صحيفة الاتحاد

ألوان

فضل البكاء في القرآن والسنة

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً* وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} (سورة الإسراء الآيات (107-109).
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآيات السابقة: [{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} أي ?العلماء ?الذين ?قرؤوا ?الكتب ?السالفة ?من ?صالحي ?أهل ?الكتاب ?إذا ?سمعوا ?القرآن ?تأثروا ?فخرّوا ?ساجدين ?لله ?رب ?العالمين?، ?والجملة ?تعليل ?لما ?تقدم ?والمعنى: ?إن ?لم ?تؤمنوا ?به ?أنتم ?فقد ?آمن ?به ?من ?هو ?خيرٌ ?منكم ?وأعلم {?وَيَقُولُونَ ?سُبْحَانَ ?رَبِّنَا ?إِن ?كَانَ ?وَعْدُ ?رَبِّنَا ?لَمَفْعُولاً} ?أي ?يقولون ?تنزَّه ?الله ?عن ?إخلاف ?وعده ?إنه ?كان ?وعده ?كائناً ?لا ?محالة {وَيَخِرُّونَ ?لِلأَذْقَانِ ?يَبْكُونَ ?وَيَزِيدُهُمْ ?خُشُوعاً} ?أي ?ويخرُّون ?لناحية ?الأذقان ?ساجدين ?على ?وجوههم ?باكين ?عند ?استماع ?القرآن ?ويزيدهم ?تواضعاً ?لله، ?قال ?الرازي: ?والفائدة ?في ?هذا ?التكرير ?اختلاف ?الحالين ?وهو ?خرورهم ?للسجود ?وفي ?حال ?كونهم ?باكين ?عند ?استماع ?القرآن] (?صفوة التفاسير للصابوني 2/‏‏179)?.
من المعلوم أن للقرآن الكريم منزلة قدسية رفيعة، وفضائل جليلة مهيبة، منشؤها أنه كلام الحق سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو العاصم من الضلال لمن تمسَّك به واعتصم بحبله المتين، فهو الكتاب الذي ربط بين جميع المسلمين، وكان دستورهم في شئون دينهم ودنياهم، والروح الذي أحيا أموات أفئدتهم، وأزال الغشاوة عن قلوبهم، والنور الذي أضاء لهم الطريق وسلكوا به سبيل الهدى والرشاد.
هناك أدلة كثيرة من القرآن الكريم تُرَغِّبُ في البكاء:
- قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً* وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} (سورة الإسراء الآيات (107-109). وهناك أدلة كثيرة من السنة النبوية الشريفة تُرَغِّبُ في البكاء، منها:
- عَنْ أَبِي ?هُرَيْرَةَ– ?رضي ?الله ?عنه- ?عَنْ ?النَّبِيِّ - ?صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ?وَسَلَّمَ- ?قَالَ: (?سَبْعَةٌ ?يُظِلُّهُمُ ?اللَّهُ ?فِي ?ظِلِّهِ يَوْمَ ?لا ?ظِلَّ ?إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ ?الْعَادِلُ، ?وَشَابٌّ ?نَشَأَ فِي عِبَادَةِ ?رَبِّهِ، ?وَرَجُلٌ قَلْبُهُ عَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، ?وَرَجُلانِ ?تَحَابَّا فِي ?اللَّهِ: اجْتَمَعَا ?عَلَيْهِ ?وَتَفَرَّقَا ?عَلَيْهِ، ?وَرَجُلٌ ?طَلَبَتْهُ ?امْرَأَةٌ ?ذَاتُ ?مَنْصِبٍ ?وَجَمَالٍ، ?فَقَالَ: ?إِنِّي ?أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ ?تَصَدَّقَ، ?أَخْفَى ?حَتَّى ?لا ?تَعْلَمَ ?شِمَالُهُ ?مَا ?تُنْفِقُ ?يَمِينُهُ، ?وَرَجُلٌ ?ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً ?فَفَاضَتْ ?عَيْنَاهُ) (أخرجه البخاري)?.
-وعَنْ ابن عباس– رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (أخرجه الترمذي).
لقد أرشدنا ديننا الإسلامي الحنيف إلى ضرورة التدبُّر والخشوع عند تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه، كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (سورة ص الآية (29)، قال الإمام الشوكاني– رحمه الله – في تفسير الآية: (وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبُّر والتفكُّر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبُّر) (فتح القدير4/‏‏533)، ولذلك يقول ابن القيم– رحمه الله-: (ولهذا أنزل الله القرآن لِيُتَدَبَّر وَيُتَفَكَّر فيه، وَيُعْمَل به، لا لمجرد التلاوة مع الإعراض عنه) (مفتاح دار السعادة ص215). وذكر الإمام ابن حجر في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري: (قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ‏? ?مَسْعُودٍ- ?رضي ?الله ?عنه- ?قَالَ: (قَالَ ?لِي ?النَّبيُّ ?-صَلَّى ?اللَّهُ ?عَلَيْهِ ?وَسَلَّمَ-: «?اقْرَأْ? ?عَلَيَّ» ?قُلْتُ: يَا ?رَسُولَ ?اللَّهِ، ?آقْرَأُ ?عَلَيْكَ ?وَعَلَيْكَ ?أُنْزِلَ؟ ?قَالَ:?»?نَعَمْ»?، ?فَقَرَأْتُ ?سُورَةَ ?النِّسَاءِ ?حَتَّى ?أَتَيْتُ ?إِلَى ?هَذِهِ ?الآيَةِ? {?فَكَيْفَ ?إِذَا ?جِئْنَا ?مِنْ ?كُلِّ ?أُمَّةٍ ?بشَهِيدٍ ?وَجِئْنَا ?بكَ ?عَلَى? ?هَؤُلاءِ ?شَهِيداً} ?قَالَ: «?حَسْبُكَ ?الآنَ»?، ?فَالْتَفَتُّ ?إِلَيْهِ، ?فَإِذَا ?عَيْنَاهُ? ?تَذْرِفَانِ). (أخرجه البخاري).
يتضح من الحديث السابق تأثر الرسول– صلى الله عليه وسلم– وخشوعه حتى ذرفت عيناه الشريفتان، وقد ذكر الإمام ابن حجر في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري: (قال ابن بطّال- رحمه الله-: «إنما بكى– صلى الله عليه وسلم– عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمرٌ يحق له طول البكاء».
وذكر الإمام النسائي في سننه في كتاب السهو، باب البكاء في الصلاة، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزيزِ المِرْجلِ– يعني: يَبْكِي-) (أخرجه النسائي).