صحيفة الاتحاد

دنيا

كسرت الطوق


سعاد جواد:

suad-jawad@hotmail.com
كنت في السنة الجامعية الثالثة، وكانت حياتي تسير بشكل طبيعي، وفجأة تغير كل شيء، انقلب الاستقرار إلى ثورة كبيرة انطلقت بلا مبرر بمجرد أن تقدم ابن الجيران لخطبتي· فهل يستحق مثل هذا الموضوع كل هذا الهياج وكل تلك التصرفات اللامعقولة من أمي وأبي؟ كان ذلك الشاب أسمر البشرة، وماذا في ذلك؟ إذا لم يعجبهم فليرفضوه ولينتهِ الأمر· لماذا أصروا على تزويجي بأسرع ما يمكن؟ لماذا فكروا بالتخلص مني بأي شكل؟ والله لا أدري·
بدأت الخطط والمؤامرات تحاك لتزويجي إلى ابن عمتي، فذهب والدي إليه وسأله إن كان يريدني زوجة له! فقال له ابن عمتي بصريح العبارة: ابنتك بمثابة أخت لي، كما أنني لا أفكر بالزواج·
كانت كلماته كالطامة على والدي ووالدتي فقد هاجا وماجا لهذا الموقف، وأنا كنت سعيدة بما حدث لأنني كنت ما أزال في مرحلة الدراسة ولا أفكر بالزواج، ثم إن ابن عمتي هذا كان شابا صايعا، يعيش حياته على هواه· كان ممن لا يروقون لي إطلاقا· ولا أدري لماذا اختاره والدي ليكون زوجا لي؟ مع أنه لا يملك أية مقومات مناسبة لزوج ناجح·
لم ينته المخطط ولم يستسلما، فقد قررت أمي إخبار عمتي بخطبة ذلك الشاب الأسمر لي بغرض استفزازها، فلم تفلح أيضا في مسعاها ولم تحرك ساكنا· فهل عدلا عن موقفهما؟ بالطبع لا·· فماذا فعل والدي؟
لقد ذهب مجددا إلى أخته لتوبيخ ولدها على عدم رغبته بالزواج مني، فتم الضغط عليه من قبل والدي ووالده حتى حصلوا أخيرا على تنازله ورضاه بالأمر الواقع· أما أنا فقد هددت بالضرب بالعصا إن قلت كلمة واحدة· فبقيت حزينة أكتم حسرتي ودموعي كي لا أغضبهم·
تمت الخطوبة في منزلنا، وكانت أول عبارة سمعتها من خطيبي هي: أنا لا أرغب بك وسأتزوج عليك في أقرب فرصة ممكنة·
خلال فترة الخطوبة كان فظاً معي بشكل كبير، كان يوبخني لأتفه الأسباب، ويعيب على شكلي ويحرجني بكلمات تحط من شأني وقدري أمام أهله· فهل نصحته أمه باحترامي والتعامل معي بشكل لائق؟ بالطبع لم تفعل، فهو ولدها المدلل وهو دائما على حق حتى لو كان مخطئا·
كنت أشتكي لوالدتي، فالأم هي أقرب الناس إلى البنت، ولكنها للأسف كانت هي السبب الأساسي في كل الخراب الذي حدث في حياتي؛ لأنها حادة المزاج وعصبية ومتحكمة بنا بشكل غير منصف، كانت تستهزئ بشكواي لها وتقول: لا تكوني دلوعة··· كل الرجال هكذا··· لست أفضل من غيرك··· المرأة العاقلة تصبر ولا تشتكي·

حياة زوجية فاشلة

تزوجنا بمهر بخس لم يكفني لشراء احتياجاتي فلم أقل شيئا· ثم دعا زوجي أخته وابنة خالته لترافقانا في رحلة شهر العسل، كي يتاح له تركي مع البنات ليأخذ راحته لوحده·
عندما عدنا من تلك السفرة، انشغلت في استذكار دروسي للمرحلة النهائية في الجامعة، وهو كان مشغولا طوال الوقت مع صديقاته، يتحدث معهن بالهاتف أمامي ويتواعد معهن بلا أدنى احترام لمشاعري· كنت أشعر فعلا بأنه يكرهني ولا يطيق وجودي معه· كان يستمتع بإهانتي أمام أهله، حيث تشاركه والدته هذه المتعة وتبدأ بتوبيخي بلا سبب واضح·
حملت بابني الأول، وكان الجميع متلهفا لأول حفيد في العائلة إلا هو، لم تؤثر عليه الأبوة ولم يتغير لهذا الحدث الهام في حياة أي زوجين·
تخرجت من الجامعة وحصلت على وظيفة في كبرى الشركات براتب ممتاز، وكنت أتمنى أن يشعر زوجي بقيمتي وبكل ما أحققه في حياتي العملية والذي انعكس عليه، فقد صار يقترض مني المال فأعطيه ولا أبخل عليه وأنا أعلم بأنه لن يعيده لي· كان منظره غريبا وهو يتبدل ويتغير ليصبح مسكينا ورقيقا عندما يطلب المال، ولكنه بعد أن يستلم ما يريد ينقلب كالوحش ويبدأ بسبي وشتمي أنا وأهلي·
كنا نسكن مع أهله في نفس البيت ولكن في شقة شبه منفصلة· حاولت أن أتصرف معهم بلطافة لكسب محبتهم· كنت أمضي معظم وقتي معهم لأن زوجي كان يخرج من البيت ولا يعود إلا متأخرا· وبدلا من أن أكسب محبتهم ورضاهم ازداد عدد الكارهين لي· فقد حقد علي أخوه عندما حصلت على رخصة قيادة فقالت له والدته: إن زوجة أخيك قد حصلت على الرخصة وهي لا تملك سيارة فأرجع سيارة أخيك لها· فغضب واعتبر ذلك كله بتدبير مني وصار لا يطيقني منذ ذلك اليوم، ولم ينسى حقده علي لسنين طويلة·
تزوج هذا الأخ من فتاة اختارها بنفسه على الرغم من عدم موافقة والده، إلا أنه استطاع أن يقف بوجهه ويجبره على الموافقة لأنه قوي الشخصية عكس زوجي الذي ظلم نفسه وظلمني معه بهذا الزواج الذي تم بلا إرادة من كلينا·
حاولت قدر الإمكان كسب زوجي عبر الاهتمام بمظهري وتجميل نفسي، ولكن زوجي كان غارقا في علاقاته النسائية المتعددة الجنسيات، فزادت المسافة بيني وبينه حتى بعد أن رزقت بطفلي الثاني·
كان عملي هو متنفسي الوحيد فتفانيت فيه وصرت أحضر جميع الدورات، وتعرفت على العديد من الشخصيات· كان الجميع يرفع من شأني ويثني على ذكائي وشخصيتي ومظهري اللائق إلا زوجي الذي لم أكن أعجبه ولا أروق له مهما فعلت·

معاناة مستمرة

على الرغم من المحاولات الكثيرة من الرجال في التقرب إلي إلا أنني كنت أخاف من عقاب الله فلا أنجرف بتيار العلاقات· كنت أتغلب على ضعفي وعلى رغبتي في الانتقام لكرامتي وأنوثتي وأصبر أملا في أن يتغير الحال في يوم من الأيام· ومن أجل أن أتقوى أكثر ذهبت لأداء فريضة الحج مع أخي وزوجته ودعوت ربي بأن ينصلح حال زوجي أو يخلصني منه قبل أن يغويني الشيطان·
بعد عودتي من الأراضي المقدسة حملت بطفلي الثالث وكنت آمل أن أشم رياح التغيير من زوجي ولكني للأسف لم أستنشق إلا رياح العفونة والوسخ الذي كان منغمسا فيه· ومما زاد الطين بلة هو أنه قد استقال من عمله بحجة عدم ترقيته، فجلس في البيت وصار متفرغا لأذيتي، يستفزني بأمور لا يمكنني التحدث بها ويريدني أن أتصرف معه كما تفعل الساقطات بما لا يرضي الله من الأعمال الشاذة التي لا يقبلها الدين· أوبخه فيتوب ثم يعود لأفعاله، حتى كرهته أكثر وأكثر وصرت لا أطيق رائحته النتنة وتصرفاته الوسخة· ولكن ماذا أفعل؟ هل يحق لي طلب الطلاق؟
الشرع يمنحني هذا الحق، فلا عرف ولا دين يسمح بهذا التعامل الزوجي الحقير، ولكن أهلي لا يمكن أن يقبلوا بفكرة الطلاق ولو على جثتي·
أنجبت طفلي الرابع وصرت أنفق على أولادي وعلى زوجي وكان الحمل ثقيلا علي· ساعدته في الحصول على عمل وأنا أعلم بأنه بمجرد حصوله على الراتب فإنه سيعود لعلاقاته السابقة، ولكن كان ذلك أرحم من وجوده المتواصل معي·
صرت عصبية طوال الوقت لا تعرف الابتسامة طريقا الى وجهي مما جعله يشتكي مني أمام أهله فقال لأمه: لا أحبها وأرغب بالزواج من أخرى فشجعته أمه واتهمتني بأنني مجنونة وجامدة المشاعر·
بصراحة لم يعد يهمني· كنت أحتقره ولا يمكنني الاستمرار معه، وكنت أتمنى أن يطلقني· ولكنه فهم اللعبة وأخبرني بأنه سيذلني وسيتزوج علي ولن يحررني من عبوديته أبدا·
بعد أن يئست من أمر الطلاق قررت أن أسايره كي لا ينفذ تهديده بالزواج علي، فمهما كانت مشاعري نحوه فإنني لا أرضى بمزيد من المشاكل تأتي بها امرأة تدخل حياتنا التي لا ينقصها الدمار والتخريب·
في تلك الفترة أتيحت لي فرصة المشاركة في مشروع كبير في أوروبا فأخبرت زوجي فرحب بالأمر ترحيبا كبيرا طمعا في المال الكثير الذي سأحصل عليه إن نجح المشروع· كان عليّ السفر لتوقيع العقد فشجعني ودفعني دفعا للسفر وهو يحلم بالملايين وأوصلني بنفسه إلى المطار متجاهلا أهله الذين لم يعجبهم دخولي في مجال الأعمال وسفري لوحدي·
لم أنجح في المشروع لأنني دخلت فيه بلا تفكير وقد أثر ذلك على ميزانيتي لأنني اقترضت من البنك مبلغا كبيرا، فضاقت دائرة الديون علي وعجزت عن دفع مصاريف الأولاد وأقساط مدارسهم، وبدلا من أن يقف إلى جانبي فإنه كعادته اتهمني اتهامات كثيرة وتركني بلا أية مساعدة منه·
جلست مع نفسي جلسة صراحة وقلت: إلى متى سأعيش مع رجل أكرهه بهذا الشكل، فأنا لا أجد فيه أي ميزة من ميزات الرجولة؟ فلماذا أجبر نفسي على العيش معه؟ لماذا لا أطلب الطلاق؟ ردت عليّ نفسي: الصبر من أجل الأطفال، فسكت عقلي عن التفكير، وبكى قلبي بلا دموع لأنني صرت متحجرة من الخارج، أما من الداخل فإنني أتقطع ألما وحسرة·

التدخل الإيجابي

في أحد الأيام فكرت في إقامة حفلة بسيطة بمناسبة مولد ابنتي الصغيرة· اتفقنا أنا ونسيبتي على الاشتراك بتلك الحفلة لأن مولد ابنتها بنفس التاريخ، كان الاتفاق على أن تحضر هي العشاء وأنا أحضر الحلويات والكيك، تدخلت عمتي وقالت: لا داعي لإحضار طعام من المطعم، سوف نطبخ في البيت·
دعونا الأقارب ومن بينهم خال زوجي، رجل محترم وعاقل أقدره كثيرا· فوجئت بعدم كفاية الطعام فشعرت بالإحراج الشديد، ثم أصبح الجو ملغوما لأنني أشعلت الشمعة قبل مجيء أخت زوجي· ومن هنا استشاطت عمتي وأخذت توبخني لأنني لم أنتظر ابنتها، ولأنني لم أحضر طعاما من المطعم فقلت لها: أنت رفضت إحضار الطعام ووضعتني في هذا الموقف المحرج· فكان ردي لها كالنار التي أشعلت فتيل الكلمات الجارحة التي وجهتها إليّ فصرت أبكي بحرقة، ثم انسحبت من تلك الحفلة الكئيبة·
اتصلت بخال زوجي لأعتذر له فقال لي: أشعر بأن هناك أمورا أبعد مما حدث فكوني صريحة معي وحدثيني· فانطلقت الكلمات من زمامها وحدثته عن كل ما أعانيه مع زوجي وعن تصرفاته وسلوكه معي وعن عدم رغبتي في العيش معه·
بعد أن استمع لي قال: والله لو كنت ابنتي لضربتك ! كيف تسكتين على كل هذه الأمور؟
لعب هذا الإنسان الطيب الدور الإيجابي لإفهام أهلي بخطورة ما يحدث لي، ولكن للأسف فإنهم أجابوه بأن من حق الزوج أن يفعل بزوجته ما يريد، وليس لها الحق بالشكوى مهما حدث·
عندما عرفت بموقف أهلي مني قررت الاعتماد على نفسي في التخلص من هذه الحياة الزوجية القاتلة، فأعلنت الحرب النفسية على زوجي· قاطعته، لم أعد أكلمه، أهملت شكلي وصرت ألبس ثيابا باهته وأضع الزيت على شعري كي يقرف مني ويطلقني· هنا بدأ يحس بأنه سيخسرني نهائيا فأخذ يتأسف على كل تصرفاته معي ووعدني بصفحة جديدة وصار يعطيني المال، على الرغم من عدم اهتمامي بالمال إلا أن المبادرة كانت جيدة ولكنها متأخرة، فقد ماتت مشاعري وتحجر قلبي وصرت أكرهه ولا أتحمل وجوده معي مهما حدث له من تغيير· عاد للفتور مرة أخرى بعد أن يئس مني وصار يعاملني بقسوة من جديد، يستهزأ بي وينعتني بالصرصورة، الحشرة القذرة أمام أهله كلهم·
كانت الطامة الكبرى التي حدثت في حياتي هي اكتشافي بأنني مصابة بمرض جنسي وذلك بسبب زوجي وعلاقاته المشبوهة مع الرخيصات· كان عليّ أن أتعالج بالحقن والحبوب والأدوية لسنة كاملة فتمسكت بفكرة الطلاق ولا شيء غير الطلاق· بقيت أصر عليه وألح وصرت أهدده بكشف شذوذيته للحصول على الطلاق فخشي من الفضائح واستسلم لرغبتي·
لم ننم كلينا تلك الليلة ولم تشفع دموعه وتوسلاته الكاذبة على تغيير موقفي· حتى جاء موعدنا في المحكمة صباحا وتم الطلاق· أخيرا تحررت من هذا الطوق الكريه الذي جمعني بإنسان لم أكن أطيقه ولم يكن يطيقني، وقد عشنا حياة زوجية كلها عذاب ومعاناة·
كانت مصيبتي الكبرى في مواجهة أهلي بأمر الطلاق· وكما توقعت فقد اندلعت الحرب في وجهي بعدما تفاجأوا بطلاقي· حاول أبي ضربي من شدة الصدمة، وقد طردوني أنا وأولادي من بيتهم فذهبت لأحد الفنادق وبقيت هناك لفترة حتى استأجرت بيتا يضمنا أنا وأولادي·
لم يسأل أهلي عنا وتركوني لمصيري ظنّا منهم بأنني إن عانيت لوحدي فإنني ربما أفكر بالعودة لزوجي، ولكنني لم أكن أنوي العودة أبدا·
حياة جديدة

تقدم لخطبتي شاب من بلد خليجي مجاور، فاتحت خال زوجي بأمره فسألني إن كنت مقتنعة بهذا الرجل فأخبرته بأنه إنسان جيد، عرفته من خلال عملي·
توسط رجل الخير هذا مرة أخرى ليأخذ موافقة والدي على هذا الزواج بعد أن سأل عن الخاطب وتأكد من حسن أخلاقه وسمعته، ولكن أهلي رفضوا ذلك رفضا تاما، وقالوا: إنها فضيحة كبيرة أن تتطلق ابنتنا وتتزوج مرة أخرى، فأخبرهم بأن ما أفعله لا يخالف الدين فأخبروه بأنهم يخافون من كلام الناس·
بذل الرجل جهدا جهيدا حتى تم الزواج· بالطبع فإن طليقي أخذ الأولاد مني ليحرق قلبي عليهم، ولكني أعرف بأنهم لن ينسوني وسأبقى أمهم· لقد ظلمت كثيرا وآن لي أن أستريح، استراحتي هي زوج يخاف الله، يعاملني معاملة إنسانية نبيلة، يحترمني وهذا أهم شيء من وجهة نظري، فلا يحط من قدري ولا يستهزئ بي·
أنا سعيدة جدا بحياتي الجديدة وأحمد ربي كثيرا لأنه ساعدني في كسر طوق العبودية الذي كاد أن يدمرني تماما·