الاتحاد

الملحق الثقافي

مارادونا·· اليد الإلهية للإيطالي ماركو ريزي

ماركو ليوناردي في دور مارادونا وحوار مع المخرج ماركو ريزي

ماركو ليوناردي في دور مارادونا وحوار مع المخرج ماركو ريزي

للكاتب والروائي التشيكي كافكا عبارة كابوسية ومدوخة يسردها في إحدى شذراته أو اعترافاته، يقول فيها ''أينما ذهبت، تلاحقني الموجة السوداء''!· وفي فيلم المخرج الإيطالي ماركو ريزي الذي يتناول قصة نجاحات وإنتكاسات اللاعب الأرجنتيني الأشهر في العالم ''دييجو أرماندو مارادونا'' تظهر ثيمة المياه السوداء في أكثر من مشهد ولقطة، بحيث تتحول هذه الثيمة إلى جرح بصري ونفسي يموج في ثنايا الفيلم ويتشكل كنمط إجرائي وتحليلي، وكمنفذ أيضا للتنقل بين المحطات الصاخبة لنجم التانغو واللغز المرهق لأقرب الناس إليه، قبل أن يتحول إلى اللغز الأكبر لجماهيره وعشاقه في أرجاء العالم· والسينما كفن يستند على دراما الحياة وجنون السرد وسحر الصورة، استطاعت أن تعثر في الحياة الشخصية والسرية للمشاهير على كنوز هائلة من القصص والشائعات والحقائق والاعترافات التي تخدم المادة الدرامية للفيلم الروائي والتسجيلي على السواء، ومن هنا تأتي أهمية فيلم ''مارادونا·· اليد الإلهية'' المصنف كشريط ''دوكيودراما''، ولكنه وفي شكله التعبيري العام يبدو منحازا أكثر لجماليات السينما الروائية بأبعادها وتلويناتها الدرامية المتعددة، على عكس ما يحدث عادة مع الطرح المباشر والصادم والأحادي للفيلم التسجيلي·
اتكأ عنوان الفيلم على حادثة الهدف المثير للجدل والذي سجله مارادونا بيده في مرمى المنتخب الإنجليزي العام 1986 بنهائيات كأس العالم في المكسيك، وهو الهدف الذي علق عليه مارادونا قائلا: ''سجلت الهدف بمساعدة اليد الإلهية''، وهي إجابة تختصر المعنى العميق للشغف المحيط بلعبة كرة القدم في أميركا اللاتينية، فهو شغف يمزج وبكل براءة وعفوية بين الأرضي والمقدس، وبين الحقيقي والمتخيل، وهو ما درجت على تفعيله الذاكرة الميثولوجية الخصبة لشعوب الأنكا والأزتكيك وحضارات الماء والذهب· فالأرجنتين التي خرج مارادونا من معطفها السحري هي بلد روائيين كبار مثل خوليو كورتاثار وارنستو ساباتو وباولو كويلهو، وهي مهبط الخيالات المتدفقة لحالمين وثائرين مثل تشي غيفارا وايفا بيرون وغيرهم من الأساطير الحية الذين تمددت وتضاعفت أعمارها القصيرة في المدونات الخالدة كالكتب والروايات والأفلام والذاكرات الفنية المضادة لعنف الزمن وجبروت الموت والنسيان·
نبعت فكرة الفيلم من مرجعية شغف وإعجاب شخصي من مخرج الفيلم المولود بنابولي الإيطالية عندما كان مارادونا يلعب لفريق المدينة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، وتحول مع كثرة الإنجازات والانتصارات إلى أيقونة نابولي وملهمها الأول وأحد أبطالها الأسطوريين·
السبب الثاني الذي دفع المخرج للعمل على الفيلم هو تشريح الحالة النفسية لمارادونا، وذلك للخروج بإجابة حاسمة على سؤال إشكالي ومحير وهو: هل كان مارادونا مذنبا أم هو ضحية لمؤامرات ودسائس وألاعيب قذرة مارسها ضده أباطرة وتجار الكرة في إسبانيا ثم في إيطاليا وأخيرا في دهاليز الفيفا·
الإجابة التي سردها الفيلم في هذا الشريط الحافل بالتأويلات كانت إجابة مبطنة تتعدد معها التفاسير والمقولات والمقاربات الشخصية والعامة·
ففي الربع الأول من زمن الفيلم يتجول المشاهد بصريا في مدينة ''فيلا فيورتو'' الفقيرة، مسقط رأس مارادونا والأرض التي أنجبت وسط الغبار والعنف والبؤس أحد أبرز الاكتشافات اللامعة في عالم كرة القدم· في إحدى لقطات الفيلم نستمع لمكتشف موهبة مارادونا في ملاعب الطفولة الترابية وهو يقول: ''هذا لاعب من كوكب آخر''·
النصف الثاني من زمن الفيلم يذهب بنا إلى المحطات الإحترافية لمارادونا والتي بدأت مع فريق العاصمة أرجنتينيوس، ثم مع فريق برشلونة الإسباني الذي بدأ معه ولى رحلاته المنهكة مع الجنس والإدمان، وأخيرا مع فريق نابولي الذي قاده مارادونا إلى عصر ذهبي لن يتكرر لا على مستوى الإنجاز العام للفريق، ولا على مستوى الانتكاسة الشخصية الكبرى لمارادونا، والذي تسبب الصراع الشرس بين مافيات الكرة في إيطاليا إلى توريطه والتشهير به في فضائح إعلاميه خصوصا بعد تحوله إلى مدمن شره على مادة الكوكايين·
أما الربع الأخير من الفيلم فيتناول العام 2000 وما بعده، والذي شهد فترة صحية حرجة اقترب فيها مارادونا من الموت أكثر من مرة، وكانت غرف العناية المركزة، وأروقة مستشفى التأهيل النفسي والأمراض العقلية هي الملعب الداكن الذي تحركت فيه كاميرا المخرج هذه المرة، واستطاعت أن تلتقط صورا قاسية ومؤلمة لرجل سمين مقيد بأعمدة السرير ومحاط بشبح الجنون والموت والنهايات المرة·
في إحدى اللقطات المؤثرة يقول مارادونا لزوجته الغاضبة وهي تزوره في المستشفى: ''الكل هنا مجانين، أحدهم يقول أنا نابليون، فيصدقونه، ويقول الآخر: أنا البابا، ويصدقونه، وعندما قلت لهم إنني مارادونا، لم يصدقني أحد''!
عزف الفيلم أيضا على وتر الطفولة البائسة لمارادونا وسط عائلة فقيرة وأب متسلط يكره كرة القدم ويريد لإبنه مستقبلا أكاديميا يخفف من أعباء العائلة، ويموج الفيلم باستراجاعات حلمية وكابوسية لحادثة سقوط الطفل مارادونا في البئر أثناء بحثه عن الكرة التي ركلها خارج المنزل ليلا ووسط الأمطار الغزيرة، هذا الحلم الواقعي المفزع ظل يطارده في لحظات بؤسه القصوى عندما أصيب بأزمة قلبية بعد تناوله لجرعة زائدة من الكوكايين، الحلم ذاته ظل يتكرر في مشاهد انتكاسية أخرى في مستشفى الأمراض العقلية، وفي لحظة حرمانه من المشاركة في كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية العام 1994 بسبب فضيحة المنشطات والتي يعلن الفيلم صراحة بأنها تهمة ظالمة، كان سببها خطأ مباشر من طبيب مارادونا الذي اشترى دواء شبيها بدواء المنشطات العادي الذي يتناوله لاعبو الكرة، ولكن التركيبة الأميركية كانت مختلفة هذه المرة، وهناك إشارات وتلميحات أخرى يوردها مخرج الفيلم عن مؤامرة خفية حاكها المسؤولون في الاتحاد الدولي للكرة (الفيفا) بعد التصريحات الساخنة التي هاجم فيها مارادونا القائمين على الفيفا واتهمهم بالاهمال والتقصير في حق الكرة الأفريقية واللاتينية·
عموما فإن فيلم ''مارادونا·· اليد الإلهية'' لماركو ريزي يختلف في طرحه وأسلوبه السينمائي عن الفيلم التسجيلي الذى قدمه المخرج الشهير أمير كوستاريتزا حول حياة مارادونا وعرض في مهرجان كان العام الماضي، حيث لجأ ريزي إلى صنع فيلم مصاغ بتكنيك روائي محكم واعتمد في ذلك على ممثلين محترفين وآخرين هواة من إيطاليا والأرجنتين، واستطاع من خلال التوزيع الزمني المرن والمتبادل بين الأحداث والأجواء القديمة والأخرى الحديثة أن يلامس نقاط الصراع في شخصية مارادونا، وبكل انعطافاتها الموزعة على طفولة مغيبة وشهرة مفاجئة وعلاقات عائلية مترابطة وأخرى ممزقة، كما حفل الفيلم بمكملات بصرية وموسيقية من صميم التراث الأرجنتني، والاغتراب الأوروبي، أما مارادونا نفسه فلم يظهر إلا في اللقطات الأرشيفية ومع أهدافه الشهيرة في إسبانيا وإيطاليا والأرجنتين وبطولات كأس العالم·
قدم الفيلم حياة مارادونا السرية والمغلقة على هوى عشاق السينما ولم يغفل في ذات الوقت البحث عن مخرج وخلاص وغفران عالمي لهذه الأسطورة الحية التي شغلت الدنيا والناس ومازالت إلى اليوم تشيع سحرها في الذاكرة المتجددة للفن والكرة·

اقرأ أيضا