الملحق الثقافي

الاتحاد

البقاء لا يعني الوجود

الكتاب: 40... في معنى أن أكبر
المؤلف: ليلى الجهني
الناشر: دار الآداب 2010

فرصة أن يتاح لنا الجلوس بعيدا هناك.. في ركن هادئ نتقصى الذاكرة ونشاهد عن كثب مرايا الوقت وانعكاس كل شيء على ملامحنا، أن نرثي أزمنة قاتمة في البقاء بعيدا ولكن أقرب إلى داخلنا وافتتاح حصالة المعرفة والعمر لننسكب منها تماما، أن نعرف جديدا دونما التفات يسير إلى أي احصائيات عن الخسارات أو الانتصارات في أرواحنا كي لا يجف دأبنا الشغوف بالمعرفة ومكنون الحياة، وأن ننكتب في سيرة الصمت والعالم من حولنا وذاكرة الصبا والكتابة والصداقة، بل ونَعي حكايتنا مع الحياة بذبولها وقدرها ومديح الحكمة. كما يشبه شهادة ناصعة للوقت والعمر، تكتب الروائية السعودية ليلى الجهني “40 في معنى أن أكون”، وتطرح من خلاله أسئلة البقاء والرحيل، والجوهري والعابر في الحياة، واليقيني والقابل للظن والشك وما لا يستقر.. كل ذلك في مرآة العمر المصقولة وتحسس كل ماهو مؤلم وموجع بالخيبات والخسران وانكسارات الوقت.
إنها الــ40 وحوار المعنى، العمر وهو ينحاز للسكينة مثقلا بجدواه من العالم وتاركا للوقت أن يقرر أشدّه وخلاصته، بل وهو يكاشف الروح بشفافية ويتخذ من الفلسفة التي تطرح العقل نصب عينيها سبيلا: “عالم مزر هو عالمي، عالم غير آمن، وغير مفهوم فيه لم يبدأ أمر ولم يستمر أو ينتهي؟” وهي ذات الفلسفة التي تطرح الوعي جدليا بين أهمية أن نعي وخطر أن نعي بهذا القدر المصيري.
ليلى الجهني لم ترى ُبدا من تعرية كل شيء مادام هو وجهها وسنوات العمر تماما في مرآة ماحدث ومايحدث، ومادامت الكتابة ليست كشفا خالصا لمجرد البوح الذاتي بل تجربة كتابة إبداعية أولا، لكنها متماسة مع الحياة لذا لننكشف تماما وندخل في صميم التجربة هتكا للتصنع، وهو ما تفعله تماما مع فضاء ماحولها من أسئلة “كل الحياة كما أراها كذبة وقحة وطويلة” فضاء الوحدة والشك والموت والمخاوف والصمت، ومحور النضج والوعي والمراحل التي قد تكون حساباتها غير معلنة إلا في لاوعينا وداخلنا البعيد، بيد أن ليلى الجهني تجعل منه حسابا مكشوفا بلغة فاتنة ومصداقية تداعيها الحر والمنطلق.. تلك اللغة المستعدة دائما لقول مايراد وهي ذات الطاقة اللغوية التي يظل المبدع يختزلها ويرجوها أو مايسميها علماء النفس طاقة اللغة ومتطلبات الحالة الشعورية.
ويجدر القول أن كتاب ليلى الجهني الأخير “40 في معنى أن أكبر” هو كتابة جديدة لم تكن متوقعة من متابعي ليلى الجهني التي كتبت من قبل روايتين هما “الفردوس اليباب” و”جاهلية” وهذا هو كتابها الثالث الذي تقول عنه في الكتاب “ربما ستسبق حرب ما كتابي هذا، لأنني كما أدركت منذ وقت أكبر في ظل الحروب، وقد وسم الخراب كل عشرة أعوام من عمري بطريقة لا يمكنني إغماض عيني عنه” ربما هي رغبة الكاتبة في وضع تجربتها أمام معمل الحياة الأكيد، بعيدا عن الكتابة الرتيبة والنمطية، ورغبة في أن تكون كتابتها أكثر حيوية متخذة من الحياة نفسها طريقة تراقب بها كل شيء ومنطلقة من ذاتها إلى خلق نص إبداعي وكتابة الواقع ومسوخه في حين تجمل كل هذا كتابات أخرى. ويمكن أن يشرح العنوان “40.. في معنى أن أكبر” إشارة على أكثر من جهة، دلالة الكتابة بوصفها حياة، تلك الحياة المعرضة كثيرا للسكون والحركة، ودلالات متوازنة بين الرقم (40) وبين قيمة الكبر التي سنلحظها في بداية كل قسم أو كل مقطع في الكتاب، حيث الدلالة الجلية بينهما تكمن في المعنى.

اقرأ أيضا