الاتحاد

ثقافة

صقلية درّة البحر المتوسط

أحد موانىء صقلية الحديثة

أحد موانىء صقلية الحديثة

يعد البحر الأبيض المتوسط، بحر الروم سابقاً، الوحيد الذي يتسع لعدد من الجزر الواسعة التي تشكل كل منها دولة قائمة بنفسها بما فيها من طبيعة خلابة وموارد زراعية مختلفة تغني أهلها بجمال منقطع النظير·
ومن تلك الجزر، جزيرة صقلية التي عرفت عصراً من النهضة الزاهية في عصور إسلامية خلت، حين كان المسلمون روّاد حضارة أغنت الدنيا بمنجزاتها على حين كانت أوروبا لا تزال تعيش عصور الظلام حيث يحرق الناس بالنار بتهمة الهرطقة والسحر بأدنى شبهة ولو لمن كان شعره أحمر على سبيل المثال لا الحصر، ولم يكن أبطال الغرب القوميون لينجوا بما كان لهم من سبق في مكافحة المحتل كما كان للفرنسية ''جان دارك'' التي كان لها الدور الرئيس في ''حرب المائة عام'' ضد إنكلترا، فكانت نهايتها حرقاً فوق حفنة من الحطب على يد مواطنيها بعد أن عجز الجيش الإنكليزي عن قهرها·

صقلية عهد جديد

صقلية هذه بمساحتها البالغة أكثر من 25 ألف كلم مربع، كانت مسرحاً لعهد جديد في التاسع من رمضان سنة 212 للهجرة النبوية مع أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس، إمام أهل المدينة، صاحب ''الأسدية'' في الفقه المالكي، قاضي القيروان، أسد بن الفرات، بعد أن كان لها موعد قبل ذلك في سنة 122 للهجرة مع ''حبيب بن أبي عبدة'' حفيد فاتح تونس، ''عقبة بن نافع''، ولكن الأخير اضطرته ثورة في تونس إلى الرجوع من غير إكمال مهمته الشاقة·
وهكذا، وعلى درب الفينيقيين قبله، رحل ''ابن الفرات''، وكان في السبعين من عمره، أميراً على رأس قوة بحرية من عشرة آلاف مقاتل وسبعمائة فارس في سبعين سفينة، بأمر من أمير تونس ''زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب'' لينزل حيث نزل أسلافه، ولكن هذه المرة من غير تراجع حيث اتخذ ''مدينة بالرم'' التي أسسها الفينيقيون باسم ''زيز''، موطئ قدم يصل من خلالها المدد البشري والمؤن وسائر احتياجات الجيش من مملكة الأغالبة في قيروان تونس·
وهكذا بدأ في صقلية التي ما بينها وبين إيطاليا مرمى حجر، عهد جديد مع الفاتحين الذين أعطوا أهل تلك البلاد دماً عربياً حاراً جدَّد الحياة في جزيرة لطالما كانت ولا تزال إلى يومنا هذا مجّرد ملحق بالدولة الإيطالية، التي لم تسلم عاصمتها روما من محاصرة الأغالبة بعد أن نزلوا في ''أوستيا'' على بعد بضعة كيلومترات غرب روما·

ازدهار ونهضة

كانت صقلية، إلى عهد قريب قبل دخول المسلمين إليها، تهتم بزراعة القمح والكرمة، أما القمح فللخبز وما أشبهه، وأما الكرمة فللخل والخمر، وكانت تعتمد في سائر ما تحتاج إليه على ما تستورده من جاراتها من الإمارات الإيطالية أو الإفريقية، وبدخول العرب دخلت معهم صنوف لم يعرفها أهل تلك البلاد حتى ذلك الحين كالليمون والقصب والأرز والنخيل والقطن حتى صار مؤلفون في الفلاحة كابن العوام الإشبيلي الذي اعتمدت كتبه لدى الإسبان وغيرهم من الأوروبيين، ينقلون عن الصقليين أساليبهم الخاصة بالزراعة فقيل ''طريقة صقلية في زراعة البصل''، و''عادة أهل صقلية في زراعة القطن''· وازدهرت الصناعة فكانت تحمل من صقلية إلى إيطاليا والأندلس ومنهما إلى سائر بلاد أوروبا والمغرب، بل إلى بلاد مصر والشام والحجاز، الجلود الأرجوانية، والحرير اللازوردي، والصوف، والكتان الذي كان يتباهى به الملوك والأمراء، ومنها حمل الرخام الذي بنيت به قصور الأندلس العجائبية·
ومن خلال الفتوحات الإسلامية انتقلت زراعة القطن وصناعته إلى صقلية منها إلى سائر أوروبا حيث شكل القطن أهم المواد الخام التي قامت عليها الثورة الصناعية فيها، والتي ما نشهده حاضراً من حضارة وتقدم إنما هو احد تداعياتها·

الإدريسي ·· رائد علم الجغرافيا

ومن أكثر ما شهر صقلية أنه تم وضع أول خريطة جغرافية سليمة للعالم في بلاطها على يد ''الشريف الإدريسي'' الذي وضعها وفق الأصول التي كانت معروفة في عصره، وصحّح للغـرب والأوروبيين مفاهيمهم عن العالم· وقد استخدم الأوروبيون مصوّراته وخرائطه في الكشوف التي كانوا يقومون بها إبان عصر النهضة وخلال رحلات الاستكشاف التي قاموا بها حول العالم·
وعندما أراد ''الإدريسي'' أن يحفظ تلك الخرائط من الضياع والتلف، نقشها على دائرة واسعة من الفضة وعليها صور الأقاليم السبعة وأقطارها وخلجانها وبحارها، ومواقع الأنهار وسائر المراسي المعروفة·
ومن مؤلفات الإدريسي أيضا كتاب ''نزهة المشتاق في اختراق الآفاق'' ضمّنه ما عرفه الأقدمون من معلومات جغرافية سليمة، وأضاف إليها ما اكتسبه هو وما رآه ورصده في رحلاته واختباراته، وقد ظلّ هذا الكتاب مرجعاً لعلماء أوروبا لما يزيد عن 300 سنة، وفيه أكثر من سبعين خريطة·

ثياب حضارية

لم يستمرّ العرب طويلاً في صقلية، إلا لنحو مائتي سنة، ليخلفهم فيها النورمنديون الذين هم كذلك ازدهرت في عصرهم الثقافة العربية ولا سيما أنها بقيت لغة البلاط حيث كانت تصدر الأوامر الإدارية باللغتين العربية واليونانية، ويحفظ لنا التاريخ أقدم وثيقة أوروبية مكتوبة على الورق باللغتين اليونانية والعربية ترجع لزوجة الملك روجر الأول للعام 1109 رومية·
ومن صقلية انتقلت فنون الحياكة حيث كان معمل الحياكة الذي أنشأه المسلمون في مدينة بالرم، العاصمة الإدارية لصقلية، يجهز العائلات الملكية في أوروبا بالملابس الرسمية وقد طرزت عليها الكتابات العربية·
ومن صقلية أيضا استمدَّ صناع المنسوجات الأوائل في إيطاليا معرفتهم الفنية ونماذج الرسوم التي كانوا يرسمونها، وبلغت تلك المنسوجات حدّ أن وجهاء الأوروبيين وأمراءهم لم يكونوا يحسبون أنفسهم حسان الهيئة والهندام ما لم تكن لديهم بين ثيابهم الرسمية بدلة شرقية على الأقل· وكانت النسوة لفترة طويلة حتى غير المسلمات منهن يتزيَّين بزيّ المسلمات كما حكاه الرحالة ابن جبير في مشاهداته عن بالرم، ولا تزال المتاحف الإيطالية ومنها متحف الفاتيكان، تحتفظ بعدد من المصنوعات العاجية كعلب للزينة مشغولة بعناية فائقة تمثل تلك الحقبة اللامعة من تاريخ صقلية التي انتقل إليها شعاع الحضارة من بلاد المسلمين على اثر دخول العرب تلك الجزيرة التي لم يكن أهلها يعرفون سوى زراعة الكرمة والحنطة، لتنتقل منها مؤلفات العرب والمسلمين وترجماتهم في علوم الطب والفلك والرياضيات وغيرها من مختلف العلوم إلى إيطاليا وسائر بلاد أوروبا، حيث يشهد المؤرخون أن الروح العلمية في البحث والتنقيب التي ميّزت بلاط صقلية هي التي أعطت شرارة الانطلاق لعصر النهضة الأوروبي، فحتى الشعر الإيطالي قد تم جرياً على عادة الشعراء والمغنين العرب، كما أن الملك فردريك قد أسس سنة 1224 رومية في بالرم مقلداً ''جامعة القيروان'' التي أسسها أغالبة تونس، أول جامعة أسست ببراءة خاصة في أوروبا قبل جامعتي أوكسفورد وباريس اللتين أسستا في القرن الرابع عشر·

خريطة الإدريسي

ومن أكثر ما شهر صقلية أنه تم وضع أول خريطة جغرافية سليمة للعالم في بلاطها على يد ''الشريف الإدريسي'' الذي وضعها وفق الأصول التي كانت معروفة في عصره، وصحّح للغـرب والأوروبيين مفاهيمهم عن العالم

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا