الاتحاد

تقارير

سلة غذاء العرب

تجدد في السودان الحديث مرة أخرى عن حلم عزيز، ساد وطغى على كل ما عداه قبل نصف قرن، إنه حلم أن يصبح السودان سلة غذاء العالم العربي، تجدد الحلم مرة أخرى أو قل تجدد الحديث عنه، لأن العالم يواجه الآن نقصاً حاداً في مستوى المخزون من القمح وارتفاع غير مسبوق في أسعاره، وفي هذا تقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، إن نحو 36 بلداً في العالم أغلبها من الدول النامية في العالم الثالث، تواجه الآن أزمات غذائية·
إن الأسباب التي رشحت السودان ليكون سلة غذاء العالم العربي في السابق، ما زالــت ماثلة وعلى رأسها وجود ما يزيد على عشرين مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة إضافة إلى توفر الميــاه (النيل بكــل فروعه والنهيرات التابعــة لــه) وزد على ذلك توفر نسبة معقولة عموماً وفوق الوسط في بعض المناطق من مياه الأمطار، إن الحكمة التي أطلقها بعضهم في منتصف القرن الماضي تقول: إن السودان مؤهل لذلك الغرض على أساس: توفر الأراضي والمياه، والخبرة الزراعية يمكن أن تأتي من مصر إذا كان لا بد منها، وتوفر رأس المال ومصدره البلدان العربية النفطية·
ومهما تكن الحماسة لهذا الحلم، فإن الواقع يقول إن تحقيقه ليس بالأمر السهــل في المستقبل المنظــور، وللدلالــة على ذلــك تقول الحقائق، إن السودان نفسه لم يستطع حتى الآن أن يحقق اكتفــاء ذاتياً في القمــح، وهو أهم الحبوب، وإنــه يستــورد أكثر من 40 بالمائة، من حاجتــه من هــذه المادة مما يشكــل عبئــاً ثقيلاً على ميزانيته، وما يقال عن الســودان ينطبق كذلــك على مصر التي تعتمد كثيراً على استيراد القمح من الولايات المتحدة واستراليا وكنــدا وغيرها، وهناك مفارقــات في العالم العربي لافتة للنظر، ففي بلد مثل اليمن لا ينتج من القمح إلاّ ما يساوي 5 بالمائة فقط من المطلوب للاستهلاك، في حين أن (القات) -مادة مخدرة وضارة- تزرع في مساحات أوسع وأكبر من تلك المخصصة للقمح·
وكنتيجة طبيعية لانخفاض إنتاج القمح في العالم، فإن أسعاره بدأت في الارتفاع من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ويقدر الخبراء إن اتفاق البلدان التي تسمى بلدان العجز الغذائي (ومنها المجموعة العربية) على وارداتها من الحبوب، وأولها القمح سترتفع بنسبة قد تزيد على 14 بالمائة مما كان عليه الحال قبل عام ·2007 إن الموقف العام يدعو للقلق، وهذا هو بالضبط ما أعلنته منظمة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، بقولها إن مخزون القمح العالمي بدأ في التراجع بصورة واضحة، وقدرت (الفاو) أن المخزون من القمح سيصل إلى نحو 140 مليون طن، وهو الحد الأدنى لذلك المخزون منذ 25 عاماً·
أما ما هي أسباب تدني إنتاج القمح وغيره من الحبوب هذا العام، فإن أهمها الأحوال الجوية غير المواتية في بعض البلدان المنتجة، وبعض تلك الأجواء تسبب في إتلاف كميات من المحصول، ثم إن الطلب على القمح قد تزايد كثيراً خصوصاً من بلدان يسكنها أكثر من مليار شخص مثل الهند، ولكن على صعيد آخر، فإن هناك مساعي حقيقية لزيادة الرقعة المزروعة قمحاً في النصف الشمالي من الكرة الأرضية خلال الموسم الشتوي الحالي، مما يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأحوال·
ومهما يكــن من أمر، فإن الســودان سيبقى مرشحاً ليكون سلة غذاء العالم العربي -ينفق نحــو 20 مليار دولار لاستيراد مواد غذائية- ولكن تبقى الحقيقة المهمة وهي أن تتوفر الرغبة الجادة عند الجميع وأن توضع السياسات الملزمة ليصبح ذلك الحلم واقعــاً·

محجوب عثمان

اقرأ أيضا