فاطمة عطفة (أبوظبي)

لم يعد الشعر وحيدا في المشهد الثقافي، ولكنه يؤكد حضوره بصفاء وعذوبة، مصحوبا بموكب من فنون أخرى كسلاسة التقديم واحتفاء الموسيقى. ويزداد المشهد الفني جمالا ونضرة حين ينشد القصيدة شاعر متألق له تجربته العميقة وصحبته الحميمة مع هذا الفن الذي نحت أجدادنا له أيقونة زاهية (الشعر ديوان العرب). هكذا كان الجمهور أول أمس بانتظار عادل خزام وسعد جمعة، الشاعرين المتميزين إبداعا وحضورا وإلقاء، لسماع باقة من القصائد توجها عازف الساكسفون محمد خميس بألحانه العذبة. نظمت هذه الأمسية الشعرية الموسيقية «دار رواشن للنشر» في مقهى محطة المينا في أبوظبي.
من الشعر سلام، وعلى الشعر السلام، وسلام بروح كل حضارات الأرض وثقافاتها من الأسطورة حتى التاو. بهذه الكلمات المعبرة استهل الفنان المخرج حمد نجم كلمته في تقديم الأمسية التي بدأها الشاعر عادل خزام بقراءة من ديوانه «الربيع العاري»: البرتقالة التي سقطت من شاحنة الحصاد/‏ دهستها دبابة السلام... بهذه الصورة الشعرية المؤثرة، وكأن الشاعر طفل يضع يده على قلبه إشفاقا وهو يرى البرتقالة، هذا الرمز الشعري لكل شيء جميل في الحياة، تسحقه دبابة، لكنها ليست مركبة عادية طائشة إنما هي دبابة السلام! هذه المفارقة المدهشة في رسم صورة واقعية مؤلمة لا يبدعها إلا شاعر ملهم، يرى بعمق ما يجري في هذا العالم، ويعبر عنه بصدق فني، وإن ترك أثرا جارحا في مشاعر المتلقي.
وفي مشهد آخر من القصيدة: والطائر الحذق/‏ لم يعد يفرق بين الدخان ونزول الضباب/‏ أنظر إلى الخريطة من نصفها المحروق/‏ وأتذكر أصدقاء لي، كانوا هناك/‏ في الفراغ الملتهب، وفي اللاشيء حين يكون وطنا... بهذا النسيج الدرامي المؤلم يتابع الشاعر تصوير ما يشعر به من مواجع هذه الحياة وتناقضات ما يجري في عصرنا، لأنه ليس شاهدا حياديا.
أما الشاعر سعد جمعة فقد بدأ نجواه بتحية إلى روح الشاعر أحمد راشد ثاني، مستحضرا لحظات من ذكريات لا تخلو من أسى وعتاب، يقول: أخذك الهوى بعيدا وتنفست الطرق/‏ صرخت صرخة المولود وشهقت شهقة الميت/‏ مررت في دروب تمادت على روحك/‏ جريت، بكيت.
وبعد استدعاء هذه الذكرى الشجية، ألقى الشاعر قصيدة يناجي بها «النساء الساحرات» ويخاطب نفسه في مشهد غير مريح، قائلا: في أوج قلقك الكبير/‏ في تيهك وضياع بوصلة الحياة/‏ ألمك العميق/‏ والأفكار التي لا تهدأ/‏ الشعور الساكن قلبك الموجوع/‏ دماغك بألم يبكي/‏ دموع عينيك تتنهد بلا قدرة/‏ في محرقة الكلام.
بعد هذه الموجة الجارفة من القلق والضياع والألم والدموع والكلام المحترق، تطل على الشاعر أطياف النساء الساحرات «كملائكة من حبات المطر الهاطل في أول الشتاء لينتشلن روحه من الغرق»...
وتابع الشاعران مع عزف الموسيقى إلقاء قصائدهما في جو ودي عميق من الإصغاء ومتابعة الصور الشعرية المستلهمة من أرق المشاعر، والمعبرة عن تجربة إبداعية متميزة لكل منهما.