الاتحاد

الملحق الثقافي

بداية ارتفاع أسعار النفط

أعود بين وقت وآخر إلى ما سجلته على الورق في محاولتي لتأريخ المسيرة البترولية التي واكبتها من خلال عملي الإعلامي في أبوظبي من بداية عام 1971. في ذلك العام كان الإنتاج البترولي مقتصرا على شركتين اثنتين، شركة نفط أبوظبي البحرية أدما، وتنتج من الحقول البحرية (زاكم، وأم الشيف) وشركة نفط أبوظبي المحدودة (ADPC) وتنتج من الحقول البرية.
كان إنتاج أبوظبي لا يزيد كثيرا على نصف مليون برميل يوميا، أما السعر فكان أقل من دولارين، لا يعود على الإمارة إلا أقل من دولار واحد للبرميل، وأقل ما يمكن أن يقال عن هذا السعر إنه مجحف فعلا.


منذ تسلم المغفور له الشيخ زايد لمقاليد الحكم في الإمارة عام 1966 بدأت المسيرة البترولية التي حدد لها أهدافها كما يلي:
أولا: زيادة أسعار البترول.
ثانيا: زيادة الطاقة الإنتاجية.
ثالثا: استغلال العائدات النفطية في بناء اقتصاد قوي لا يعتمد على ثروة النفط وحدها بل فتح المجال أمام مجالات أخرى تكون مصادر أخرى للدخل ولا تعتمد على الصناعة البترولية.
ولكن العمل على زيادة أسعار البترول لا يمكن أن ينجح بالاعتماد على جهود الدولة وحدها بل لابد من تضافر جهود جميع الدول المنتجة للبترول والمعتمدة عليه اعتمادا رئيسيا في اقتصادها.
وهذا ما جعل أبوظبي تتجه إلى منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك وتنضم إليها وتعمل معها ومن خلالها على رفع أسعار بترولها المرتبطة بطبيعة الحال بأسعار البترول العالمية.
المهمة الأولى التي ألقاها المغفور له الشيخ زايد على الرجل الذي اختاره ليتولى مسؤولية الصناعة البترولية في أبوظبي وهو الدكتور مانع سعيد العتيبة كانت طرح موضوع الأسعار على الشركتين الرئيسيتين المنتجتين في الإمارة.
وإذا كان لا يمكن أن ترفع الشركتان الأسعار دون أن يتفق جميع المنتجين على الأسعار الجديدة بحكم أنها عالمية، إلا أن نفط أبوظبي يستحق من الشركتين النظر إليه من حيث الجودة، فهو بترول خفيف، تصل درجة كثافته إلى حوالي 40 درجة (API) بينما البترول القياسي الذي يباع بالسعر العالمي الموحد لا تزيد كثافته على 34 درجة (API).
إذن فكل درجة تزيد عن ذلك البترول القياسي ينبغي أن تعطى سعرا إضافيا، وهو أمر معروف في السوق البترولية والشركتان تقومان بالاستفادة من هذه الجودة العالية وتبيع بالسعر الأعلى دون أن تحصل أبوظبي على أي نسبة من هذه القيمة الإضافية لبترولها.
وما زلت أذكر تلك النقاشات الحادة والتي كانت تصل أحيانا إلى حد قريب من الانفجار بين الدكتور مانع ومديري الشركتين، وقد أقرّت الشركتان فيما بعد بأحقية أبوظبي بأخذ علاوة على بترولها الخفيف.
الموضوع الذي كان هاجس الإدارة الوطنية للنفط في أبوظبي كان زيادة العائدات، فإن لم يكن التحكم بالأسعار العالمية ممكنا فإن زيادة العائدات يمكن أن يتم من خلال أمرين.
الأول: الاستفادة من جودة البترول الخام لأبوظبي والذي أصرت الإدارة الوطنية على حقها وحصلت عليه بعد جهاد طويل.
والثاني: الحصول على نسبة عادلة من العائدات التي تحصل عليها الشركات من خلال بيع بترولها المنتج من الإمارة، وذلك بزيادة نسبة ضريبة الدخل والتي كانت 50% فقط.
أنقل عما سجلته في ذلك العام في مذكراتي ما يلي:
بالنظر إلى الزيادات المتعددة التي حصلت في أسعار المنتجات البترولية في البلدان المستهلكة وكذلك في أسعار السلع المصنعة، اتخذ المؤتمر الحادي والعشرون للأوبك الذي عقد في كاراكاس في نهاية عام 1970 باعتبار نسبة الـ55%، هي الحد الأدنى للضريبة على الدخل الصافي لشركات البترول العاملة في الأقطار الأعضاء، كما قرر رفع جميع الأسعار المعلنة بنسبة متساوية في كافة الأقطار الأعضاء مع مراعاة الفروق في الوزن النوعي.
كما أقر المؤتمر أن تقوم كافة الأقطار الأعضاء بمفاوضة شركات البترول المعنية لتحقيق ما سبق ذكره وتشكلت لجنة من ممثلين عن العراق والسعودية وإيران للتفاوض مع الشركات نيابة عن دولها ودول أبوظبي والكويت وقطر خلال فترة 31 يوما.
وبتاريخ 12 يناير 1971 بدأت المفاوضات في طهران بين اللجنة المذكورة ووفد يمثل الشركات العاملة في الأقطار الستة المذكورة سابقا أبوظبي، إيران، العراق، السعودية، الكويت، قطر ولم توافق الشركات على المطلوب.
وفي الثالث من فبراير 1971 عقدت الأوبك مؤتمرا استثنائيا في طهران هو المؤتمر الثاني والعشرون وقرر أن يتخذ كل بلد مصدر للنفط الإجراءات القانونية في 15 فبراير 1971 لإلزام الشركات بقرارات أوبك وإذا لم تنفذ ذلك خلال سبعة أيام فستتخذ الإجراءات المناسبة بما في ذلك الحظر التام على شحنات الشركات من البترول الخام.
وبعد إعلان القرار السابق وافقت الشركات على استئناف المفاوضات وأبدت استعدادها لقبول مطالب أوبك.
وبالفعل استؤنفت المفاوضات في طهران حتى الرابع عشر من فبراير 1971 وتم الاتفاق والتوقيع عليه على أن يكون التنفيذ من 15/2/1971 وحتى نهاية عام 1975.
تضمنت الاتفاقية:
1 ـ زيادة الحد الأدنى لضريبة الدخل من 50% إلى 55% وكانت الإدارة الوطنية للنفط في أبوظبي قد تمكنت من تحقيق هذه الزيادة في بداية عام 1971 وبأثر رجعي يبدأ في 14/11/1970
2 ـ زيادة الأسعار المعلنة بالنسبة للنفط المصدر من أقطار الخليج الستة بمقدار 33 سنتا للبرميل الواحد اعتبارا من 15/2/1971 مع زيادتها بمقدار سنتين (2 سنت) لتغطية التباين الناتج عن أجور الشحن.
3 ـ زيادة الأسعار المعلنة بتاريخ 1/6/1971 بنسبة 2.5 % وترفع بنفس النسبة من بداية كل سنة من السنوات الأربع المقبلة وذلك للتعويض عن الانخفاض في القيمة الشرائية للعملات.
4 ـ زيادة الأسعار المعلنة بتاريخ 1/6/1971 بمقدار خمسة سنتات للبرميل الواحد وترفع بنفس المقدار في بداية كل سنة من السنوات الأربع المقبلة وذلك لمسايرة الشحن السنوي في أسعار المنتجات البترولية في العالم.
5 ـ إلغاء العمولة التي كانت تتقاضاها الشركات عن نفقات التسويق والبالغة نصف سنت للبرميل الواحد والعلاوات الأخرى.
اتفاقية طهران هذه كانت منعطفا مهما في المسيرة البترولية لدول الأوبك، وقد انعكست بشعور كبير بالانتصار بالنسبة لنا في أبوظبي.
وقد كان معالي الدكتور مانع العتيبة مشاركا في ذلك المؤتمر الذي توصل إلى تلك الاتفاقية المهمة، وقد سجلت له تصريحه بعد مغادرته طهران في الخامس عشر من فبراير 1971 والذي قال فيه: “إن هذه الاتفاقية تعتبر مكسبا ماديا ومعنويا لأقطار الخليج كلها، وقدر الزيادة التي ستحصل عليها أبوظبي خلال عام 1971 نتيجة لهذا الاتفاق بأكثر من أربعين مليون جنيه استرليني”.
قد يبدو هذا المبلغ الآن متواضعا ولكنه في ذلك الزمن كان يعتبر مبلغا ضخما وعائدا إضافيا كبيرا.
في التاسع من يناير 1971 أدلى معالي الدكتور مانع العتيبة لمندوب إذاعة تلفزيون أبوظبي بتصريح أعلن فيه أن “شركات البترول المنتجة العاملة في أبوظبي وافقت على زيادة نسبة ضريبة الدخل من 50 % إلى 55 % بأثر رجعي اعتبارا من 04/11/1970، وأن المغفور له الشيخ زايد وافق على ذلك وأن دائرة البترول والمعادن والصناعة تعمل على تعديل المرسوم الخاص بضريبة الدخل لاستيعاب هذه الزيادة”. وبهذه الزيادة في نسبة الضريبة على الدخل أصبحت أبوظبي ثالث دولة في الخليج تحقق هذه الزيادة بعد إيران والكويت.
وفي الخامس من فبراير 1971، وقع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المرسوم المتضمن لهذه الزيادة. ذلك المرسوم من وجهة نظري يعتبر البداية الحقيقية لسيطرة الإدارة الوطنية في أبوظبي على الصناعة البترولية وعلى ثروتها من النفط والغاز.
وحول هذه الزيادات في العائدات تركزت كلمة معالي راشد عبد الله النعيمي في حفل الوداع الذي أقامته الدائرة بعد صدور مرسوم انتقاله من دائرة البترول إلى دائرة الإعلام، وكانت تلك الكلمة من ضمن المحفزات التي شجعتني على اختيار النفط موضوعا ورسالة وقضية أتابع فصولها وأواكب خطوات الإدارة الوطنية لأبوظبي على طريقها.

اقرأ أيضا