإنسان في كل زمان أو مكان.
ويضيف الدكتور يوسف، أننا من دون شك تأثرنا وأثرنا بغيرنا، على مستوى الفنون، ولقد وصلت إبداعاتنا إلى الآخر، القريب والبعيد في بعض الحالات، وهذا يجب البناء عليه، ولا يجوز القطع معه. أي بمعنى أننا عندما نتحدث عن الخصوصية الثقافية، فنحن نعني التواصل بين الأجيال الفنية بشروط إبداعية تستجيب لحاجة الجيل الجديد أو المعاصر، كما تستجيب للأجيال المقبلة. وهذا التواصل بين الأجيال بالمعنى الإبداعي لن يتحقق بالقطيعة، ولن يتحقق بالتغريب والاستلاب تحت عناوين الحداثة وما بعد الحداثة، وما شاكل من مصطلحات لا تعني الكثير من أفراد المجتمع. فهؤلاء يحتاجون إلى لغة يفهمونها ويتفاعلون معها ويتواصلون مع معطياتها المعرفية، وهذا ليس ممكناً بالقفز على المراحل أو الأجيال.
ويقول الدكتور يوسف: «نعترف أننا نعيش ثقافة العلب الصغيرة والسريعة، تماشياً مع إيقاع الحياة السريعة في عالم متغير، يشهد العديد من التحولات على المستوى الاقتصادي، وهنا في الإمارات مثال ساطع، هو دبي العالمية، «بلد كل صباح جديد». قيادتنا بالإمارات تنافس الوقت والزمن والمكان والعالم من أجل أن نكون دائما «الرقم واحد» في كل المجالات، وما نحتاج إليه هنا، هو كيف لنا أن نستعد لهذا التحدي العالمي، خاصة أن دبي والإمارات، أصبحت نافذة عالميه، يقصدها الآخرون من كل أنحاء العالم، وذلك ليس لأن دبي هي مفاجأة التطور والحداثة، وإنما يقصدونها دائماً للاستفسار عن طبيعة السر في هذه البقعة، الذي يجعل خطواتها تتسارع نحو الأعلى، تاركة غبار الجري للآخرين. وهذا هو التحدي المطروح أمام كافة الفنانين والمبدعين في هذه الأرض.
ويتمنى الدكتور محمد يوسف «أن نلبس قفاز التحدي ونمضي بالتوازي مع التطلعات الاقتصادية، التي سوف يزيد إيقاعها في السنوات القادمة، ما يُحتم علينا التفكير وبصوت عالي، كيف لنا أن نقنع الآخرين بأن الإمارات، ليس ما تنقله الـ «ميديا» الغربية عنا؟ وليست الصورة، التي تشيعها ضحالة التفكير، بأننا فقط بحر وصحراء وخزان بترول وأبراج، وإنما هناك فكر مستوحى من ثقافة البحر والصحراء وإبداع من الموروث الشعبي يصول ويجول ببعده الإنساني؟ ولكن السؤال الأهم، هل نحن مستعدين لهذه المنازلة السهلة، الصعبة التنفيذ في الوقت عينه؟. داعياً إلى التفكير بكيفية تحويل ما يجري «على سواحلنا وجبالنا وصحرائنا إلى أعمال تغير المفهوم السائد عن ثقافتنا». لذلك لابد من البحث في كيفية توصيل المفهوم الحقيقي لثقافتنا بالعمل الأكاديمي، المبني على البحث. وبالنسبة لتوقعاته في هذا المجال، يرى الدكتور يوسف أن الاستعداد يُفترض أن يبدأ من هذه اللحظة. «نعم لدينا مؤسسات فاعلة وباتت معروفة عربياً ودولياً، ولكن هذا لا يكفي»، لابد من مواصلة الجهد لسد الفجوة بين الحداثة المادية والحداثة المعرفية بكل مستوياتها، وكم هو جميل أن تتجه بوصلة «إكسبو» إلى محور آخر، غير المتوقع من الزوار، وهو زيادة إيقاع الفعل الثقافي الفني المواكب للحدث. «يجب أن نبحث دائما عن الجديد بالمسرح خاصة، ونفخر بأننا لدينا مهرجانات أصبحت عريقة، - وإن اقتصرت على المستوى الإقليمي-، لدينا أيام الشارقة المسرحية ومهرجان الشباب للمسرح، ومهرجان الإمارات لمسرح الطفل، والمسرح المدرسي، ومسرح ذوي الاحتياجات الخاصة، والمسرح الجامعي، ومهرجان المونودراما. ومع ذلك «علينا أن نبحث عن مسرح جديد يواكب الحدث، لأن المسرح لغة عالمية، لا تقوم على اللغة فقط، فهناك الإيماءة وحركة الجسد ولعبة السينوغرافيا وسوى ذلك. ويختم الدكتور محمد يوسف بالتمني على أهل الربط والحل التفكير جديا باستثمار إكسبو لصالح الإبداع الثقافي، وأن يتم تشكيل لجنة محلية أو عربية أو دولية لاختيار الأعمال الفنية التشكيلية لعرضها أثناء إكسبو، وأن تبدأ من الآن.

اقرأ أيضا