عربي ودولي

الاتحاد

الشيوعية في تركيـا ·· صـراع من أجل البقـاء ويــأس مريـر


اسطنبول- سيد عبد المجيد :
كانت أحداث عاصفة، وقائعها مريرة منها ما كان شديد الدموية، قتلى هنا وهناك، وحوادث خطف طالت محليين وأجانب ، والمقابل من قبل أجهزة الدولة كان قاسيا وعنيفا دون أن بكون رادعا · كانوا يقولون لا تكونوا قساة القلوب هكذا يا أخوة الإنسان الذين ما زلتم على قيد الحياة ، غير أن الرد كان يأتيهم : ولماذا كنتم أنتم القساة ؟ ألم تروعوا الأبرياء والنساء والشيوخ ؟ · لم يكن هناك مسرح واحد ، فالجرائم طالت مدنا عديدة : شرق وغرب وشمال وجنوب · ولأنها القلب النابض فقد استأثرت المدينة الكبرى اسطنبول بالقدر الأكبر· على أية حال تعدد المسارح ، لم ينف العنوان الواحد المشترك في تلك الفظائع التي شهدتها تركيا بدءا من أوائل الستينيات وحتى أوائل الثمانينات ألا وهو الصراع بين 'اليسار' و'اليمين'·
في أوائل الستينات من القرن الماضي ، كانت البلاد على موعد، التاريخ حتما لن ينساه ، فقد تم إعدام رئيس الحكومة الأسبق عدنان مندريس ووزير خارجيته فاتح رشدي زورلو ومسؤول المالية حسين بولاتكن عام 1961 بتهم كثيرة ومتشعبة لكنها بدت حتى في ذلك الوقت متناقضة فتارة قيل ان هؤلاء ساعدوا الرجعية الدينية في النمو والانتشار ولكن كيف وهم المنعوتون من الأصوليين واليساريين على السواء بالخونة؟ لأنهم ارتموا في أحضان الإمبريالية الأميركية والصهيونية ، ودليلهم أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل وبفضل مندريس ودأبه تلقت أنقرة الهدية من واشنطن وهو أنها صارت عضوا بالناتو · وفي تارة أخرى وجهت لمندريس ورفاقه تهم الارتماء في اليسارية واليساريين ! ومن جديد تكرر السؤال آنذاك : كيف ؟ فعداؤهم للاشتراكية كان أصيلا وحميميا ·
فمندريس نفسه بدا سعيدا وهو يعلن عام 1957 اقتناع أنقرة ومساندتها لمبدأ ايزنهاور والقاضي بحماية الشرق الأوسط من الشيوعية · ومن فرط غبطته وصف هذا المبدأ بمبدأ ويلسون الشهير أوائل القرن التاسع عشر ·
كان لا بد وأن يمر وقت حتى تعود الدولة الفتية لتقدم للشعب اعتذارها عن إعدام مندريس ووزيريه · وعلى الفور خلدت ذكراهم بوسائل عدة منها إطلاق أسمائهم على قاعات بالوزارات خصوصا تلك التي عملوا بها · وخصت مندريس بتسمية مطار أزمير باسمه · وكان هذا يعني إزالة تهم اليسارية البغيضة عن الرجال الثلاثة إيذانا بإزالة تهم اليمين عن حقبة مهمة في تاريخ الجمهورية التركية ، وتلك دلالة مهمة ، بيد أن السؤال التالي سيكون : ماذا عن تركيا الكمالية واليساريين ؟ هنا سيكون الإشكال ، خاصة على ضوء الحاصل الآن على الساحة السياسية من تجاذبات كثيرة ومصادمات تبدو في الوقت الراهن قليلة ، فهناك من يحاول إحياء الصراع القديم بنفس عنوانه اليسار واليمين ، فلمن ستكون الغلبة؟
زحام دون التفات
البداية كانت واضحة في ذلك اليوم ، ولأنه يوم الجمعة نهاية الأسبوع فحركة المرور ستكون مختلفة ، بمعنى ستزداد كثافة خصوصا عندما يبدأ العاملون وموظفو الدوائر الحكومية في الانصراف اعتبارا من الساعة الخامسة مساء · وما أن تأذن الشمس في المغيب إلا وتتحول الشوارع إلى عوالم أخرى تتسيدها الألوان الحمراء · فالسيارات تكاد تكون متراصة من فرط بطئها ، غير أن الناس يبدو أنهم اعتادوا زحمة 'الترافيك' وليست هناك عجلة من أمرهم فالغد وبعده إجازة·
على صعيد المشاة ، تكاد الأرصفة على اتساعها تختنق · وسوف يتجسد الأمر جليا في شارع استقلال اشهر شوارع المدينة التاريخية على الإطلاق · فمنذ زمن ليس ببعيد تم نزع المركبات من الشارع العتيد حتى يتفرغ فقط للمشاة · ورغم ذلك فالشارع مكتظ عن آخره : مئات يتحركون جيئة وذهابا ، الأجساد تكاد تتلاصق والسير وئيد فلا أمل للخطوة السريعة · الزحام هنا يبدو مغريا للباعة الجائلين ورافعي الأعلام الوطنية التي تجد من يشتريها ، كذلك يغرى هذا الزحام أصحاب الحناجر الذين يتخيلونها بأنها أعظم من شدو مطربي تركيا الكبار أمثال الراحلين : 'صفية هوليا' و'زكي موران' و'باريش ما نشوا'·
لكن بدا رافعو شعارات المطرقة والمنجل رمز الشيوعية الأكثر سوءا فحظهم تعيس لدرجة تثير التعاطف ، ورغم ذلك لا احد هنا على ما يبدو لديه أدنى استعداد ليس في أن يقف فحسب بل في أن يلتفت ، وكأنهم لا وجود لهم رغم صخب صيحاتهم وبريق مقولاتهم التي تتغنى بالوطن وعذاب المحرومين · ففي الأركان وعلى مسافات بدت محسوبة بدقة ، وقف نفر من الشباب فتيات وفتيان ، يحملون في أيديهم صحفا بحجم التابلويد ، ثمن النسخة زهيد مقارنة بحجم المطبوع · ورغم ذلك لا وجود لإشارات استجابة من جحافل المارة والشاب والشابة مازالا يزعقان ، لكن لا حياة لمن تنادي ! في حين تبدو العناوين الرئيسية مثيرة مثل الذي يقول أميركا تشتري 'إنجيرليك' القاعدة العسكرية الشهيرة جنوب شرق البلاد ، ومعها شرح من البائع مفرداته قصيرة تقول 'هذا وطننا لن نبيعه'· هذا لا يعني أن الناس غير مكترثة بتلك القضية ، بل على العكس بيد أن قطاعات عريضة من الشعب أبدت استياءها من إقدام حكومة العدالة والتنمية على إعطاء مساحة كبيرة لتحرك القوات الأميركية بالقاعدة لكن المعضلة التي لم يستوعبها الشبيبة الصغار أن المجتمع 'المحافظ' يمكن أن يسمع نفس صرخات الغضب شريطة ألا تأتي منهم هم على وجه التحديد·
الأكثر إثارة في هذا الموقف العصيب ، أن حاملي المطرقة والمنجل بدوا مثل تلك القاعة التي تعرض اعمالا خلاغية فرغم تسول إعلاناتها إلا أنها تجد الصد دوما لا يعيرها المارة أدنى اهتمام وكأنها مفتوحة لأصحاب القاعة·
في المساء 'تذبل الوردة'
لكن يبدو أن اليأس لا يعرف طريقا لعقولهم فمن الحوار مع بعضهم ستجدهم على قناعة في أن الرفقاء الكبار 'دنيز جيزميش' و'يوسف أصلان' و'حسين جواهر' الذين أعدموا عام 1972 سيعودون في صورة مناضلين جدد ومع هؤلاء ستعود 'رابطة الشبيبة الثورية' لتحرر تركيا من الإمبريالية· وعبثا لو حاولت إقناعهم أن زمن الستينات والسبعينات ولى أو على الأقل بات هناك واقع آخر هو في كل الأحوال نقيض الماضي ، بيد أنهم سيردون عليك وهم يحملون كتاب 'مساء ذبول الوردة' الصادر عام ،1986 للروائي الأممي 'إردال أوز' المولود في سيواس شمال تركيا عام ،1935 نعم قد تكون 'أوراقنا ثياب بالية' وأن 'كفننا غيوم' ورغم كل ذلك فـ'حرفتنا الأمل' · ويمضون في الحلم قائلين : الثورة في تركيا ستنطلق كرصاصة لا تخيب ولن نكون مثل رفقائنا الراحلين الذي احتضنوا بكل شجاعة حبل النهاية على أية حال ، تركيا الآن ليست تلك التي ولدت في عشرينات القرن الماضي · فلا قمع حتى ولو كان هناك جنوح للعنف فالأخير يمكن وأده بالقانون كما أنها على قناعة أن الحياة المعاشة تجاوزت الأممية والرأسمالية لم تعد في حاجة لتطويرها بيد أنها صارت جزءا لا يتجزأ من بنيان المجتمع التركي هذا من جانب ، من جانب آخر يمكن للديمقراطية أن تستوعب صرخات 'البروليتاريا الرثة' فحجمهم توضحه بجلاء صناديق الاقتراع· لكن الأخطر سيكون في المقابل المتمثل في اليمين ، وهو هنا ليس اليمين الليبرالي ، ولكنه اليمين القومي الذي يشهد تناميا ملحوظا بعد أن كان يعتقد أنه لفظ أنفاسه مع سقوطه المدوي في انتخابات نوفمبر عام ·2002 ومن ثم فعودته من جديد تعيد إلى الذاكرة حقبة سوداء كان فيها مرادفا للفاشية وهذا ما دعا الرئيس نجدت سيزر إلى أن يحذر المجتمع من خطورة هذا الأمر· والسؤال: ما هو موقف الداخل؟ والأهم هو صورة البلاد في الخارج خصوصا في أوروبا التي باتت قريبة نسبيا مقارنة بأي وقت مضى؟ هذا سيكون محور موضوع آخر·

اقرأ أيضا

وفاة رابع حالة بـ«كورونا» في إيطاليا