صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

برلين حائرة بشأن دعوى ضد رامسفيلد !



الاتحاد - خاص:

القضاء الألماني دقيق، وفاعل، ولا يتأثر بأيّ ضغوط، ولكن ماذا عندما يجد أمامه دعوى من محام ألماني تسانده شخصيات أميركية وأوروبية، ضدّ وزير الدفاع الأميركي السابق ''دونالد رامسفيلد'' بسبب سجن أبو غريب ومعتقل جوانتانامو··
الدعوى أمام المدّعي العام الذي يعرف أنه أمام قضية معقدة ما دامت ألمانيا تطبق منذ عام 2002 قانون الجرائم ضدّ الإنسانيّة، لكن برلين لا تريد البتة إزعاج واشنطن، والحزب الاجتماعي الديمقراطي يرفض ''أن يضطلع بدور الشرطي العالمي''·
عادة، الألمان لا يخطئون حتى مع الأخطاء الأميركية· هذا لا يتسق مع الإيقاع الفلسفي للعقل الألماني الذي ينحو باتجاه الاستقلالية الحادة، لكن أشياء كثيرة تغيّرت منذ هزيمة الرايخ الثالث، فالمستشار ''كونراد اديناور'' حاول أن يحدث انقلاباً في ذلك العقل: قبعة رجل الأعمال بدل خوذة الجنرال··
الأكثر من هذا أن ساسة ألمان عاشوا النتائج الكارثية للحرب العالمية الثانية رأوا في الارتباط الاستراتيجي مع الولايات المتحدة سبيلاً لبناء نمط آخر من التفكير· لا أثر يذكر لأحذية ''بيسمارك'' في اللاوعي الألماني الذي يدفع بقوة إلى الخارج شبح ''ادولف هتلر''، حتى أن ''هنريتش بول''، الكاتب الشهير الحائز جائزة نوبل في الآداب، كتب قبل وفاته بسنوات عن ''التاريخ الألماني الذي لا يحتاج البتة إلى أحذية نووية''· لكن الكاتب الآخر، الشهير والحائز جائزة نوبل ايضاً ''غانتر غراس'' لم يستسغ كثيراً أن تكون ألمانيا ظلاً للكاوبوي الأميركي، وبالطبع هو ليس من النوع الذي بهرته فكرة السوبرمان الذي أطلقها ''فريديريك نيتشه'' واعتبرها ''غراس'' بمثابة تواطؤ فظ ضد الإنسان في الكائن البشري·
قنبلة سياسية وقانونية
الآن، ثمّة قضية يمكن أن تمزق حالة السكون بين واشنطن وبرلين· قنبلة سياسية، وقانونية، أطلقها المحامي الألماني ''وولفغانغ كاليك'' الذي استند إلى قانون الجرائم ضدّ القانون الدولي والذي أقرّه البوندستاغ في عام 2002 ليقيم دعوى لدى النائب العام في منطقة كارلسروه ضدّ 14 أميركياً وامرأة من أصحاب الشهرة والسلطة، ومن هؤلاء وزير الدفاع السابق ''دونالد رامسفيلد''، ووزير العدل ''ألبرتو غونزاليز''، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ''جورج تينيث''، واللفتنانت جنرال ''ريكاردو سانشيز'' الذي قاد التحالف الدولي في العراق بين يونيو 2003 ويونيو ·2004 موضوع الدعوى هو انتهاك أولئك الأشخاص للقانون الدولي واتفاقية لأمم المتحدة المناهضة للتعذيب سواء في معتقل أبوغريب في العراق أو في معسكر الاعتقال في خليج جوانتانامو· المسألة بالنسبة إلى ''كاليك'' أخلاقية وحضارية، فالأميركيون هم مَن تبنّوا مصطلح القرية الكونية من أجل تسويق مفهومهم الخاص للعولمة: ''إذاً كلنا مسؤولون عن العدالة في هذه القرية''، وإن كان المحامي إياه يعترف، من ناحية أخرى، بأنه لا يقول بأن يحكم أفلاطون هذا العالم ''ولكن بالتأكيد لن نقبل أن نعيش في الأدغال''، فيما يقول الحزب الاجتماعي الديمقراطي: ''وهل مهمتنا أن نكون شرطي العالم؟''·
مديرة السجن
التقرير الذي رفعه المحامي إلى المدّعي العام يتألف من 384 صفحة: لم يكن هاجسي سياسياً بل أخلاقياً، وفي التقرير استند إلى وقائع، وأحداث، ووثائق لا تقبل الشك في أن ارتكابات هائلة حدثت، هذا لا يليق بالقرن الحادي والعشرين ولا بالعصر الحجري··
شهادات حيّة من مسؤولين سابقين لعل أبرزهم الجنرال ''جانيس كابرينسكي'' التي كانت تدير سجن أبو غريب عام 2003 والتي قالت إنها ترغب في الشهادة ضد ''رامسفيلد'' وبشدة، مضيفة بأن عمليات التعذيب لم تتم بـ''نزوات فردية'' أو بطريقة عشوائية، فالأوامر كانت تصل من مسؤولين كبار في واشنطن، وفي الحالة الراهنة لا مناص من تنفيذ الأوامر، وإن بوجود مشاهد تقشعر لها الأبدان·
''كاليك'' يعلن انه ليس خصماً للولايات المتحدة، بل انه يتصرّف بمسؤوليته الأخلاقية والقانونية كرجل قانون ''ودون أن يكون باستطاعتي أن أضع ضميري في الثلاجة، وهذه ليست قضيتي الأولى، فالحقيقة بحاجة إلى مَن يقف إلى جانبها ومن دون أي ثمن''·
الإدارة من المريخ
البعض يقول انه ربما كانت مشكلة ''دونالد رامسفيلد'' الذي استقال ليخلفه ''روبرت جيتس'' هي انه رجل لا يتقن الإصغاء إلى الرأي الآخر، خلافاً لوزراء دفاع بارزين أمثال ''روبرت ماكنمارا'' و''هارولد براون'' و''جيمس شليسنجر''· هؤلاء لم يخاطبوا الآخرين من خلال الزجاج السميك، بل إنهم كانوا يقرأون بنهم وينزلون إلى الأرض، حتى أن هناك قولاً لـ''ماكنمارا'' الذي عاد وتسلم رئاسة البنك الدولي انه لا مجال لإدارة الجيوش الأميركية من المريخ· صحيفة ''لوس أنجلوس تايمز'' استعادت هذا القول لتتساءل، وبعدما بدأ الوضع الميداني يتردّى في العراق ما إذا كان ''رامسفيلد'' يدير القوات الأميركية هناك من المريخ؟
''جورج ووليز'' الذي وضع كتاباً حلل فيه بعض الجوانب السيكولوجية لدى عدد من أركان إدارة الرئيس ''بوش''، قال إن ''رامسفيلد'' ''يتقن اللعب مع الأشباح''، وكان يمكن أن يكون رجلاً بارزاً فيما لو تسلم منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مع أنه في شبابه كان يميل إلى الضوء، كما أن اللحظة الاستعراضية في شخصيته كانت لافتة، خصوصاً عندما يحاول وهو يدخن السيجارة تقليد بعض نجوم هوليوود··
مَن بحاجة إلى وزير دفاع؟
الرجل ذهب إلى الظل· إنه مسنّ، ولم تكن نهاية حياته السياسية برّاقة· قال لأحد أصدقائه انه حائر، لأنه لم يخطط لما بعد العمل· الصديق، وهو أستاذ سابق للتاريخ في جامعة ''برنستون'' قال له مازحاً: ''انشر إعلاناً في الصحف ما إذا كانت هناك دولة ما تريد وزيراً فاشلاً للدفاع''· المشكلة الآن ليست مشكلة ''دونالد رامسفيلد'' الذي أقيمت ضدّه دعوى في المانيا منذ سنتين، لكن المدّعي العام، في حينه، ''كاي نيم'' أمر بحفظها معللاً ذلك بأنه لا يستطيع أن يمضي في الدعوى إلا إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة أو أبدت عدم رغبتها في الادعاء على ''رامسفيلد''·
القضاء الألماني دقيق، ويحترم النصوص كما يحترم الحيثيات القانونية، وكما هو معلوم، فإنّ المحامي المدّعي استند إلى نصوص قانونية، وهو يقول إن القضاة لا بد أن يكونوا بعيدين عن التأثيرات السياسية، لكن الرجل الذي أقيمت الدعوى ضدّه وزير دفاع أميركي سابق، وعندما ''يحاكمه'' القضاء الألماني في إطار قانون الجرائم ضدّ الإنسانية، فمَن يضمن، ألا يدّعي أحدهم على أي حاكم دولة بعد خروجه من منصبه؟ الرئيس ''جورج دبليو بوش'' مثلاً··
أي أنّ المسألة يمكن أن تناقش من وجوهها المختلفة، ولن تعدم الحيلة المدّعي العام القاضية ''مونيكا هارمز'' لكي تفسر النص بصورة تجعل من غير الممكن محاكمة ''رامسفيلد'' لأنه لا يتواجد على الأرض الألمانية· هذا يريح كثيراً المستشارة ''انجيلا ميركل''··
''كاليك'' الذي يستخدم لقب الدون في وصف ''رامسفيلد'' يجد الكثيرين الذين يؤيدون دعواه التي ترتطم بتحفظات الأحزاب الرئيسية في البلاد، و''مايكل راتنر''، من مركز الحقوق الأساسية في نيويورك، يستغرب البلبلة الراهنة ليسأل: ''إلى متى يرقص القياصرة حول الجثث؟''· هذا السؤال يوجّه، عادة، إلى التاريخ!

''أورينت برس''