ثقافة

الاتحاد

العين مدينة القلب

حارب الظاهري

حارب الظاهري

بيوت صغيرة تنتشي تحت ''جبل النقفة'' حيث إيقاع القلب يتسع لمدينة على كف الرؤية الجميلة، لها آلاف السنين، ولها غابة النخيل وظلال البوح، وأفلاج كالشرايين، تغذي الروح بماء الروح! مدينة تنام في كنف الحب! قريرة العين، تهيم في عطرها رائحة الحناء ورائحة الفل والليمون، وتعطر أبواب البيوت، وتخفق رائحة الورس والزعفران من خلال المحلات القديمة المجاورة، وتظلل الدهاليز الضيقة وجوه جميلة غيبها الزمن، فلا تجد عبيد القصاب حين يخرج من عتبة باب بيته بيده عصاه، ينتعل دربه المؤدي إلى ''الجبرة'' إذا لم يخرج هو خرج أخوه سالم القصاب أو خرج ابن خضير أو التقى براشد مبارك و''الصنباري'' ''ومطر ''لبلوب'' و''مصبح''، والجميع في حضرة السوق القديم تجمعهم ذكريات الود على حافة لوح خشبي مطليِّ برائحة السنين والأيام، لوح يفقد شخوصه بانتهاء بصمات العمر، مما حدا براشد البعير ألا يجلس على لوح السوق خوفاً من تبعات الفقد ونعته بكرسي الموت!!·
خلف سوق العين تخيم ذكريات، تفضي بذاكرة الأيام إلى حالة تشرذم المدينة من روحها ومن عطرها! أو هكذا ستقول العرافة للزمن!·
حين أصبح مؤشر العمر يعيقه من ممارسة السير على الأقدام إلى حارة السوق، وكسا وجه حارة المربعة شيء من الصمت ولم يعد مألوفاً بين سمات المدينة! هجر القصاب بيته الجميل بعد أن هجر السوق نفسه كمهنة· أصابه مرض شل حراك الرجل اليمنى، واليد اليمنى تجمدت أيضاً! سنوات مضت وحيداً، يترجل بواسطة عون أحد الآسيويين، حتى قرر الرحيل ظل القصاب يعاني من ويلات الوحدة· إلا أن وريد الحياة لا ينقطع من أواصر المحبة، ورغم أن المسافة ليست ببعيدة عن العين المدينة إلا أن القلب ممكن أن ينبض في مدينة الجمال أبوظبي الحسناء في تشكلها ومحتواها، بيت الأهل يتسع كالظلال الوارفة، جسد القصاب بدأ ضئيلاً، تارة يبحث عن الوجوه، يدعوها بالاسم، لا تغيب عن مخيلته، ظل عاشقاً للعين وأهلها على الرغم من أن أبوظبي ذات سمات يعرفها منذ حياة الغوص·
بيت القصاب تحت ''جبل النقفة'' ظل خاوياً يسكن الظلام أو يسكنه الصمت! يثير خلاياه الغبار، وزوبعة تترصد النوافذ، وتعصف بخلايا الجدران، وسط الحارة مثخن بالجراح والذكريات!! باب البيت مقفل وصدئ، تزعزع، عالجه رجل مختص بفعل أدواته أخذت تنهار الأقفال إلى بقايا·
بدأ بيتاً أجوف، بقايا رثة مغموسة بذرات الغبار، سرير خشبي التصق بالجدار وتفكَّكت أجزاء الدولاب، تناثرت صور الحاج سالم وكأنها كشف طويل عن السفر للحج والعمرة، أحشاء البيت تبددت!! خرجت من جيوب الحارة نساء تكورت بطونهن سمنة، وفقدن كثيراً من رشاقتهن، ورجل نحيل أخذ يزاحم النساء، صوته يطن في الجدران، بيت القصاب تناتفته النساء السمينات أجزاء ، ظل خاوياً ومؤثراً كما لو كان ينتظر صاحبه الذي يضع مدينة محل القلب·

amarat_h@hotmail.com

اقرأ أيضا

«حين تُغني الأشجار».. مشروع فني أطلقه اللوفر أبوظبي