الملحق الثقافي

الاتحاد

الصورة الإعلانية.. ترويض البصر أو تزييفه

أين هذه المرأة من الصورة النمطية التي تروجها الصور الإعلانية عن المرأة

أين هذه المرأة من الصورة النمطية التي تروجها الصور الإعلانية عن المرأة

أينما يممت وجهك تراها، في الشارع، في مركز التسوق، في المطعم، في النادي، في الحافلة، في البيت، بل حتى في غرفة النوم... أينما كنت تلاحقك الصورة: إعلاناً يأتي عبر شاشات تحيط بك، وتُصَبُّ عليك من كل حدب وصوب. تجلس أمام التلفاز فتطلع لك من غير إذن ولا “دستور”.. تفتح كمبيوترك فإذا هي في كل موقع.. تغلق التلفاز والكمبيوتر لتهرب منها فتكون “كالمستجير من الرمضاء بالنار” لأنها ستنتظرك على شاشة هاتفك النقال. وهكذا، تعيش حالة من الحصار الماكر لا فكاك منه.


هذه السطوة اللامحدودة للصورة ليست جديدة، لكنها باتت في ظل التقدم السريع في عالم الاتصال وأدواته متفشية بشكل يفوق الاحتمال. وزاد طينها بلة تواتر الشاشات التي تكرم بها علينا التقدم العلمي، فتلقفناها بسرعة الصاروخ وتآلفنا معها بسرعة عجيبة، وقدمنا لها فروض الطاعة الولاء وتركناها تصوغ حياتنا وتدخلنا في لعبة التنميط والقولبة والنمذجة (وضَعْ ما شئت من المرادفات والمشابهات فكلها تصح)، وتمارس دسائسها الخفية في عقولنا وقلوبنا و... أبصارنا.

شاشة عالمية
العالم، إذن، شاشة عرض كبيرة تعرض كل شيء بلا رقيب ولا حسيب، ويخيل إليَّ أن كل ما ينقص المشهد هو المنادي التقليدي الذي نراه يصرخ في المزادات لاستثارة حماسة التجار لدفع ثمن أعلى، والإنسان أمام هذا العرض الدائم مغلوب على أمره، لا يعدو أن يكون متفرجاً لكنه متفرج مجبر على مشاهدة عرض رديء، تماماً مثل أي برغي في ترسانة ضخمة تضخ آلاف الصور من كل شكل ولون، حيث لم يسبق لكوكبنا المبجل أن شهد هذه الحمى المسعورة من البث البصري وفي كل الاتجاهات. زمان كانت السينما تقف وحدها في عالم الشاشات وكان هناك من يخشى أثرها السلبي بما تروجه من صور العري وغيره، والآن علينا أن نترحم على أيام الشاشة الكبيرة التي هزمتها شر هزيمة شاشة صغيرة لكنها في فعلها كبيرة وتصنع “بلاوي” كثيرة. جاء التلفزيون وشاشته الفضية ففتحنا لها بيوتنا وصالوناتنا وحتى غرف نومنا، وبعد أن كانت السينما رحيمة بنا عندما حصرت عرضها بين جدران يذهب إليها من يريد، اقتحم السيد التلفزيون مجالسنا وصار سيد المتحدثين. لكن التكنولوجيا الماكرة لم تترك لنا حتى الشاشة الصغيرة التي اعتدنا على “بلاويها” وسرعان ما أتحفتنا بشاشة أصغر حجماً وأمضى فعلاً، وبات الكمبيوتر الصديق الدائم الذي لا يبخل علينا بسيل الصور التي نريدها أو لا نريدها، ولما ظهرت شاشة “الموبايل” تغلبت على كل الشاشات، واستوطنت الأيدي وتسمرت عليها العيون.. كيف لا وهي تنقل وتنتقل كما يحلو لها، وتسرح وتمرح على هواها.

الصورة إذا طغت
لقد طغت الصورة إلى الحد الذي جعل مفكراً من طراز ميشيل فوكو يدين هذا الإفراط في استنزاف حاسة الإبصار بفعل ما أنتجته هذه الحاسة في العالم الحديث، لأنه يفضي، في جوهره، إلى إلحاق الضرر بالعقل. الأنكى من ذلك، أن هذا الضرر يجري إحداثه بمكر وبشكل مبطن وتحت دعاوى الانفتاح واقتصاد السوق والتواصل بين سكان القرية العالمية الصغيرة. هكذا، يتم تعريض الناس لنوع من “الاستلاب الصوري” المفتوح على آخره لبث كل ما تحمله أطباق الانفتاح العالمي من فضائل الفكر ورذائله. وإذا كانت ميكانيكية التطور في الغرب تفرض هذا بشكل ميكانيكي تلقائي يتصل بشروط التطور وسننه الطبيعية، ومصحوبة بوعي المشاهد لثقافة الصورة وكيفية تلقيها والتعامل معها، فإنها في عالمنا العربي تتم بشكل ماكر، ومدروس، لتحقيق غايات لا يعملها إلا الله والراسخون في فقه الإعلانات، بحيث بتنا ساحة لسيل من الصور والإعلانات التي تعيث فساداً في العقول والقلوب.
ثمة من يرى في الأمر مؤامرة على الهويات والخصوصيات الثقافية للشعوب، وفي هذا مغالاة غير مبررة. كل الحكاية أن العالم يعيش بعينيه فيما نحن ما زلنا “عمياناً” أو لا نعرف كيف نستخدم عيوننا، ولهذا نقبل بكل شيء وربما نراه جميلاً وجذاباً، وهذا ما حدث: تطورت الصورة ووصلتنا بحلوها ومرِّها فوافقت هوىً لدينا وأقبلنا عليها، والصورة بحد ذاتها محايدة، مثل كل الأشياء التقنية، ونحن الذين نقولِّها ما نريد فنجعلها بريئة أو ماكرة، إيجابية أو سلبية، ويبدو أن صناع الإعلان والقائمين على وسائل الإعلام والفضائيات أرادوها ماكرة فمكرت مكراً شديداً، وها هي تبلي بلاء حسناً وتعيث فساداً في قلوب وعقول المشاهدين الذين بلعوا الطُّعم، وهم سعيدون بكل ما يعرض لهم، يعيشون حالة من الاسترخاء اللذيذ أمام استئساد الصورة الإعلانية أو تنمّرها. هكذا وجد الإعلان فرصته الذهبية للتمدد والانتشار وممارسة نوع فظيع من التنميط المشاعري والرغباتي، إن جازت العبارة، ناشراً عبر الشاشات والكليبات سيلاً من الصور التي تتسم بقدر كبير من عدم البراءة. وفي عالم يتميز بالتغير والرقمنة وتهاوي الحواجز بين سكان قريته العالمية، وتتقدم وسائل الاتصال فيه بوتائر عالية يقع الإعلان على ضالته، ويمارس دوره في صياغة الوعي البصري أو تزييفه على نحو أدق، فيما يغيب العرب عن صناعة الصورة بكل تجلياتها.

صورة وكلمة
ثمة بين المفكرين والباحثين الغربيين في علوم الاتصال من لا يكتفون بالجزم بأننا نعيش حضارة الصورة، بل يؤكدون أنها تزحزح حضارة الكتابة يوماً بعد يوم، وتجيِّر منجزها التاريخي لصالحها وأنها في قابل الأيام ستلغي الكلمة نهائياً. وهم في تقديري لا يذهبون بعيداً في خيالهم، ليس فقط بسبب طغيان الصورة وثقافتها واكتساحها أشكال المعرفة الأخرى خاصة لدى الشباب، وإنما لأن الصورة تعيش مستقلة تماماً عن الكلام، ولها لغتها التي تمكنها من قول ما تشاء من غير أن تتلفظ بحرف واحد. لكن هذه الخشية المبررة على صعيد الصورة الفوتوغرافية أو اللوحة التشكيلية، لا تمتلك المسوغات الكافية التي تجعلها تصدق في حالة الإعلان.
هنا يبدو الأمر مختلفاً بعض الشيء، إذ لا بد من حضور الكلام الذي يبدو ضرورياً، لأن ذائقة المتلقي لم تستسغ بعد “كلام الصمت” أو بعبارة أخرى لغة الصورة. وإذا كانت اللوحة مثلاً تجاوزت الكلام فلأنها تخاطب مشاهداً نخبوياً (يفترض أنه يفهم لغة اللون والضوء لكي يتحصل على مرموزات العمل الفني ومدلولاته). أما الإعلان فيخاطب الإنسان العادي والشعبي الذي لا علاقة له بالنخبويين وموّالهم الذي يبدو أنه لا يطرب أحداً غيرهم. كما أن تطبيق هذا على الإعلان في العالم العربي يعني (خراب بيوت) لأن الإعلان سلعة والسلعة يجب أن تباع وإلا كان الإعلان فاشلاً على المذاهب كلها، ولا ينفع هنا الحديث عن مدرسة (الإعلان من أجل الجمال) على طريقة (الفن من أجل الفن) أو التمسح بأذيال الرغبة في الارتقاء بالذائقة البصرية أو تثقيف المتلقي. هذا الكلام في عالم الربح والتجارة لا يسمن ولا يغني من جوع، والمعلن لا يعنيه سوى الربح، وهنا سر الخطورة في الإعلان.
إن الهدر البصري الذي يجري على أشده على الشاشات التلفازية التي لا تكتفي بتخريب البصيرة عبر إعلانات و”كليبات” جرى تصميمها بوعي وعن سابق إصرار وترصد لإشاعة نمط من الثقافة الاستهلاكية، لا يفسره سوى كلمة واحدة: الربح. ففي حضور المال والرغبة في تكديسه يباح كل شيء، ولا يتورع الإعلان عن استخدام وتوظيف كل شيء وأي شيء من أجل العائد المادي. وكرمى لعيون السيد المقدس المال لا بأس من تسليع المشاعر والأجساد، واللعب على وتر الغرائز والرغبات والعري بكل ما تحمله في جوفها من فرص وسوانح لضرب إنسانية البشر وأخلاقهم في الصميم. أما المعترضون فيمكن ترويضهم عبر التكرار ، وان لم يفلحوا في فهم سر اللعبة الإعلانية فليشربوا من البحر أو ليضربوا رؤوسهم في أقرب جدار.
ترويض العيون
الترويض، هذه هي الكلمة المفتاحية لإدراك سر تكرار الإعلان الذي يشكو الناس من انه يقطع عليهم لذة متابعة البرنامج التلفزيوني خاصة المسلسلات أو ينغص عليهم حياتهم لأنه يملأ بريدهم الإلكتروني أو يرهقهم بسبب ملاحقته لهم بالهاتف. فالتكرار هو وسيلة الصورة الإعلانية لتكرس نفسها وتحفر حضورها في عقل المشاهد، وتمارس خطابها الإيحائي الذي يصنع تأثيرها الكبير والذي يتعاظم يوماً بعد يوم. وفي عالم الإعلان يمكن الحديث بكل وثوقية عن البعد الإيحائي للصورة الذي يتحدث عنه “بارت”، والعثور على نماذج متعددة عن الكيفية التي يجري بها التدخل في فحوى الرسالة لتغيير معناها الإشاري إلى المعنى الإيحائي، بمعنى دفعها لقول معنى آخر غير المعنى المباشر وفي هذا انزياح دلالي تمارسه الإعلانات بمهارة تقنية تحسد عليها.
تترك الصورة الإعلانية في ذهن المتلقي وقلبه وعقله بالطبع، رؤى وتصورات للحياة غالباً ما تكرس النظرة المادية، الحسية، اللذوية، المنفصلة تماماً عن منظومة القيم المثلى أو الفضائل بالمعنى الأخلاقي. أي أنها تلغي القيمة من الاتصال وتركز على الفعل البصري العابر. فالسيل المتدفق من الإعلانات لا يترك فرصة للمتلقي لالتقاط أنفاسه أو التفكير في ما تحمله الصورة الإعلانية من مدلولات، وبسبب ضيق الوقت، وتزاحم الصور، وجهل تقنيات قراءة الصورة ولغتها، وعوامل أخرى شخصية تتعلق بالمتلقي، ينجح الإعلان في تمرير خطابه أولاً ثم تكريسه عبر إعادة الإعلان مرة تلو الأخرى، وترسيخه يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، وهكذا بمرور الوقت (وهو وقت قصير بالمناسبة نظراً للأسلحة التي تمتلكها الصورة المتلفزة) يتم ترويض العيون أولاً ثم الأذهان ثانياً على تقبل صورة نمطية، ونموذج أحادي، عن أشياء كثيرة في الحياة بل عن الإنسان نفسه وجسده ورغباته، هذا النموذج يتحول مع الوقت الى المثال الذي يركض الجميع لتحقيقه أو تقليده.

أسطرة الجسد
صورة الجسد الأنثوي في الإعلان هي مثال صارخ وجيد يؤكد ذلك؛ فالإعلانات تكاد لا تخلو من استخدام المرأة، ليس على نحو معقول ولا لضرورات الحاجة الإعلانية، بل بسبب ومن دون سبب، وبشكل سلعي، استفزازي، رغبوي، تجاري، وغرائزي. المرأة في الإعلان ثيمة لا تغيب حتى لو كان الإعلان عن حذاء رجالي أو إطارات سيارة.. أما الإعلانات الخاصة بكل ما يخص الرشاقة والأناقة وكريمات الشباب “الدائم” ومساحيق التجميل، فلا تكتفي بسحق أنوثة المرأة الحقيقية بل تروج لنظرة دونية تجعل منها شيئاً أو سلعة، وتهدم، في طريقها، صورة المرأة الإنسانة كما هي في الحياة بكل ما يمر على جسدها من تقلبات وما يعتريها من أمراض وما يصيب وجهها من تجاعيد، وتسوق صورة المرأة النمطية التي تظهر كل يوم في الإعلان: جميلة وشابة ونضرة وفتية كأن لا علاقة لها بالعمر وتبعاته. والحال أن المرأة العادية، المسكينة، تقع ضحية هذا النموذج من جهتين: الأولى البحث عن تحقيق الجمال المثالي الذي يبشرها به الإعلان والثانية البحث عن رضا الزوج الذي بات هو الآخر يبحث عن امرأة تشبه فتاة الإعلان.. والنتيجة: هدر الأموال المستمر على مستحضرات التجميل المعلن عنها، أو الركض الماراثوني بين مراكز التجميل وعيادات الأطباء لإجراء التعديلات المطلوبة على (البضاعة)!
بالطبع، يجري إنتاج صورة نمطية عن جسد الرجل أيضاً: الجسد الممتلئ بالشباب والقوة والحيوية والجاذبية، الذي يتحول إلى نموذج يقلده الشباب. لكن هذا الاحتفاء بالجسد يقتصر على الجسد الفتي، الشاب، الجميل الذي يبدو، حسب بارت، “جسداً ممجداً لا يبدو لنا مطلقاً جسداً صائراً إلى موت”. هكذا حول الإعلان الجسد إلى أسطورة، لأنه قدمه بشكل غير حقيقي، متخيل، مصنوع، مقطوع عن الواقع. ولأنه صورة مختلقة، غريبة، مستوردة، لا جذور لها على الأرض، فإنها أشاعت الكثير من مظاهر التغرب في المجتمع، وصرنا نرى في كل مكان شباباً وفتيات يرتدون ملابس غريبة عجيبة وعلى رؤوسهم تسريحات غرائبية توحي أنهم هبطوا للتو من عالم آخر، بل يكاد المرء يشاهد نساء في الشوارع والطرقات والأسواق يسفحن مفاتنهن على قارعة الطريق ويبدين مثل إعلانات متحركة تسير على قدمين.
ومكمن الخطورة هنا لا يقتصر على السلوك نفسه، أو على نشر قيمة الاحتفاء بالمظهر والجري وراء التقليد، بل بناء شخصية المراهق وفق منظومة من القيم والمعايير الأخلاقية التي تمسخ شخصية المراهق، وتزود المجتمع بنماذج متغربة ومغتربة عن الواقع. لأن الثقافة التي يشيعها الإعلان ثقافة سطحية لا دور لها في إثراء التجربة الوجودية أو إغناء الشخصية، وبهذا يفرخ شخصيات انقيادية، تابعة، تهتم بالمظاهر، وتغلب المادي على المعنوي، وتهتم بالغرائز والعواطف والأحاسيس وتعطي العقل إجازة طويلة الأمد. فالصور في تتابعها لا تنقل المشاهد من فكرة إلى فكرة، أو من قيمة إلى قيمة وإلا كانت شيئاً إيجابياً بل تنقله من حالة مادية إلى حالة مادية أخرى، وكلها تركز على حاجاته الأولية ورغباته الاستهلاكية. فتؤسس بذلك لنمطية فكرية حول فكرة السعادة والجمال والطموحات المادية والتصور السطحي للنجاح.
وإذا تبنينا وجهة نظر بيير مارتينو من أن الصورة “تمتلك قدرة على الإرغام تفوق قدرة الأفكار المجردة” بسبب المصاحبات العاطفية التي تولدها، والتي تترجم إلى نشاطات وسلوكات، يمكن تخيل الأثر العميق الغور الذي تتركه الإعلانات على المجتمع وبنيته الأخلاقية ومنظومة التصورات التي تحكم سلوكيات أفراده. وأخطر ما يواجهنا هنا، في خطابات الإعلان ذلك الذي يربط السعادة بالاستهلاك. فيتشكل وعي المشاهد على قاعدة كلما أنفقت أكثر حصلت على سعادة أكثر، ولأن السعادة مبتغى الإنسان المسكين فإنه ينفق كل ما معه وما يمكنه الحصول عليه بل ويستدين أحياناً لاستهلاك حتى ما لا يحتاجه. وتلك واحدة من الأفكار النمطية التي بات المشاهد سجيناً لها ولتجلياتها على الشاشة السحرية التي تعرض متع الحياة بوفرة لا يقدر عليها من يعيشون في بحبوحة من العيش من الذين أنعم الله عليهم، فما بالك بالمحرومين والفقراء والمجوَّعين (!)
إذن.. ما الذي ينبغي فعله للاستفادة من خير هذه التقنية وتجنب شرها، أو على الأقل الخروج بأقل قدر من الخسائر الروحية والنفسية والثقافية؟ هل نحن قادرون على لجم سطوة الإعلانات وسعيها الى بناء صورة نمطية لكل ما يخضع للرغبة والهوى والحاجة؟ وهل نملك القدرة على فهم عالم الصورة الإعلانية وأدواتها وتحليلها وفقهها قراءة وتأويلاً؟ أما آن الأوان لتعتني جامعاتنا، مثلاً، على نحو أفضل بثقافة الصورة فتخصص لها أقساماً لدراستها؟ ألم يحن الوقت لإدراجها في المناهج التعليمية؟ أما آن الأوان لكي نقوم بعملية ترشيد للبث الإعلاني قوامها الحاجة الحقيقية للناس والمجتمع لا مجرد إشباع البطون والعيون بأنماط الثقافة الاستهلاكية التي تزيف الوعي وتقتحم حصنه المشيدة وأسواره الحصينة، لتصنع وعياً جديداً لا يبدو أنه يسير في سياق متسق مع شروط التنمية الحقيقية التي تسعى مجتمعاتنا إلى تحقيقها.
أظن أننا مدعوون بعمق الى الاهتمام بعمق بكل التحولات المتصلة بمجال ثقافة الصورة عربيًا وعالميًا، لكي لا نخسر فرصة تعبير شديدة التأثير يمكنها أن تقدمنا للعالم في صورة أفضل، وأن تدفع عنا الكثير من التهم الظالمة التي توجه للعرب والمسلمين، وتبني جسور الحوار الثقافي والحضاري بيننا وبين الآخرين على قاعدة الشراكة الإنسانية والتعددية والتنوع والخصوصية التي تغني الآخر وتغتني به.. ومن دون ذلك، لن نخسر فقط فرصة الاستفادة من وسيلة تعبيرية توصف باستمرار بأنها سيف ذو حدين، وإنما سيكون نصيبنا منها حد السيف القاتل.
إعلانات نظيفة

لا يعني كل ما سبق، رفض الصورة الإعلانية ولا التخلي عنها، ولا ينطلق هذا التوصيف من تصورها كشر مطلق؛ فثمة إعلانات نظيفة، تجتهد في التوفيق بين جماليات الإعلان وصورته وصياغته من دون أن تقع في فخاخ التسليع والتنميط وتزييف الهويات والخصوصيات الثقافية. وثمة إعلانات ناجحة تجتذب المشاهد من دون ان تتوسل بالمرأة أو جسدها إنما تضع جهدها في توظيف الصورة الجميلة والتصوير الفني المحترف المصحوب بنص متقن الصياغة، رشيقاً، جذاباً، ومليئاً بالإيحاءات الإيجابية والبناءة. مثل هذه الإعلانات وضعت نصب عينيها أن تصنع نصاً بصرياً يتكئ على الصنعة والحرفية والجمال، وهو رهان صعب يستحق التنويه لكن كثرة الرديء وطغيانه لا تترك للجيد مكاناً، ولهذا تأتي كل الكتابات حول سلطة الصورة الإعلانية تحديداً متشائمة وسوداوية ليس عندنا فحسب، بل في الغرب، معقل الصورة

اقرأ أيضا