الاقتصادي

الاتحاد

بنجلاديش تحارب الفقر بـ «سيف» المجتمع المدني

بنجاليون أمام بورصة دكا، حيث يعتمد الكثير من البنجال على مساعدات البنوك في مشروعاتهم الخاصة

بنجاليون أمام بورصة دكا، حيث يعتمد الكثير من البنجال على مساعدات البنوك في مشروعاتهم الخاصة

حصل فضل حسن عابد على لقب فارس من بريطانيا الأسبوع الماضي ما يعد تكريماً رفيع المستوى لشخصية بنجالية فذة، فقد أسس منظمة استطاعت أن تنجز ما لم تنجزه أي مؤسسات أو هيئات قبلها فيما يتعلق بوضع حد لكثير من تركة الفقر والبؤس الموروثة في بنجلاديش. تسمى هذه المنظمة “براق” وبالإنجليزية BRAC وهو مختصر “اللجنة البنجالية لمعونات التأهيل” ثم أصبح هذا المختصر شعاراً يعني “تنمية موارد المجتمع”. وتعد هذه المنظمة بكافة المقاييس أكبر منظمة غير حكومية وأسرعها نمواً في العالم وإحدى المنظمات الأكثر نشاطاً في العالم من حيث النشاط التجاري والاقتصادي.
وكان محمد يونس فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2006 تكريماً له على مساعدة الفقراء، إلا أن بنك “جرامين” الذي أسسه لم يكن أول أو أكبر مؤسسة تسليف تمويلات صغيرة في وطنه بنجلاديش، ولكن منظمة “براق” تحمل بالفعل هذه الأرقام القياسية. فهي تقرض سنوياً نحو مليار دولار، ولكن لا يقتصر دورها على ذلك، فهي تقدم أيضاً خدمات على شبكة الإنترنت ولديها جامعة وتقوم مدارسها الابتدائية بتعليم 11 في المئة من أطفال بنجلاديش. بل وتدير أيضاً مصانع أعلاف ومزارع دجاج ومزارع شاي ومصانع تعبئة الشاي.
وأثبتت “براك” المعنية بتنمية المجتمع والتمويل الصغير أن المنظمات غير الحكومية لا يشترط بالضرورة أن تكون صغيرة وأثبتت أيضاً أنه في وسع مؤسسة مغمورة من دولة فقيرة أن تتفوق على منظمات خيرية غربية شهيرة. وفي كتاب صدر عن “براق” عنوانه “التحرر من الفقر” وصفها ايان سميلي بأنها بلاشك أكبر المشروعات الاجتماعية في العالم النامي وأكثرها تنوعاً وأن نطاق أعمالها يفوق أي مشروع خاص أو حكومي أو غير ربحي من حيث أثرها الإيجابي على التنمية.
ولم يكن أي من تلك الإنجازات متصوراً تحقيقه في عام 1970، حين قام فضل بتحويل مكاتب شل في شيتاجونج إلى ملاذ لضحايا عاصفة عاتية، حيث تغلبت مؤسسة “براق” على المشاكل التي واجهتها أول الأمر من خلال الجمع بين شيئين نادراً ما يتمشيان معاً إدارة منظمة غير حكومية وكأنها شركة تجارية والمعالجة الاجتماعية الجادة للفقر. يذكر أن مؤسسة “براق” تجني من عملياتها نحو 80 في المئة من الأموال التي توزعها على الفقراء (الباقي عبارة عن إعانات معظمها من دول غربية مانحة). وأوقفت الأنشطة التي تتطلب دعماً لا نهاية له.
وفي مرحلة ما سعت حتى إلى تمويل ذاتها من توفيرات الفقراء الصغيرة (يعني عدم تلقيها أي مساعدات على الإطلاق) رغم أن هذا الشكل العنيف من المساعدة الذاتية ثبت أنه مبالغ فيه، ولم يتقدم تقريباً أي من المقرضين أو المقترضين للترشيح لأي وظيفة في المؤسسة. وأصر فضل منذ البداية على عرض النتائج بأمانة. كما أن مؤسسة “براق” تولي البحث والتعلم المستمر اهتماماً أكثر من معظم المنظمات غير الحكومية، وقد وصفها ديفيد كورتن مؤلف “حين تحكم الشركات العالم” بأنها أقرب ما يكون إلى مثال على منظمة تعليمية.
وما يجعل مؤسسة “براق” متفردة هو حجمها بين طرق الأعمال التجارية وبين رؤية خاصة للفقر. فغالباً ما ينظر على الفقر في المقام الأول على أنه مشكلة اقتصادية يمكن تخفيضها من خلال إرسال نقود. ومن خلال تأثره بثلاثة من مفكري التحرير الذين اشتهروا في ستينيات القرن الماضي. فرانتز فانون وباولو فرير وايفان ايليش أدرك فضل أن الفقر في قرى بنجلاديش هو أيضاً نتيجة طبقية اجتماعية جامدة. وفي هذه الأحوال ستساعد تنمية المجتمع الأغنياء أكثر من الفقراء، ولكي تغير الفقر لابد من أن تغير المجتمع.
كان يمكن لهذه الرؤية أن توجه فضل إلى سياسات جناح اليسار. وبدلاً من ذلك تم توجيه قوة دفع التغيير الجذري من خلال مؤسسة براق نحو التنمية. وأضحت المرأة هدف المؤسسة لأنها في قاع المجتمع والأكثر احتياجاً للمساعدة، ويذكر أن 70 في المئة من مدارس مؤسسة “براق” من الفتيات.
ووفقاً للقاعدة فإن التمويل الصغير يشجع الفقراء على التوفير، ولكن بعكس بنك “جرامين” تقوم مؤسسة “براق” بتسليف العديد من الشركات الصغيرة. وقد تحسن القروض الصغيرة من أموال فرد أو أسرة، ولكنها تستثمر عادة في مشاريع القرى التقليدية مثل امتلاك بقرة مثلاً. وهدف فضل في التغير الاجتماعي لا يتطلب النمو (بمعنى زيادة الشيء نفسه) بل التطوير (بمعنى أنشطة جديدة ومختلفة).
وبعد 30 عاماً في بنجلاديش تكاد مؤسسة “براق” تكون قد بلغت القمة من حيث طريقة فعل الأشياء بل وتنشر أجنحتها في أنحاء كثيرة من العالم النامي. وهي بالفعل أكبر منظمة غير حكومية في أفغانستان وتنزانيا وأوغندا متفوقة على منظمات خيرية بريطانية مرت عقود على وجودها في تلك الدول. وكونها قادمة من دولة فقيرة وأيضاً إسلامية يعني أنه من غير المرجح أن تكون منفره أو متواطئة، كما أن تكاليفها أقل وهي لا تشتري سيارات فارهة ولا تعين رجالاً بيض مغرورين. غير أن توسعها في خارج بنجلاديش قد يشكل مصاعب جديدة، إذ يقول روبرت كبلان الكاتب الأميركي إن المنظمات غير الحكومية تملأ الفراغ بين آلاف القرى وحكومة نائية وغالباً مفككة، وتقوم مؤسسة “براق” بذلك بكل فخر في بنجلاديش، ولكنها منظمة بنغالية، وكونها قادرة على فعل ذلك نفسه في مناطق أخرى أمر يتعين انتظاره.

عن “ايكونوميست”

اقرأ أيضا