الملحق الثقافي

الاتحاد

ليليان تورام.. اللاعب الذي رفض الوزارة

الكتاب: Mes étoiles noires de L cy à Barack Obama
المؤلّف: Lilian Th ram
النّاشر: Phlippe Rey


ليليان تورام (39 عاما) Lilian Th ram هو نجم من نجوم كرة القدم الفرنسيّة والعالميّة، شارك في 142 مباراة مع المنتخب الفرنسي وفاز مع رفاقه ومن بينهم زين الدين زيدان بكأس العالم لكرة القدم عام 1998، وتألّق هذا اللاعب الأسود مع كبار النوادي الفرنسية والأوروبية، فقد لعب في صفوف نوادي “موناكو” و”جوفنتوس”، و”بارما”، و”نادي برشلونة” ذائعي الصيت، ثمّ اعتزل كرة القدم منذ قرابة العام ونصف العام، وأسّس جمعيّة لمكافحة العنصريّة في فرنسا وألّف كتابا صدر هذه الأيام باللغة الفرنسيّة اختار له عنوان: “نجومي السّوداء: من لوسي إلى باراك اوباما” Mes étoiles noires de L cy à Barack Obama روى فيه مسيرة 40 شخصيّة من السود الذين كانت لهم بصمة في مجال العلوم أو الأدب أو السياسة والفنون والرياضة على غرار محمد علي كلاي ومارتن لوثر كينغ وايميل سيزار وغيرهم كثير، ويشرح الرياضي الشهير الدواعي التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب قائلا: “انّ أغلب من أعرفهم من الفرنسيين البيض لا يجدون لديهم جوابا عندما أطلب منهم ذكر اسم عالم أو شاعر أو فيلسوف أسود، والسّبب أن لا أحد في المدارس حدّثهم عنهم، وفي طفولتي سمعت وتعلمت كثيرا عن نجوم في شتى المجالات وأعجبت بهم كسقراط، وبودليير، واينشتاين، والجنرال ديغول والام تيريزا وكلهم من البيض، ولكن لا أحد حدثني عن أعلام من السود حتى اني كنت أجهل كل شيء عن جدودي من الزنوج”، مضيفا: “إن تاريخ السّود عند الفرنسيين تمّ حصره في مسألة العبوديّة، والطّفل الفرنسي لا يسمع الحديث عن السّود إلاّ في الدّرس المخصّص للعبوديّة”.

البقرة البلهاء
ويقول اللاعب ليليان تورام متذكّرا طفولته: “كنت الطّفل الأسود الوحيد في الفصل، وكنت عرضة للسّخرية والتّهكّم والاستهزاء، وأطلقوا عليّ لقبا ساخرا مستمدّا من صور كاريكاتوريّة كان التّلفزيون يبثها أيّامها وتظهر فيها بقرة سوداء لا تقول إلاّ الحماقات وبقرة بيضاء تنطق دائما بما هو حق وصواب”، ويؤكّد اللاعب أنّه تهشّم نفسيّا في تلك الفترة واختزن بداخله مشاعر هدّامة تحتقر الذات، وفي هذا السياق ظهرت موضة السّعي لتبييض البشرة السّوداء لدى الزنجيات حتّى لو أودى ذلك للإصابة بسرطان الجلد، كما انهن كن يضعن باروكات من الشّعر المستعار الاملس تشبها بالفتيات صاحبات البشرة البيضاء”. ويعترف اللاّعب بأنّه عانى ـ حتى عندما اصبح نجما في كرة القدم يشار إليه بالبنان ـ من مظاهر العنصريّة ويقول انّ الجمهور في الملاعب من أنصار النوادي المنافسة كان يطلق أصواتا مشابهة لأصوات القردة للتّهكّم والسّخرية من اللاعب الأسود الّذي يقع في هذه الحالة تشبيهه بالقرد للحط من معنوياته واحباطه.

فرعون زنجي
يقول المؤلّف انّ أهمّ نجمة سوداء أثّرت في حياته هي أمّه، فقد تحمّلت بمفردها تربية أبنائها الخمسة والعناية بهم وقرّرت مغادرة “الغوادلوب” (هي مقاطعة فرنسيّة وراء البحار) بحثا عن حياة أكثر رخاء وهناء لأبنائها ومحاولة منها لضمان مستقبل لهم، ويؤكد ليليان تورام أنه مدين للكثير من الشّخصيّات من السّود، فهم ـ كما يقول ـ منحوه ثقة في نفسه وغذوا طموحه، ومن بين “النّجوم السّود” المفضّلين لديه هو كفران Khephren أحد الفراعنة الزّنوج، ولا يخفي لاعب كرة القدم الشهير اعجابه بفرانز فانون Frantz Fanon ومحمّد علي كلاي وغيرهم من السود في شتى مجالات المعرفة والنشاط المهني او الرياضي والسياسي والفني من الذين لمعوا وتألقوا وتركوا بصماتهم في تاريخ الانسانية.

اوباما واللون
ويحاول المؤلّف من خلال تقديمه لشخصيات مرموقة من الزنوج فسخ الآراء المسبّقة الرّاسخة في عقول التّلاميذ الفرنسيين والقائلة بأنّ الرّجل الأسود هو فقط جسم قوي مفتول العضلات يحسن الغناء ويجيد الرقص، فهذه الصورة الكاريكاتورية عن الرجل الاسود تعود إلى بعض منظّري القرن التّاسع عشر الذين اشاعوا وجود “عنصر بشري راق وعنصر بشري آخر من طبقة سفلى، وهذا التّنظير تمّ اعتماده لتبرير الاستعمار”.
ويرى ليليان تورام، الذي هاجر مع أمه وإخوته من الغوادلوب وهو في التاسعة من عمره، أنّ انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الاميركية دليل على أنّ الرّجل الأسود يمكن أن لا يبقى أسيرا للونه، وانّ إنتخابه سيساهم بلا شكّ في تطوّر العقليّات.

الزيجات المشتركة
والمجتمع الفرنسي اليوم هو مجتمع متنوّع ومتعدّد الثّقافات، والتعايش بين مختلف فئاته وشرائحه على مختلف أصولهم يتمّ ـ من وجهة نظر المؤلف ـ بشكل طيّب، ودليله على ذلك عدد الزّيجات المختلطة الكثيرة، ولكن المشكل يتمثل في ظروف العيش غير المتساويّة كما ان حظوظ العمل في فرنسا اليوم غير المتكافئة، فالأسود الفرنسي تعترضه عقبات كأداء للعثور على وظيفة رغم توفر كل الشروط فيه ويقع في أغلب الأحيان تفضيل الفرنسي الأبيض حتى ولو كان أقل كفاءة من الفرنسي الزنجي.
وأراد مؤلف الكتاب عبر إبرازه لأكثر من 40 شخصيّة من السود أن يقول بشكل غير مباشر انه هو أيضا الشاب الأسود الذي عاش وترعرع في حي فقير والذي عانى طويلا من شعور بالنقص بسبب تهكم اترابه البيض منه.. قد نجح واصبح نجما رياضيا عالميا يشار اليه بالبنان، يلتقي بكبار القوم وعليتهم ويناضل من أجل القضاء على العنصرية بل ويرفض الوزارة لاسباب مبدئية.

رفض الوزارة
واعتبارا لمكانة هذا اللاعب الموهوب ومحاولة منه لاستقطابه اقترح عليه نيكولا ساركوزي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الاخيرة بان يكون وزيرا ل”التنوع” سعيا من الرئيس الجديد الى الظهور في مظهر من يرغب في إدماج السود والعرب والمسلمين وغيرهم من الفرنسيين من ذوي الاصول المتنوعة في صلب مجتمع فرنسي واحد موحد، ولكنّ ليليان تورام رفض العرض معللا موقفه باختلاف وجهات النظر بينه وبين الرئيس، بل اكثر من ذلك فاللاعب هو وساركوزي على طرفي نقيض، وقد عاب مدافع المنتخب الفرنسي لكرة القدم على نيكولا ساركوزي تصريحا أكد فيه “أنّ السّود والعرب هم الّذين يفتعلون المشاكل في الضّواحي الفرنسيّة”، ثمّ كانت القطرة الّتي أفاضت الكأس في خطاب لساركوزي القاه في عاصمة السينغال “داكار” عام 2007 عندما أعلن بأنّ “الإفريقي لم يدخل بعد إلى التّاريخ” ورأى فيه الكثير من السّياسيين تصريحا عنصريّا. لكل هذه الاسباب ولغيرها لم يقبل المؤلف بان يصبح وزيرا في حكومة نيكولا ساركوزي.
ويرى الرّياضي الفرنسي الأسود أنّ سياسة ساركوزي الدّاخليّة تقسّم ولا تجمع، وأنّها تبحث دائما عن كبش فداء وقد وجد في “المهاجرين والمسلمين” ذلك الكبش، وهذه السّياسة الّتي يتّبعها ساركوزي هي ـ حسب تحليل المؤلف ـ مطية لصرف نظر الفرنسيين عن مشاكلهم الاقتصاديّة الحقيقيّة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة.

اقرأ أيضا