الملحق الثقافي

الاتحاد

من أفلاطون إلى أبي محجن الثقفي

آريسطو

آريسطو

محمد علي شمس الدين صديق قديم، تربطني به علاقة تمتد أزيد من ثلاثين سنة.. التقينا عام 1977 في مؤتمر اتحاد الأدباء العرب الذي عقد في طرابلس.. وتوطدت الأواصر بيننا حينا من الدهر، إذ كان يوافيني ببعض ما يصدر له من دواوين، وكنت أعرّف ببعضها في الجرائد المغربية، ومن تلك الدواوين ديوان: “غيم لأحلام الملك المخلوع”. انقطع حبل التواصل زمنا، وكان التواصل عبر حروف تكتبها اليد، قبل اكتشاف البريد الإلكتروني، كتب إلي يوما رسالة قصيرة، وختمها بقوله: “وأنت شاعر تعرف اختصار الزمن السائل”.. والتقينا بعد ذلك في بعض الملتقيات الأدبية والثقافية، كان منها أحد مهرجانات الجنادرية، حيث أهديته ديواني الذي يؤرخ للمرحلة الباريسية: “مملكة الرماد”، وكان يتضمن قصيدة مهداة إليه، وأهداني ديوانه: “يحرث في الآبار”.. ورغم أن لقاءاتنا صارت متباعدة، إلا أنني ما فتئت أتابع كتاباته المتميزة، شعرا ونثرا، كلما جاد الزمان بذلك.. وآخرها مقاله: “خطأ أفلاطون” الذي نشره ضمن عموده الثابت في “الاتحاد الثقافي”. كان شمس الدين ينتصر دائما للحقيقة الشعرية، التي هي أصدق من الحقيقية التاريخية والحقيقة الفلسفية كما يرى أرسطو.. وسواء تعلق الأمر بالشعر العربي أم بالشعر الفارسي أم بالشعر الأوربي، فإن نظرات شمس الدين كانت نافذة، وما ينشره في (أصل الفكرة) يقوي هذا الظن..
وفي العدد 134 من “الاتحاد الثقافي” كتب عن “خطأ أفلاطون”، وكان ما توقعته صحيحا، وهو أن المراد بخطأ أفلاطون نفيه الشعراء عن مدينته الفاضلة، كما تجسدت في كتابه (الجمهورية).
إلى هنا والأمر عادي ومألوف..
ما ليس مألوفا، وما لم أتوقعه من شاعر مثل محمد علي شمس الدين، هو تجافيه عن الحقيقة التاريخية، وكأن ضوء الحقيقة الشعرية يعشي الأبصار. لقد وقع في أكثر من خطأ، وما أدري أمرد ذلك إلى السهو، أم إلى العجلة، أم إلى الثقة المفرطة في النفس.
لقد قال عن أفلاطون: “إن هذا الفيلسوف اليوناني القديم الذي كان تلميذا لأرسطو أخذ عنه شيئا من نظرياته...”، ثم قال: “جاء أفلاطون لينسج على منوال أستاذه في بنائه الفلسفي والسياسي في آن”. وهذا التكرار يعني أنه مصر على أن يجعل أفلاطون، لا العكس، تلميذا لأرسطو، رغم أن الحقيقة التاريخية تقول إن أرسطو كان تلميذا لأفلاطون، لا العكس، وإن أفلاطون كان تلميذا لسقراط.. هكذا تتكون السلسلة.. ومحاورات أفلاطون في جمهوريته دالة على أستاذية سقراط لأفلاطون، لا أستاذية أرسطو. فسقراط هو الجد، وأفلاطون هو الأب، وأرسطو هو الابن. وهذا ما يقوله التاريخ. لقد عاش سقراط ما بين (469 ق.م. ـ 399ق.م.)، وعاش أفلاطون ما بين (427 ق.م. ـ 347 ق.م.)، بينما عاش أرسطو، تلميذ أفلاطون، ما بين (384 ق.م. ـ 322 ق. م.).
هذا هو الخطأ الأول.
والخطأ الثاني هو نسبة بيت مشهور لأبي محجن الثقفي، إلى أبي نواس، وهو قوله:
إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة
تروّي عظامي بعد موتي عروقها
وأن يضمن أبو نواس بيت أبي محجن بعض شعره لا يجعله أحق به منه. وقد ذكرت كتب التاريخ ـ ومنها مروج الذهب للمسعودي ـ بيت أبي محجن هذا، إضافة إلى بيت ثان مكمل له، مع سوق خبرهما، كما وردا في أمهات كتب الأدب، وهما:
إذا متّ فادفني إلى جنب كرمةٍ
تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما متّ ألا أذوقها
وختاما أهمس في أذن الشاعر الصديق محمد علي شمس الدين: جميل أن ننتصر للحقيقة الشعرية، ولكن ليس حسنا أن يكون انتصارنا ذاك على حساب الحقيقة التاريخية.

* جامعة الشارقة

اقرأ أيضا