الملحق الثقافي

الاتحاد

الحياة بأقل الشروط الممكنة

ملصق الفيلم «كتاب إيلاي»

ملصق الفيلم «كتاب إيلاي»

في أرض الغبار والملح والسماء العارية، يتمدد رجل وسط غابة جرداء ومحروقة، الرجل يبدو ميتا منذ زمن طويل، تأتي قطة هزيلة وجائعة كي تنهش جسد الرجل، ولكن ثمة شخصاً غامضاً يرتدي قناعا للتنفس ويرقب المشهد من بعيد كي يسدد سهمه بدقة نحو القطة ويظفر بلحمها في مناخ لا يتوفر على أدنى مساحة للرحمة.
يتوجه القنّاص المقنّع نحو منزل مدمر ومهجور، ويفاجأ بصاحب المنزل وهو متدل من السقف، في صياغة انتحارية لمشهد مغلق وسوداوي، ودون مبالاة يخلع القنّاص قناعه، ويستبدل حذاءه المهترئ بحذاء المنتحر، ثم يتهيأ لحفلة شواء صامتة، بينما قنينة المياه التي يحملها تكاد توشك على النفاد.


هكذا يفتح المشهد الأول من فيلم “كتاب إيلاي” أولى صفحاته القاتمة أمام المتفرج، وكأنه في مواجهة مباشرة مع قصيدة “فصل من الجحيم” للشاعر الفرنسي رامبو، أو مع الصفحات النارية الملتهبة في كتاب الكوميديا الإلهية لدانتي، ثمة ما يذكرنا أيضا في هذا المشهد التأسيسي بلوحات المدرسة الفنية التي أطلق عليها مصطلح: “فن الأباطيل” الذي ظهر في الغرب مع انتشار الأوبئة والحروب والذي صوّر الفنانون من خلاله الأشكال المروعة للموت والجماجم البشرية وطوفان الأذى والرعب الذي اجتاح العالم القديم.
ولكن بدلا من استدعاء فيلم: “كتاب إيلاي” لهذا العالم القديم فإنه يقفز مباشرة نحو المستقبل أو (درب الآلام) ودون وعود مبشرة بالرفاهية أو التطور، كما هو حال الأفلام المستقبلية التي تتفنن في ابتكار وتخيل النمط التكنولوجي المتقدم لعوالم الغد.
فيلم “كتاب إيلاي” من إخراج الأخوين إلبرت وآلان هيوز ومن بطولة دنزل واشنطن وغاري أولدمان وميلا كونيز وجنيفر بيلز، وهو فيلم يدخل في سياق الأفلام الكارثية التي تعالج فكرة نهاية العالم، وتكمل سلسلة الأفلام التي راجت واستحوذت على شاشات السينما العالمية مؤخرا، ولكن بأطروحات وأفكار وتعابير متمايزة رغم تداخل الأنماط المشهدية والاستعارات الفنية التي تصور الأهوال والدمارات التي تعقب الحرب الكونية الثالثة أو القيامة الأرضية أو حتى العقاب الإلهي من خلال الكوارث الطبيعية النابعة من الأرض أو القادمة من الفضاء المجهول والمتوحش.
نتذكر هنا فيلم (الطريق) للمخرج جون هيلكوت الذي عرض أواخر العام الماضي ويحكي قصة أب وابنه يقاومان من أجل الصمود في منطقة عصية على العيش، وخالية تقريبا من مظاهر الحياة بعد حدوث كارثة غامضة أدت لتدمير الحضارة الإنسانية على كوكب الأرض، بينما يقدم المخرج رولاند إيميريش في فيلم 2012 ما يمكن أن نسميه الترجمة البصرية لتنبؤات حضارة المايا حول المصير الختامي البشع للعالم، والفيلم رغم ازدحامه بالاستعراض التقني إلا أنه خلق جدلا ونقاشا علميا ودينيا واسعا حول منبع ودلالة هذه التنبؤات، الفيلم الثالث الذي دخل في سباق الرؤية المستقبلية للكارثة حمل عنوان: “خلاص المبيد” الذي جاء في سلسلة من الأجزاء المتلاحقة التي استهلها مخرج أفاتار وتايتانيك جيمس كاميرون بفيلم “المبيد 1” أو “تيرمناتور” الذي يصور شكل المستقبل على الأرض من خلال هيمنة الآلة الذكية وسيطرتها على الإنسان بعد أن يتطرف العلماء في اختراعاتهم ويهبون الآلات الميكانيكية الحرية الكاملة والقدرة على التصرف الذاتي البعيد عن تدخل البشر.

الأمانة السماوية
وعودة لفيلم “كتاب إيلاي” الذي يحمل في مضمونه السردي ولغته التعبيرية نمطا خاصا ومستقلا مقارنة بالأفلام الثلاثة السابقة، حيث استطاع الأخوان هيوز واستنادا على سيناريو يجمع بين الدكانة والحس الروحاني في بناء معمار محطم وضبابي وصدئ لشكل الحياة والمجتمع البشري بعد الاختلال البيئي واقتراب الشمس من كوكب الأرض، حيث تؤدي الحرب الأخيرة والنهائية إلى إبادة كل أشكال النضارة والجمال والنسق الطبيعي والإيكولوجي، بينما ظلت الكائنات الحيوانية والنباتية والبشرية القليلة والمقاومة محصورة في نطاق ضيق تملؤه الفوضى والهمجية وقوانين الغاب وهيمنة القوي والشرس على الموارد النادرة من طعام ومياه.
يرتكز الفيلم في بنيته العامة واستعاراته البصرية المتشظية على شخصية (إيلاي) ـ دينزل واشنطن ـ الذي يتجول في القارة الأميركية منذ ثلاثين عاما مع بدء الكارثة الكونية التي صنعتها الحرب الأخيرة ومتوالياتها من الجشع الإنساني المتطرف، يرتدي إيلاي نظارته الداكنة التي تحميه من الانعكاسات الخطرة للشمس، ويحمل عدته من الأسلحة البدائية وزاده القليل كي يصل إلى الساحل الغربي لأميركا ويسلم العهدة التي يحتفظ بها للأجيال القادمة من أجل ضمان استمرارية الحياة أو إعادة بنائها من جديد، تتمثل هذه العهدة أو الأمانة السماوية في النسخة الوحيدة والمتبقية من إنجيل الملك جيمس والذي يشعر إيلاي من خلال حدس خفي بأنه مكلف بتحريرها من الصمت والنسيان وتحويل التعاليم التي تتضمنها إلى تعاليم هادية ومرشدة للإيمان المنسي والمغيب عن الجميع.
وأثناء تجواله في عالم متوحش وشديد القسوة يبدأ إيلاي في مجابهة عقبات كثيرة تعترض طريقه، تبدأ أولى هذه العقبات مع اعتراض عصابة من راكبي الدرجات النارية له ومحاولتها الاستيلاء على ممتلكاته الشخصية ولكن إيلاي الذي يمتلك قدرات قتالية عالية يتخلص من العصابة في معركة سريعة رغم شراستها ودمويتها، أما المحطة التالية فتأتي مليئة بالأحداث والشخصيات التي نكتشف من خلالها الخيوط المتصاعدة لقصة الفيلم ففي مدينة هي أقرب لأطلال أو طيف مدينة سابقة يدخل إيلاي إلى الحانة ـ أو ما تبقى منها ـ كي يطفئ عطشه، لكنه يفاجأ بعصابة أخرى تحاول التحرش به ومرة أخرى تسعفه الفنون القتالية التي يختزنها في تخليصه من هذا المأزق والتغلب على كافة عناصر العصابة، هذه القدرات الخارقة لإيلاي تثير إعجاب حاكم المدينة كارنيجي ـ غاري أولدمان ـ الذي يعرض على إيلاي الانضمام إلى حرسه الشخصي، ورغم رفض إيلاي للعرض إلا أن كارنيجي يستضيفه ويمنحه الفرصة للتفكير حتى الغد.

كتاب الخلاص
تتكشف النوايا الغامضة لكارنيجي عندما نتعرف على شخصيته الحقيقية المسكونة بالشر والعنف (وغاري أولدمان هو أفضل من يتقمص هذه النوازع الداخلية الشرسة عندما نتذكر أدواره في أفلام مثل “دراكولا”، و”ليون المحترف” مع الممثل الفرنسي جان رينو)، ففي منزل كارنيجي نراه وهو يمارس أبشع طقوس الاستغلال مع خليلته العمياء كلوديا، ومع ابنتها سولارا ـ لاحظ ارتباط اسمها بالشمس ـ والتي يجبرها كارنيجي على إغراء إيلاي ومعرفة سره من أجل استقطابه وإبقائه في المدينة، تبوء الخطة بالفشل بسبب الزهد الذي يبديه إيلاي تجاه المتع الدنيوية وتكشف سولارا بالمقابل عن جانبها الإنساني البريء وضعفها الكبير أيضا أمام وسائل التعذيب التي يمارسها كارنيجي عليها وعلى والدتها، يتلو إيلاي أمام سولارا صلاة الشكر ثم يقرأ آيات من الكتاب المقدس الذي يخبئه في ملابسه، وعندما يعرف كارنيجي بأمر الكتاب السري يتحول هوس الحصول عليه إلى مطلب حثيث وملحّ من أجل استمالة العواطف والسيطرة على من تبقى من سكان الأرض، وفي رحلة مطاردة عنيفة ودموية يظفر كارنيجي بالكتاب، بينما يهرب إيلاي المصاب ومعه سولارا المنهكة باتجاه الساحل الغربي وهناك وعلى جزيرة الكاتراز تحديدا يعثران على أولى مظاهر النهضة الإنسانية الجديدة لكوكب الأرض، حيث المجتمع النظيف والمتآلف والمقبل على إعادة اختراع المطبعة، يملي إيلاي على حاكم الجزيرة المثقف ما حفظه من الكتاب المقدس، بينما يفشل كارنيجي في فك رموز صيده الثمين لأنه مكتوب بطريقة برايل المخصصة للعميان، فهل كان إيلاي وطوال الفيلم هو الأعمى المستنير الذي لم يكتشفه أحد ؟، وهل كان هذا المقاتل الشرس والكائن الروحاني مجرد رمز للخلاص وهزيمة الجهل والعبودية والعماء الديني، قد تكون الإجابة على هذه الأسئلة مفتوحة على كافة الاحتمالات، ولكنها تشير وبقوة إلى هشاشة الإنسان أمام الحطام الكوني المحتمل، كما تشير هذه الأسئلة إلى أن الطاقة الداخلية الصافية والمستنيرة للبشر هي سفينة نجاتهم من الأمواج السوداء والمتلاطمة للمستقبل، خصوصا وأن نهاية الفيلم تتضمن مشهدا لرف من الكتب نجد من بينها وفي لقطة مقربة القرآن الكريم وهو يتوسط الإنجيل والتوراة.
مشهد ختامي يبدو مفعما بالظلال واللبس والتخمين ولكنه يشعّ أيضا بالكثير من الدلالات الروحية والمعالجات الدينية لفكرة نهاية العالم

اقرأ أيضا