الملحق الثقافي

الاتحاد

بنت الضوء.. الخائنة!

أنزلت العولمة في خطابها الصورة منزلة رفيعة، وضعتها في مرتبة متقدمة على كافة أشكال الاتصال البصري الأخرى، وأجلستها على عرش لم تجلس عليه حتى الكلمة في “أيام عزّها” ووهبتها “ملكاً لا ينبغي لأحد غيرها”، حتى باتت الحاكمة بأمرها في تفاصيل حياتنا ونزعاتنا، تأمرنا فنطيع، وتنادي فنلبي، و”هي تفصِّل ونحن نلبس” على حد تعبير المثل السائر.
ورغم الأهمية القصوى التي تحتلها أشكال الثقافة البصرية المختلفة (صورة، رسوم متحركة، أفلام فيديو، أفلام سينمائية، لوحات تشكيلية، إعلانات، وغيرها)، إلا أن الصورة الفوتوغرافية تكاد تكون مهندسة الوعي المعاصر بامتياز. فالصورة شكلاً وتقنية ولغة واثراً ومرامٍ هي أكثر أشكال الاتصال البصري شيوعاً، وأعظمها أثراً في المتلقي... من هنا كانت وستصبح أكثر فأكثر سلاحاً ماضياً في يد من يمتلك مفاتيحها ويفك شيفراتها.



الصورة ترجمان يتقن كل اللغات، بما فيها لغة القلب والعقل والروح. بالصورة وحدها يمكنك ان تدخل الى حقول الفرح وبساتين الجمال، تسمع زقزقة العصافير أو تشتم عبق الوردة وهي تتفتح في صبح نديّْ. ربما تشعر بأسنانك تصطك برداً في عز الصيف، وقد ترى الربيع في عز الشتاء. الصورة تملك أن تأخذك من يديك وتسلمك الى عالم منير بهي، تمرح بين جنباته حكايا الحنين او تتمرجح على اراجيحه قصص الطفولة في أعياد لا أسماء لها، تناولك وجوهاً نسيت أن تكبر، ظلت مؤبدة في عمرها الأول (صورتها الأولى) كأنها تحيا خارج نواميس الزمان. لا تكبر فيك ولا تكبر معك، تتشبث بعمرها الأبدي كما أرادت لها ذاكرة خربة تنسى أكثر مما تذكر.
الصورة قادرة على أن تحضر لك حتى لو كنت في آخر الدنيا وجه أمك، بقهوتها وحنانها الأوسع من سماء. أن تكتب على صفحة روحك طرفة رائعة تطلق من قلبك ضحكة جذلى بجناحين. وربما ترسل لك بين طياتها شجرتك العجوز النائمة هناك، في الجهة اليسرى من صدرك، في القلب الأسيان، المبتل بشوق لا يخفت وحنين لا ينام.
لكن الصورة نفسها، يمكنها أن تدخلك إلى الجحيم الممدد في المشهد. بالصورة فقط يمكن أن يتلون يومك بشتى الألوان؛ أحمر إذا كانت فاتحة يومك قتلى ودماء وعمليات إبادة جماعية، سواء ارتكبت بيد الإنسان أو رسمتها الطبيعة المزمجرة على هوى إعصار انفلت من عقاله ولم يفلح في إيقافه شيء. بالصورة تلج الى معترك الحرب الطاحنة، تتطاحن مع قريبك أو ابن عمك أو جارك أو مواطنك أو أخيك في الدين والوطن والإنسانية حين تنحاز الى طرف من طرفي النزاع. الصورة تندهك مثل جنية مارقة الى شوارع تحترق، وارواح تنطفئ، وعيون تغالب الدمع الذي يأبى الهطول، واشجار تنكفئ تحت معاول لا تتقن فن الحفاظ على الأخضر مانحة لك كمية استثنائية من الأسود الحالك.
الصورة ايضا يمكنها ان “تغمَّ” بالك وأن تصنع لك صباحا سيئاً ربما لم يمر عليك صباحاً بسوئه أو جهامته. الصورة من الشراسة بمكان بحيث أنها تستطيع أن تمنحك شعوراً ممضا بتأنيب الضمير، حين تحضر اليك على حين غرة وجه طفلة تحتضن الخبز الذي بات صعب المنال. الصورة هي الكون، بكل ما فيه، وما حوله، وما عليه، من أفراح وأتراح وآلام وآثام لا تتورع البشرية عن توثيقها بالأبيض والأسود أو بالألوان... والصورة أكثر من مجرد وثيقة تختصر آلاف الكلمات كما يتردد عادة عندما تحضر سيرتها، إنها الجميلة المزيفة، يمكن أن تخونك وأن تخلص في تجميل خيانتها، وأن تتحالف مع عدوك لتؤثر فيك على نحو يمكنه من التغلغل الى عقلك وتشكيل قناعاتك وتغيير اتجاهاتك وتضليلك... وهي هنا تصبح أداة تضليل وخداع ينبغي أن تحذر منها لأنها: جميلة المحيا، فاتنة الاساليب، ساحرة الحضور، يمكن أن تصيبك في الصميم... لهذا وغيره كانت محط عناية الكثيرين ممن “زوَّروها” وقدموها في “صورة” مغايرة تحقق أهواءهم وما يحلو لهم.

ما كل راءٍ.. رآى
يسقط الضوء على أي شيء فينقله من الانتفاء الى الحضور، من السرية الى العلن، من الوعد إلى التحقق... هكذا يغازل المصور الفوتوغرافي المشهد، يقدم له وعداً بأن يخرجه إلى فضاء الجمال ويجعله قبلة أنظار المريدين؛ فيصدق هذا ويقبل أن يستسلم للضوء ليهندسه على هواه وعلى هوى مصور يبدع في قراءة الحياة بالضوء. عين المصور إذن لا عين الكاميرا هي ما يصنع المشهد، أكثر من ذلك، يمكن القول إن الصورة الجميلة قصيدة مكتوبة بالضوء، وكما في حالة الشعر يحدث في التصوير، يعتمد الأمر على مهارة وقدرة ومزاجية ووعي المصور في صياغة المشهد صياغة بصرية قادرة على قول ما هو جديد ومفارق. ولأن الصورة تدخل إلى الأعماق وتقول ما لا تقوله الكلمات فإنها تتغلغل في روح المتلقي وتتدخلن في شغاف قلبه لتترك هناك بصمتها وأثرها البليغ.
والقول بأن الصورة لوحة مرسومة بالضوء يعني أن هناك أكثر من عنصر وأكثر من رؤية وأكثر من ثقافة تجمعت أمام بؤرة العدسة وصارت في مرمى عين المصور. ولأن الحكمة القديمة تقول ليس كل من رآى رآى فإن المصور المبصر يستطيع بضغطة زر أن يحول الكاميرا إلى قناص بارع أو صياد ماهر يقتنص الصور أو يصطاد الألق الكامن فيها ليدخلها في رصيده الإبداعي، ويقدمها وجبة شهية لعشاق الإبداع، هذا النوع من المصورين البارعين، الواقفين على حدود الضوء، يملكون أن يفتحوا عيوننا على أشياء ما كان لنا أن نراها من دون عيونهم... فطوبى لهم وهم يمنحوننا عيونهم لنرى بها كل هذا الجمال.
هذا الفهم لماهية الصورة يبرر ما يقال عن كونها تتحلى بجماليات بلاغية تفوق أحياناً الفنون البصرية الأخرى. إنها أكثر اكتنازاً بالقول، أكثر بلاغة، وأغنى بالمدلولات التي تجعلها أكثر اتساعاً من أن تكون وثيقة للأحداث او المشاهد. ان الكثافة التي قد تحملها الصورة والاختزال الهائل الذي تمارسه على صعيد المعنى والمبنى هيأتها لتكون أكثر شاعرية وإيحاء وغناء (بفتح الغين).
وبعيداً عن تعقيدات الجهود التنظيرية التي تسعى لفهم الصورة ضمن نظام من العلامات او الإشارات أو قراءة الصورة وتحليلها في سياق سيميوطيقي أو سيميائي، وهو أمر صعب قد لا يمتلكه المشاهد العادي، يمكن الحديث عن حد أدنى يستوجب الإلمام به لكل من يحلم بأن يتذوق جماليات الصورة. ومن الثابت أن الناس الذين يشتركون في ثقافة واحدة يشتركون بالتالي في تفسيرهم للرسائل المصورة، وتتكون لديهم أرضية ثقافية مشتركة أو “خارطة ذهنية واحدة” بتعبير ستيورات هول (Hall)، تهديهم الى مدلولات الصور ورسائلها.
وثمة عتبة منهجية تعين على فهم المرامي التي ترمي الصورة إلى تحقيقها بوصفها “علامة تمثل خاصية كونها قابلة للتأويل” حسب الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبرييه، وهي ان الصورة عمل تأويلي، وقراءتنا لها لا تعد القراءة الوحيدة والشاملة، فلكل قارئ أن يضع شبكة منهجية لقراءتها، متكئا على كفاءته التأويلية، وقدرته على فهم علاماتها، ومن هنا تنبع خطورتها إذ يمكن لمن يريد أن يدس السم في العسل أن يتسلل من هنا وينشر ما يريد من أفكار ويبث الرسائل التي يرغب في إيصالها. فقراءة الصورة ترتكز أساسا على المعرفة والثقافة، وفي غيابهما يسهل تجيير الوعي الى الوجهة التي يريدها صاحب الصورة.
و لا ينكر عاقل الخدمات الجليلة التي تقدمها لنا الصورة في العالم المعاصر، فهي بمثابة وثيقة حياة تضيء لنا كل ما حولنا وتأخذنا إلى عوالم الجمال في تجلياته كافة. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن رسالة الصورة تتغير حسب نوعها، وما يحكم الصورة الفنية غير ذلك الذي يحكم الصورة الإعلامية أو الإعلانية.

الصورة بوصفها سلاحاً
يجري أحياناً تزوير الصورة بكثير من الخبث عبر توظيفها لتكون “سلاحاً مع” أو “سلاحاً ضد” أي مجموعة بشرية أو فكرة أو اتجاه سياسي او اجتماعي، والتزوير الذي نتحدث عنه هنا ليس التزوير المكشوف الذي يتم عبر التلاعب بالصورة بواسطة برامج الفوتوشوب أو تركيب صور لاختلاق صور ة جديدة، فهذا أسهل أنواع التزوير ويمكن لأي متخصص أن يكشفه، وإن كان (يفوت) على المتلقي العادي في احيان كثيرة، بل المقصود هو التزوير الخفي، الخبيث، المتمثل في طريقة التقاط الصورة أو التركيز على مفردة بعينها في المشهد، أو نشر الصورة في مكان بعينه وبمواصفات معينة توحي بما يراد لها أن تبوح به، أو نشرها مع تعليق لا علاقة لها به وإنما يجري اختلاقه وتطويعه ليصبح مناسباً لها، فتصل الرسالة من دون أن ينتبه المتلقي إلى هذا الخبث الخفي. الحال الفلسطينية هنا، تقدم لنا مثالاً شديد الوضوح على هكذا دور تلعبه الصورة. والشواهد لا تعد ولا تحصى على ممارسات إسرائيل تجاه فلسطين فكرة وتاريخاً وشعباً وهوية.
ولا يعدم المرء الأمثلة على الدور الذي لعبته الصورة في تكريس الادعاء الاسرائيلي بأن فلسطين هي “أرض الميعاد”، وما دور الرحالة الغربيين ولا المصورين الأوائل أو إخوتهم الآثاريين عنا ببعيد. فقد جاء جلُّهُم مدججاً بفكرة مسبقة عن العرب (الغوغاء، الرعاع، الوسخين) ليبحثوا عن دلائل تؤكد ما به يؤمنون، وعن شواهد بصرية من الصور، فكان عملهم “أشبه بغزو بصري للأرض والجغرافيا والتاريخ”، على حد تعبير الكاتب عصام نصّار الذي تتبع في أسلوب استقصائي يستحق التقدير “إنجازاتهم” على هذا الصعيد، حيث نجحوا، للأسف، بسبب غياب الصورة المضادة في إظهار فلسطين أرضاً بلا شعب حين التقطوا صوراً لمناطق خالية أو لبدو قليلين يتناثرون في صحراء النقب. ولا يقتصر الأمر على الفلسطيني بل يتسع ليشمل صورة العربي، أي عربي، لا فرق بين معتدل ومتطرف، غني وفقير، محباً للعولمة أو كارهاً لها أو يتجرعها على مضض كما يتجرع المريض دواء شديد المرارة، لكنه يقبل به على طريقة “مكرهاً أخاك لا بطل”، وفي الصور التي نشرت عن أبو غريب وجوانتنامو أمثلة ضافية على ذلك.
وتستخدم الصورة أيضاً، بسبب قدرتها التأثيرية الهائلة، في تغيير اتجاهات الناس تجاه موضوعات وقضايا وأحداث تدور حولهم، وغالباً ما تنجح في مقاصدها شريطة أن تكون الصورة لغير العرب. وربما يجب أن يكون العرب فيتناميون، مثلاً، لكي تؤدي صور تعذيبهم وقتلهم إلى القليل مما أحدثته صور حرب فيتنام من تحولات في الشارع السياسي الأميركي، وحتى يحدث ذلك، ستظل صورة “الإرهابيون القتلة” تطاردهم في كل شاشة، وخلف كل كاميرا، وفي كواليس كل استديو تصوير حتى لو كانوا هم الضحايا والنازفين والمقتولين.

نصف الحقيقة
هناك من يذهب إلى القول إن “الصورة هي نصف الخبر”. وعندي أن هذا نصف الجملة الذي يقال على طريقة “لا تقربوا الصلاة”، أما نصفها الآخر فهو إن “الصورة قد تكون نصف الحقيقة” أيضاً، ولكي نؤصل المسألة، علينا أن نعيد إلى الأذهان أن اكتشاف آلة التصوير كان حدثاً خطيراً أحدث انقلاباً هاماً في تاريخ الصحافة بشكل خاص، والعمل الإعلامي بشكل عام. ومع تطور فن التصوير الفوتوغرافي وما أتاحه من إمكانيات هائلة، وجدت الصورة لها مكاناً بارزاً بين الفنون وأدوات التعبير، وصار لها دورها الاتصالي المهم والمؤثر في حياة الناس. وبين بروز الصورة في شكلها الفني الجمالي الذي يهتم فيه الفنان بالقيم الفنية والشكل والتكوين فقط، واستخدامها كفن تطبيقي وظيفي (خاصة على المستوى الإعلامي) قطعت الصورة مرحلة طويلة لتصبح رديفة للخبر بل وتتفوق عليه في بعض الأحيان. في هذه الأثناء بدا الإعلامي العربي، في الغالب، مرتبكاً تجاه ما يجري، وما أكثر الصور التي بثتها الوكالات الإعلامية الغربية بطريقة تشوه ثقافتنا وقضايانا واستخدمت بنفس المفهوم والرؤية لتحقق عن غير قصد في أكثر الأحيان، وعن تواطؤ وتعمد في أحيان أخرى، أغراضاً تتنافى مع قضايانا وعدالتها. ذلك أن غير قليل من المؤسسات الإعلامية تعاملت مع الصورة بوصفها مجرد (شارحة للخبر) في حين أنها تملك من الرهانات المعرفية والدلالية ما يحتاج منا إلى وضع آليات قرائية تمكننا من فهم طبيعتها، ومعرفة أنواعها، وتحليل مكوناتها، وتسنين لغتها، على ما يقول (الألسنيون)، الذين يعنون في دراساتهم بالبحث في سيميائيات الصورة.

العزلة والعمى
المفارقة العجيبة تتمثل في أن الصورة التي يفترض فيها المصداقية يتم استخدامها أحياناً لسرد الأحداث وفق رؤية أو تصور معين، وخلال ذلك، يجري إعدام كل ما لا يتفق مع هذا التصور وفي أحسن الأحوال تنحيته وإخفاءه. وهكذا تتم شرعنة الكثير من الصيغ السياسية والثقافية والمجتمعية التي غالباً ما يتم استخدام الصورة لتكريسها. ولقد تطورت تقنيات التلاعب بالصورة وتوظيفها في تثبيت وجهة نظر معينة إلى حد يصعب اكتشافه في أحيان كثيرة، من هنا تأتي الدعوة إلى ضرورة عدم الوثوق بكل ما يراه المرء من صور والحرص على تبين الرسائل المقصودة التي تبثها، ولا يمكن لهذا أن يتم إلا بامتلاك ناصية الوعي بتقنيات الصورة وماهيتها التي تتيح لنا قراءتها قراءة صحيحة لا تلك القراءة التي يُراد لنا قراءتها.
الغريب أن شيوع وسائل الاتصال وتعميمها لتصبح في أيدي غالبية البشر، لم يفلح في إنجاز ذلك التواصل الإنساني والاجتماعي بين أهل العولمة، وهو الهدف الذي يجري التمسح بأذياله ليل نهار لبيان بركات التطور التقني وفوائده، بل العكس تماماً، كما يجمع معظم الباحثين المتخصصين في هذا الحقل، صار هذا الإنسان المعولم أكثر عزلة وانتبذ مكاناً قصياً عن الآخرين، وهو يزداد يوماً بعد يوم توحداً مع عالمه الشخصي وعزلته الباذخة. وهو المعنى الذي يؤمئ إليه دوبرييه حين يتحدث عن “طوفان الصور الذي يحاصر الفرد المعاصر “ مؤكداً أنها “بدلاً من أن تشحذ الرؤية فإنها تسبب العمى”.
ويبدو أن لا شيء ينجو من هذا الطوفان، بما في ذلك الكرامة الإنسانية التي يجري امتهانها باستمرار في صور الحروب والموت المجاني، وتوظف سياسياً لكي يجري عبرها الاحتفاء بالقوة المجردة وتجلياتها بغض النظر عن الأخلاق، ويصير العنف حقيقياً أو مجازياً وسيلة للتسلية والترفيه، وبالمرة غرس الصورة المطلوبة حول (العنف الديموقراطي) الذي ملأ الشاشات أثناء اجتياح غزة أو في الحرب على العراق التي قدمتها الشاشات كما لو أنها لعبة إلكترونية مسلية على حد تعبير سوزان سونتاغ. لكن كل ذلك لا يعني، ولا يجب أن يعني، أن نكون سلبيين في التعاطي مع ما يحيط بنا. وليس المطلوب لعن العولمة ومفرزاتها والانكفاء على الذات أو الانغلاق طلباً للأمان وتحاشياً للأخطار، بل المطلوب أن نتعاطى بكفاءة ووعي مرهف مع المستجدات البصرية كلها، خاصة في حقل الصورة، ووضع الاستراتيجيات الناجعة لاستثمار ممكناتها خارج ما ترتئيه استراتيجيات المؤسسات الرأسمالية الكبرى والكارتلات الإعلامية وغيرها من قوى النفوذ التي تسعى جاهدة للتحكم في مسارات العولمة ومآلاتها. ولا ينبغي لهذا “الاشتباك الثقافي” مع العولمة وأدواتها أن يصرفنا عن الأهمية غير المحدودة التي تتمتع بها الصورة، وسطوتها، وأثرها الهائل على المتلقي، وعن ضرورة استثمارها في خدمة قضايانا والدفاع عن صورتنا وذاتيتنا الحضارية في عالم بات يؤمن بالصورة كما لو أنها دين جديد له.
وفي موقف كهذا، يصح المثل القائل: لا يفل الحديد إلا الحديد، مع تحوير بسيط يجعله هكذا: لا يفل الصورة إلا صورة أخرى مقابلة أكثر تعبيراً وأبلغ أثراً... فهل نصنع صورتنا أم نترك غيرنا يصنعها؟!.


قبعة كلمنتيس

يروي ميلان كونديرا في كتابه “الضحك والنسيان”، حكاية شديدة الايحاء عن تزوير الصورة ولا تخلو من وخزة ألم لأنها تفوقت على تزوير الصورة عبر التأويل وتجاوزته إلى محاولة إلغاء أو نفي واقعة حدثت بالفعل، أي أنها مارست نوعاً متقدماً من التزوير.
أما الحكاية فهي عن الزعيم الشيوعي كلمنت قوتوالد الذي كان يخطب في الجماهير المحتشدة أمام قصر الباروك في مدينة براغ التشيكية في شهر فبراير من عام 1948. وقد أخذه الحماس ولم يكترث بنزول المطر ولا بتساقط الثلوج، وكان مكشوف الرأس فسارع مساعده الأيمن كلمنتيس وكان يقف إلى جانبه إلى نزع قبعته ووضعها على رأس الزعيم، وتعالت أصوات الجماهير إعجابا وتقديرا وضجت الساحة بالتصفيق لهذا المشهد المثير، والتقطت الصحافة تلك الصورة التاريخية لتلصق بعد ذلك على جدران المدينة وقاعات الدرس، وكل المؤسسات العامة، فضلا عن تضمين المقررات الدراسية لها. فعلمها الشاهد والغائب، المتعلم والجاهل، الصغير والكبير. بعد أربع سنوات اتهم كلمنتيس بالخيانة العظمى وأعدم شنقا، وكان على مهندسي إعادة كتابة التاريخ وفق الرواية الرسمية، أن يعيدوا ترتيب الأوضاع كما تقتضيها الظروف الطارئة، وكما تقتضيها “مصلحة الحزب والوطن”، فعمدوا إلى محو صورة كلمنتيس، ولكنهم وقفوا عاجزين أمام قبعته التي استعصمت بمكان آمن واستعصت عن التزوير.
ظلت هذه القبعة شاهدة على التلاعب بالأحداث والاستخفاف بعقول الناس، فالجميع يعرف أن تلك القبعة القابعة فوق رأس قوتوالد هي قبعة كلمنتيس.

أشهر الصور التي استعصت على التزوير:
قتل الفسطيني محمد الدرَّة

حظيت الصورة التي وثقت مشهد قتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة بانتشار واسع، وتركت أثراً عميقاً في الضمير العالمي، حتى باتت نموذجاً صارخاً على أبشع أنواع الانتهاك التي يمارسها الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين وكرامتهم الإنسانية. لقد أصابت صورة الدرة (صورة) الديموقراطية الإسرائيلية في مقتل، وبات واضحاً للكثيرين لا سيما المدافعين عن حقوق الإنسان أنها مزعومة، ولهذا ثارت ثائرة الإسرائيليين وروجوا أن محمد الدرة طفل إسرائيلي وقتله الفلسطينيون!!!.
أكثر من ذلك، لم يتورع رجل أعمال يهودي عن العبث بهذه الصورة وتزويرها لتأكيد زعمه بأن الدرة طفل يهودي، فأضاف الطاقية الصغيرة التي يرتديها اليهود على رؤوسهم على رأسي الدرة ووالده. لكن الصورة صمدت أمام الادعاء ورفضت التزوير. وما كان من المحكمة إلا أن رفضت الدعوى التي أقامها هذا الرجل، بل وفرضت عليه غرامه لادعائه الكاذب بعد كشف عمليات التلاعب.

اقرأ أيضا