الملحق الثقافي

الاتحاد

عندما تكون الحياة قناعا للموت

بكرم شعري قل نظيره في أيامنا هذه، يهدي الشاعر والمترجم المغربي المهدي أخريف كل قصائد ديوانه “محض قناع” الصادر في طبعة فاخرة عن منشورات سليكي إخوان، إلى صديقه حسن باقر عبد الرب، الذي يصفه الشاعر أخريف بالمواطن العالمي من سلطنة عمان الذي “جاب أقطار أوروبا وأميركا واسيا حتى الأقاصي.. تبحّر في “القارة” الهندية فأتقن لغة الأوردو كما ألمّ بلهجات هندية عديدة وتخصّص في الطبخ الهندي.. مصوّر فوتوغرافي، كاتب وشاعر متخفّ.. ينتمي نسبيا إلى فرع من شيعة آل البيت معروف في عمان (مسقط) هو فرع عبد الربّ.
منذ خمس عشرة سنة اختار صديق شاعرنا المهدي أخريف: عبد الربّ مدينة “أصيلة” مكانا للإقامة شبه الدائمة، اتخذ له منزلا صغيرا في “المدينة القديمة” داخل زقاق متفرّع من “باب الرمل”. ولم يلبث أن اندمج في الوسط “الزيلاشي” حتى أصبح واحدا من أهل “البيت”. اعتاد أن يقسم أيامه بين أصيلة (8 أشهر) ومسقط (3 أشهر)، مقتطعا كلما ضجِر من “حياته” فترات قصيرة للإقامة في إحدى المدينتين اللتين أحبهما كثيرا في الجنوب الاسباني خيريس أو قادش... يقول عن أخريف “جمعتنا معا صداقة مكينة منذ عشر سنوات. لم نكن نلتقي بانتظام. عندما نلتقي نرْتجل جولات طويلة في جهات البحر والبر حتى مشارف نهر “الغريفة” لم تدُر أحاديثنا إلا نادرا حول الأدب والثقافة.. كنت أعرف شغفه بالأدب وعلاقاته الواسعة بشعراء وكتاب عرب من أقطار مختلفة.. أغلب أحاديثنا كان عن الرحلات وجغرافيا البلدان والمناطق البعيدة”. ويقول عن هذا الصديق: “عندما ظهرت ترجمتي لكتاب “اللاطمانينة” لفناندو بيسوا حمل معه إلى عمان خمس نسخ اشتراها من الرباط.. حيث أهدها إلى أصدقائه هناك، ولم نتحدث أبدا عن الكتاب لا وقت صدوره ولا بعده.نصوص أخريف هنا في هذا الديوان/ الشهادة تتسم بتعمقها في الرسالة المجتمعية قراءة وتمحيصا بحثا عن آفاق الخلاص من ربق التخلف الذي يضرب بحباله على أعنق الناس ويقودهم عنوة إلى الجحيم.
حينما رحل حسن فجأة في منتصف ليلة 31 أغسطس (2006) (بودلير أحد شعرائه المفضلين توفي في نفس اليوم من عام 1867)، لم يترك “وراء ظهره” غير بضعة كتب نفيسة عن اليوغا والفن التشكيلي والفوتوغرافي، ومجموعة روايات ودواوين أغلبها مترجم إلى العربية من ضمنها مختارات من شعر “الهايكو” باللغة الأوردية، ترك كذلك “شذرات” غامضة مفككة يستلزم فك معمياتها الكثير من الوقت والجهد.. كما ترك لابنتي “ندى” علبة تلوين هندية وعدَها قبيل رحيله أكثر من مرة بتنظيم حفل إهدائي خاص بها في بيته. لكن الموت اختطفه فجأة تاركا العلبة معلقة على حبل زمن آخر، العلبة ذاتها التي كتبت ندى عنها ثلاث حكايات مريرة بالكلمات والألوان في ذكرى رحيله الأولى”.
وتعكس قصائد هذا الديوان وهي تحمل العناوين: “من يتذكر؟” و”قبل أن تغيب” النفس الرثائي بلغة شعرية شفافة وهذا الرثاء ليس رثاء مشهديا بل هو رثاء الذات وهي تستشعر موتها البطيء. لا أحد يبكي أحدا، بل يبكي ذاته التي حتما ستؤول إلى نفس المصير. الموت الذي يستفز الشاعر ليس الموت الطبيعي بل هو الموت المجازي: “بَعدَ شهْر/ نافِذَة البيْت/ كمَا كانَتْ/ قبْلَ مَجِيئكَ/ مُغْلقَة غامِقَة الزُّرْقةِ/ والبابُ كَذلِك/ لكِن/ أضْيَقُ يبْدو/ مِمَّا كانَ/ بعْدَ ذَهابِك/ ما زَال/ لهَاتِفِك المَحْمول/ رَنِين/ لا يَتَوقّفُ/ فِي/ الرَّبْع/ الخَالي/ جنْبَ سَريركَ/ آخِرُ أشْياءِ اللَّيْلة،/ قَدَحاكَ/ منَ الخَزفِ الهِنديّ انْشَقّا/ - مِنْ هَوْلِ الصَّدْمة؟ -/ أقْراص التّنْويمِ هُنَاك/ مُبعثْرة :/ يخلِطُها النّائِمُ/ بالأرَقِ الدَّائمِ إنْ شاء النّوْم/ (هَديرُ البحْر تمَدّدَ فوْقَ الكَنبَة)/ قُل لِي/ ما بَالُ الحِبْر المَحروقْ/ بدّلَ أوْراقَك فِي “المنْفى”/ كلّ/ حُروف الحَلْق بها انْقَلبتْ/ هَاءات للسّكْت/ فَمَنْ/ ينْطقُها بَعْدكَ/ في منْفانا؟!/ في آخِرِ يَوم/ - أخْبرَني إدْريس -/ جُنّ جُنونُ اللّيْلِ/ فَلَمْ يَظْهَرْ أثَر/ لِلفَجْرِ بعَيْنيكَ/ إلى اليَوْم/ فأيّ سَمَاء هَيّأَتِ للفَخّ/ وأيُّ سمَاء – بِحِياد طارِئ -/ غَلّقتِ البابَ وَراءَكَ/ في مُنْتَصف اللّيْلِ تَماما./ نَفَس/ مِنْكَ تَوثَب في/ تِلْكَ اللَّحظةِ صَوْبَ الشّرْفةِ/ ثُمّ/ تَجَمّدَ/ مَا بَيْنَ/ الرَّدْهةِ/ والبَاب./ ووِجْهك غَاب/ ومَا زِلْتَ/ تُطِلّ منْ الشّرْفَة أمْس/ أرَاكَ غَدا في/ يَوميَ هذا/ مِنْ/ شُرْفَة أبْيات/ فِي البَال/ فِي/ نَفْس/ اللّيْلة/ عادَ الأسْلافُ/ أسْلافُ الجِيرانِ كذَلكَ عَادُوا/ منْ أبْراجِ البُرطْقيز ومنْ/ شَرْقِ عُمانَ أتى آلُكَ عَبْدُ الربّ/ رآهُمْ/ - بِعُيون السّارِد -/ آخِرُ أحْفادِكَ/ طافُوا/ سَبْعا بالبَيْتِ/ لَعلّ الرُوحَ النّازِحَ عَنْك/ يَعودُ/ إلى الحَضْرة/ فِي اللّيْل بدُونِك/ طافُوا/ باللّيْل الخَافي/ سَبْعَ طُوَيْفات (كانَتْ أعْواما)/ حيْثُ بَقاياكَ اللامَرْئيّة تَطْفُو/ دُونَ خَفاء/ فَوْقَ/ فَوَاتِ/ الوَقْت/ أنَا/ أشْعلتُ “شُموعا سَوداء” في زاوِيةِ/ اللَّيل. ونِمْتُ. بلا جَدَوَى. مَا أوْحشَ هذِي/ اللَّيْلة (أعْنِي الزّمَن المُطلَق) قُلتُ لنَفْسي/ صَاحَ وَرائي شَبَح كانَ َرفيقَ صَبايَ/ الأَوّل. هَلْ تَذْكُرهُ؟! صَاحْ :/ ما أضْيَقَ هَذِي الفُسْحَة (يعْني الكوْنَ)!/ وفِي مُنْتصَفِ اللَّيْلةِ عادَتْ خُطُوات/ كانَتْ خُطُواتِك حِينَ تَعود إلى/ البَيْت وَحيدا/ تَذْرَعُ أرْجاءَ اللّيْلَةِ/ لا نَوْمَ/ الآنَ ولا يَقَظَةْ./ حَسْبُك حَسْبي صوْتُ/ رُخَاسَ الأكْبَر قُرْبَ الفَجْرِ/ يَرتّلُ/ أبْياتا تُشْبِهُ بالجُمْلة ما عِشْناهُ/ مَعا فِي الزّمَنِ الخامِ/ فهَلْ تَذْكُرُهُ؟/ هلْ تذْكُر أبْياتَ رُخاس مِنْ/ لا زَمَن نَحْيَاهُ/ اليومَ قَريبِينَ/ منْ قَطْرةِ صَمْتكَ/ وبَعيدَين عَنِ/ البحْرِ؟!/ أسْلافُك عَادوا/ شاهِدهُم في حُلُم مَوْثوق به/ أشْباهُكَ أنْفُسهُمْ/ أمْضَوا سَبْعَ لَيَال/ فَوْقَ القَمْرةِ ينْتَظِرونَ/ ينْتظِرون/ ظُهُوركَ مَعْكوسا/ في طَلْعَة بَدْر مَنْقُوص./ مِرَارا/ كِدْتُ أرَاكَ/ فَهَلاّ اسْتَيْقَظْتَ هُنا وهُناك/ تَمَشّيْتَ كمَا كُنْتَ ستَفْعل/ يا ابْنَ عُمَان الزَّيْلاشيّ/ لوْ كُنْتَ/ تركْتََ بابَ سَمائِك مفْتوحا/ منْ جِهة/ الطيقان إلى/ بحْر عُمَان!”
ونلاحظ أن علاقة شاعرنا المهدي أخريف بصديقه حسن باقر عبد الرب علاقة قوية نستشف منها الفجيعة والألم و هو يرى فيه ذاته، ويرى في آلامه آلامه وفي موت مطامحه موت لمطامحه الشخصية: “اعْذرني/ إنْ عُدْتُ إلى السَّطْرِ/ بِدونِكَ/ فَعَلَى/ مَائِدةِ الإفْطارِ/ لنْ تَنْقُصكَ الأخْبارُ/ مُقطّرة/ منْ صُحُف/ أولَى./ خَذ مَثلا،/ آخِرُ أخْبَاري :/ فِي هَذا اليَوْم/ الصُبْحُ أتَاني أعْمَى/ ولِذلِك لَمْ تَسْقُط/ أيُّ نَيَازِكَ بَعْدُ/ علَى حِبْري هَذَا!”.
أما الشاعر والناقد الشيلي إليخاندرو روفاس، فله في هذا الكتاب/ الديوان/ الشهادة وجهة نظره الخاصة، إذ يقول عن صديقه المهدي أخريف: “لقد أثار انتباهي في قصائده مقاربته التقليدية العجيبة لموضوعة البياض في علاقته بالحبر وبالصفحة بالخواء بالفناء بالسؤال الشعري والميتا شعري داخل/ خارج القصيدة مرتقيا بها ـ القصيدة ـ إلى مستوى التأمل الشعري الميتافيزيقي على نحو جعله يخلق تجربة خاصة يمكن نعتها بـ “ميتافيزيقا الصفحة الخاوية” وهي ميتافيزيقا تصب فيما يسميه موريس بلانشو ميتافيزيقا الغياب بالمعنى الغيّيني للكلمة (نسبة إلى خورخي غيين).
يقول إيليخاندرو “ توصلت من المهدي أخريف بعمله الشعري “محض قناع” أسرعت إلى قراءته أكثر من مرة بكثير من التأني مُدخلا بعض التصحيحات على الترجمة الاسبانية الجيّدة في عمومها. وجدت في عمله هذا نزوحا وانزياحا عن المألوف في أعماله السابقة، محاولة اختراق، بل اختراق شعري بالفعل عبر لغة أخرى وتركيب آخر وحتى روح شعرية مصبوبة في أقنعة مبتكرة.
اللعب بالزمن بالأفعال الزمنية بأسماء الأمكنة، اللجوء إلى التشذير والعنونات الخادعة وتقطيع الاسترسالات الغنائية والتصعيد والمونولوج والتهويم والتعتيم والتشخيص والتخصيصات الفضائية والزمنية والقلب والبتر والتبئيرات المختلفة.. تبدو النية الخطابية للقصيدة أو القصيدتين بالأحرى برّانية تعتمد الوصف والسرد وتراوح بين ضميرين وصوتين للخطاب (الأنا والأنت) لكن الانفصال والتداخل يبدوان عند التأمل ملازمين للحوار المعقود بين هذين الصوتين في العمل وإن غلبت عليهما الغنائية ذات النبرة العالية والصورة العارية من مقاطع كثيرة.

اقرأ أيضا