الاتحاد

الملحق الثقافي

اختراق الوهم بالوهم

الممثلة سوزان براون في مسرحية «الكراسي»

الممثلة سوزان براون في مسرحية «الكراسي»

“...أما الآن وقد ارتبك العالم واهتزت معالمه وأركانه وشاهت قسماته، وجفت معانيه من كل مضمون، وتدهورت قيمه وشاخت آماله في حضيض من الخواء والعدم، فليس يحق للمسرح وهو المعبر الأمين عن الواقع الراهن والشاهد العدل على حضوره العياني ومفاهيم تقنية خاصة يكون منطقيا حيث لا منطق، ولا معنى حيث لا دلالة ولا معنى”.
تلك كلمات قالها يوما الكاتب المسرحي الطليعي اوجين يونسكو معبرا عن رفضه لتقاليد المسرح الواقعي. ولد يونسكو في رومانيا العام 1912، من أم فرنسية. انتقل والداه للمعيشة في باريس فكانت الفرنسية لغته الأولى، وبعد انتهائه من دراسته عمل مدرسا للغة الفرنسية في مدرسة (الليسيه) ببوخارست، واشتغل بالنقد والأدب، وتزوج في العام 1936.



بعد الحرب العالمية الثانية انتقل إلى مارسيليا، ثم عاد ثانية إلى باريس ليبدأ نشاطه المسرحي المكثف حتى نال شهرة عالمية واسعة لقب على إثرها بـ (رائد المسرح الطليعي ـ العبثي)، ولهذا النوع من المسرح الذي يقوم على هدم جدار المسرح التقليدي (الكلاسيكي) أسس درامية ومفاهيم تقنية خاصة نستعرض بعضا منها بإيجاز شديد في إطار إيقاع مسرح يونسكو.

لغة يونسكو
اللغة في مسرح يونسكو تهدف إلى نقل المفاهيم المنطقية الموضوعية إلى المتفرجين، كما تهدف إلى إبراز سمات الشخصية الدرامية الإنسانية. فقد أيقن هذا الكاتب أن الشخصية في المسرح لم تعد سلسلة متصلة الحلقات وتقوم على التتابع الواعي، وان الحدث المسرحي فقد منابع انبثاقه ومنطقية تطوره وحتمية وصوله إلى نقطتي (التنوير والحل). وبهذا النسق يرى أن اللغة لم تعد وسيطا أمينا لنقل أي شيء على الإطلاق، وإنما أصبحت شاهدا من شواهد العبث على وجود قائم. لقد جعل يونسكو في مسرحيته “المغنية الصلعاء” مجرد مرتكزات خاوية من المعنى، تستفز مشاعر الجمهور وفكره.. ذات مركز حيادي ودليل على جدب الروح لاستحالة التفاهم من خلالها مع الآخرين. وقد سرت مثل هذه المفاهيم على جملة من مسرحياته: “الخرتيت” و”الكراسي” و”الدرس” و”لعبة النهاية”.

الضحك والإضحاك
عنصر الإضحاك في مسرحيات يونسكو غالبا ما يكون مجرد مرحلة في البناء الدرامي بل وحتى وسيلة لبناء النص الدرامي، وهو يتحول شيئا فشيئا إلى أداة الموازنة (العنصر المأساوي) وهذا جلي في مسرحية “الدرس” وفي خاتمتها على الخصوص حين تم انتحار بطليها الوحيدين. وهنا الشخصيات تبدأ من مرحلة (الكوميك) لتنتقل إلى مرحلة (التراجيك) في لحظة ما، ومن ثم تنتهي حالة الشخصية المسرحية في إيقاع الكوميك أو التراجيكوميك ويقصد بذلك اصطلاحا التراجيكوميديا التي تجمع بين المأساة والملهاة وربما تحمل في طياتها نهايتين دراميتين.

الأحلام واللاشعور
الحلم عملية معرفة كالتفكير تماما، وهو أيضا نشاط للروح يجلو أعماقها ولهذا مثلا نجد البطل في مسرحية يونسكو “ضحايا الواجب” يلجأ إلى الحلم ليستجلي حقيقة خافية يهتدي من خلالها إلى ما لا يمكن الاهتداء إليه في حالة اليقظة. ولذلك فان يونسكو يعتبر ان الجهد المبذول لنقل الواقع إلى المسرح نقلا حرفيا هو مضيعة وهدر للوقت وأيضا خداع مقصود للمتفرج إذ يحمله على أن يتوهم أن ما من حقيقة إلا الواقع، بينما أن الحقيقة المتخيلة أكثر عمقا من الواقع. فالواقعة تجعل الحقيقة تنكمش وتتضاءل ويعتورها التصور المزيف، فهي تنظر إلى الإنسان من خلال نظرة منقوصة، بينما يكمن الكثير من الحقيقة في أحلامنا وخيالاتنا.

السخرية من المعقول
مسرحية يونسكو “اميديه” أو “كما يكون الخلاص” في ترجمات عربية أخرى، ثمة جثة تنمو وتتضخم في بيت صغير يعيش فيه زوجان ينكمشان إزاء تمدد الجثة كل لحظة.. وتركيبة مثل هذا المشهد في نظر يونسكو تشي بتصور مضاد لما هو مألوف، لكنه تصور حافل بشحنة هائلة من الخيالات المضطربة والافتراضات والتهكم والسخرية.. هنا موقف فلسفي من الوجود، قوامه الارتداد عن الاعتقاد المطلق في موضوعية الحقائق الخارجية ومن ثم الإيمان بحقيقة أوسع تسلم بالواقع وما يعبر عنه. “واللامعقول هو نهاية المطاف والحياة لا معقولة، الموت لا معقول، هذا اللامعقول يبدو غريبا مثيرا للدهشة.. يجب أن نقاوم حتى هذا اللامعقول الذي يحيط بنا”.. هذه كلمات انطقها يونسكو لـ (برانجيه) بطل مسرحيته “الخرتيت” رافضا من خلاله كل ما يحيط بنا من واقع يطرح الكثير من التساؤلات التي لا تنتهي؟
حينما شهد قليل من المتفرجين في سنة 1950 ممن تجمعوا في بعض مسارح باريس التجريبية الصغيرة روايتي: “المغنية الصلعاء” و”الدرس”.. كان أثر هذين العملين الفنيين عليهم قويا عميقا مؤثرا، ومنذ تلك اللحظة أحسوا إحساسا ـ صدق في ما بعد ـ إنهم كانوا أمام مؤلف مسرحي يعتبر وريثا للعباقرة الذين سبقوه: فيتراك وجاري ابولينير وشتاين وغيرهم.. نعم لقد شعر هؤلاء المتفرجون أن هذا الكاتب الجديد مهما كانت نقطة البدء التي انطلق منها ومهم كان من سبقوه فنان ذو شخصية قوية طاغية.

دراسة اللغات
حياة يونسكو ككاتب مسرحي غريبة جدا، فإنه حتى سنة 1948 لم تكن لدية أية فكرة عن كونه سيصبح من كتاب الدراما المسرحية، فقد كان كل اهتمامه موجها لتعلم اللغة الإنجليزية، وبدأ فعلا دراستها. وبالتدريج فقد توفر له وعي بأن الجمل والمحاورات القصيرة التي تستخدم في دروس اللغات كأمثلة وشواهد قد نصبت نفسها حقائق ثابتة تصاغ في قوالب ثابتة، وأنها في حد ذاتها تعتبر مسرحا ممتازا. ومن هنا جاءت أولى مسرحياته “المغنية الصلعاء” وكتبها سنة 1942 وهي التي كان يريد أن يضع لها في البدء عنوانا آخر هو: “اللغة الإنجليزية بغير مجهود” أو “درس الإنجليزية” وفي هذه الرواية نرى شخصياتها تسلك سلوكا آليا، كما نرى أن حوارها صيغ في قوالب أو (كليشهات) ولا نرى في المسرحية حركة أو حبكة واضحة، فمسرح يونسكو بصفة عامة ليس في حاجة أصلا إلى أي حبكة، فهو مسرح في الغالب أشبه بحلقة مفرغة ينتهي إلى حيث بدأ؟
لقد كان الرجل يسعى إلى التحرر من مصطلحات المسرح التقليدي وقواعده، ومن هنا عاد إلى تلك الحلول القديمة التي كانت مستخدمة في بداية حياة المسرح. نعني ما كان لدية من إمكانيات ميثيولوجية وإيمائية، كان باختصار يريد أن يحرر اللغة وان يستبدل الحركة (الطبيعية) أو (اللفتة) في المسرح بالتهريج الذي يشبه ما يقوم به ممثلو السيرك عادة.. كان يريد أن يواجه كل عقبة ويقتحم كل صعب لكي يخرج مما كان قد وصل إليه من جمود وتحجر.

الاتجاهات المسرحية
كان يونسكو يتخذ مثله الأعلى وقدرته من ريمون كينو الذي كان قد غاص إلى صميم مسرح العبث من خلال اللغة في كتابه “تمارين على الأسلوب” ولكن خطواته الأخيرة على المسرح كانت أكثر قوة وإدهاشا حيث قدر لمسرحياته المزيد من الشيوع والرواج وذلك بعد الروايات التي كتبها والتي كانت تصطبغ بما يمكن أن يطلق عليه اصطلاحا (الفكاهة السوداء) أو (الضحك المرير) وهي التي كان ينظر من خلالها إلى العالم وهو في عزلته الهادئة المتقطعة من المجتمع.
الذي يتأمل مسرح يونسكو يجد انه ليس فيه شيء يحدث، كل ما فيه جمل عادية وأحيانا مبتذلة خاوية، مؤلفة من قوالب معادة أو شعارات لا يزال يرددها على نحو يثير الأعصاب، وشخصيات الرواية تعرض علينا ألغازا ولكنها تبدو غير مهتمة بإيجاد حلول لها. بل انه يبدو كما لو كانت لا تريد أن تقول لنا شيئا على الإطلاق.
تعتبر مسرحية “الكراسي” واحدة من الروائع التي كتبها يونسكو، بل ربما تكون أحسن مسرحياته على الإطلاق، تقع المسرحية في فصل واحد طويل، ونرى فيها رجلا وامرأة عجوزين يدخلان لكي يملأا قاعة في بيتهما بالكراسي المرصوصة، ويفترض أن يجلس عليها عدد من الشخصيات الوهمية من أجل الاستماع إلى محاضرة وهمية أيضا، أما المحاضرة فمتعلقة بالقوة الرهيبة للسلبية العقلية وخواء الحياة بعد الستين. مع تواصل الحوار بين الزوجين العجوزين نكتشف أن لا أحد يأتي وانه ليس هناك من محاضرة ولم تحدث الحركة والضجيج الذي كانا يتمنيانه في بيتهما الغارق في الصمت والركود.. ساعتها يدركان أن الحياة خاوية وأن لا أصدقاء لهما.. فيقذفان بنفسيهما في البحر.

اقرأ أيضا