صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ماذا لو عاد الشهداء؟!

مشهد من مسرحية «أنت لست غارا» (من المصدر)

مشهد من مسرحية «أنت لست غارا» (من المصدر)

تقاسمت معظم المسارح العربية، مواقيت وأشكال وظروف بداياتها، قبل نحو قرن من الزمان تقريباً، وبالتالي تشاركت في انشغالاتها وطموحاتها بخاصة في المراحل الأولى. في حقبة الستينيات والسبعينيات على سبيل المثال، انشغلت اغلب المسارح العربية بالقضية الفلسطينية، وهناك أسماء مسرحية عديدة، من كافة انحاء الوطن العربي، بدت أوثق ارتباطا من سواها كما أنها راكمت تراثاً مسرحياً ثرياً حول هذه القضية، مثل هارون هاشم رشيد، أحمد باكثير، الفريد الفرج، سعد الله ونوس، يسري الجندي، كاتب ياسين، وسواهم.

على مدى الوقت، لم يكف الانشغال ب «أم القضايا»، ولكن إلى جانبها كانت وما تزال العديد من القضايا والتحديات التي ظلت المسارح العربية تتناولها أو تناقشها وتقاربها، ولعل من بين تلك القضايا، التي اتصل بعضها بالماضي وانفتح بعضها الاخر على الحاضر، قضية الاستشهاد دفاعاً عن الوطن أو التضحية بالنفس لأجل الآخرين.

انشغال جزائري
في هذا الباب، يمكن الوقوف على العديد من الأعمال المسرحية المنجزة في عواصم البلدان العربية، التي كان همّها تمجيد وتثمين تضحيات وبسالة الشهداء، ويبدو التاريخ المعاصر للمسرح في دولة مثل الجزائر، التي تعرف ب «بلد المليون شهيد»، الأكثر لفتاً في هذا السياق، إذ شهد العديد من العروض المسرحية في هذا الاتجاه.
ففي الدورة الأخيرة من مهرجان بجاية الدولي للمسرح الذي اختتم مطلع الشهر الجاري (نوفمبر 2015)، استحضرت سيرة الصحافي الجزائري الشهيد ميلود فرعون في عرضين (جزائري وآخر فرنسي)، تناغماً مع احتفالات البلاد بالذكرى 61 لنيل الاستقلال، والعمل المسرحي الذي قد جرى اعداده من يوميات كان نشرها فرعون في الصحافة، خمسينيات القرن الماضي، وهي تصور مثابرات رجالات ثورة التحرير الجزائرية في مراحلها المختلفة، وقد قدمها العرض بمزيج من التوليف والسرد والموسيقى، بحيث بدت أشبه بأنشودة احتفاء بالصحافي ورفاقه في تلك الأيام.
ما لا يمكن غفله في هذا السياق هو أن المسرح الجزائري يعد الأبرز بين المسارح العربية في اختبار وفحص سؤال «الشهادة»، وخلال السنوات الخمس الماضية قدم هذا المسرح اشكالاً لا حصر لها من الاقتراحات المسرحية لمقاربة هذا الموضوع، واغلبها بدا لافتاً في جرأته وصراحته. علينا أن نتذكر أن الجزائر غير أنها خاضت ثورة تحريرية استغرقت وقتاً ليس بالقصير (1952 1962)، هي ايضا عاشت حرباً أهلية استغرقت عشر سنوات 1992 2002. من هنا، يظهر المسرح الجزائري الحديث، أكثر صلةَ، من سواه، بسير الشهداء وأشكال تضحياتهم ولكن أيضا بمقامهم لدى الأحياء الذين ينعمون بالسلم والامان.. وبالحياة!

«عودة الشهداء»
في 1973 كتب الروائي والقاص الجزائري الراحل الطاهر وطار (1936 2010) قصة قصيرة بعنوان «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» ونشرت في اطار مجموعة قصصية بعنوان القصة ذاتها 1974 في بغداد، لقد حولت تلك القصة منظور العديد من المبدعين العرب إلى موضوع «الشهادة والشهداء»، الذي كان يكتسي قداسة خاصة ويقتصر على تثمين وتقدير ما قدمه أولئك الذين بذلوا أنفسهم دفاعاً عن الوطن. بعد نشر القصة قام المخرج والكاتب المسرحي الجزائري الراحل محمد بن قطاف (1939 2014) بإعدادها مسرحياً لتقدم فوق خشبة المسرح الوطني بإخراج الزياني شريف، ولاقى العرض صدى واسعاً على الصعيد المحلي كما ظفر بالجائزة الكبرى في مهرجان قرطاج المسرحي في تونس 1988.
ومنذ ذلك الحين، قدم العمل مرات عدة، ولعل آخر نسخة لها عرضت في 2011 بتوقيع المخرجة الجزائرية صونيا، وفي ذات السنة تصدى الفنان السوري أيمن زيدان لإخراج العمل مسرحياً في بيروت، ولكن تحت عنوان «راجعين».
يمكن تلخيص مضمون العرض بطرح السؤال التالي: ما الذي سوف يحصل لو عاد الشهداء؟ العم عابد يأتيه أبنه الشهيد في الحلم ويقول له إننا سنعود في ظرف أسبوع، ولا يكذب العم عابد الخبر ويمضي بين الناس متكلماً عن عودة الشهداء في ظرف أيام. ويستكشف العمل من خلال مواجهته لاناس يمثلون طبقات وإدارات عدة في المدينة باحتمال عودة الشهداء في ظرف اسبوع، بيروقراطية الجهاز الحكومي المعيقة وأشكال الفساد الإداري والخدمي وغبار الزيف الذي اندفنت الحقائق تحته، بجملة واحدة يكتشف عم عابد أن عودة الشهداء غير مرغوبة لدى الجميع (لا أحد يرحب بعودتهم. لا المخلص ولا الانتهازي، لا المناضل، ولا الخائن. هؤلاء الناس ما بهم؟).

« شهيد التين»
في 2013 قدم المخرج والكاتب الإماراتي عبد الله صالح، ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية، مقاربة مغايرة لهذه التي يمكن أن نلاحظها في عرض «الشهداء يعودون..»، وذلك في مسرحية اختار أن يعنونها «شهيد التين»، والتين هي قرية في مكان وزمان لم يحددهما العرض. ونرى هنا أن صورة الأب المحزون من حال البلاد التي دفع ابنه روحه فداءً لها، يتحول ذلك الأب الوفي في عرض « شهيد التين» إلى انتهازي يعيش ويتصرف مستثمراً استشهاد ابنه في الحرب التي خاضتها القرية ضد قرية أخرى.
كان الابن دفع دفعاً إلى الحرب، من أبيه، الذي سيعرف لاحقا بين أهالي قرية التين ب « أبو الشهيد»، وسيتحول منزله إلى محج، جميع أهالي القرية يزورونه ويغدقون عليه الهدايا، بخاصة من الوالي ومساعديه، وهو كسب ود شرائح القرية المختلفة واحترامهم. لكن زوجته أو «ام الشهيد»، بقيت مكروبة ومقبوضة بالحزن والأسى على فراق ابنها.
في لحظة ما، وتحديداً بعد أن يحظى الأب بمنصب كبير من الوالي، يعود الابن معلناً أنه لم يستشهد في تلك المعركة، وتتصاعد المواجهة بين الابن والأب والأم، فالأب، وقد تملكه الخوف من أن يفقد الامتيازات التي نالها من كون ابنه استشهد، يلح على أن يرحل ولده وألا يظهر للناس الذين ظنوا أنه استشهد، في حين تصر الأم على أن يبقى ابنها، ويتوتر الأمر بين الثلاثة ويصل مداه الأبعد حين يجد الأب أن قتله ابنه أهون عنده من أن يعرف الناس أنه لم يستشهد!

«أنت لست غارا»
في السنة ذاتها، أي 2013، وضمن عروض أيام الشارقة المسرحية أيضا، قدم محمد العامري رؤية إخراجية متميزة لمسرحية الكاتب التركي عزيز نيسين الموسومة «أنت لست غارا»، وهي تكاد لا تختلف إلا في بعض الجزيئات عن المسرحية الفائت ذكرها. فهنا أيضا يعود من احتسب شهيداً، ويقلب الأمور رأسا على عقب. اما الشهيد العائد فهو يدعى «غارا» الذي يدخل إلى المدينة ليرى أمه وبيت عائلته بعد غياب استمر لسنوات عدة، إذ به يجد أنه اُعتبر شهيداً، وها هي المدينة تحتفل اليوم بتنصيب تمثال يجسد بطولته هو الذي لم يكن يوماً بطلاً بل مجرد سارق وسكير لا يتردد في التنقيب في جيوب رفاقه الذين استشهدوا في ساحة الحرب بحثا عن المال.
لكن، لا أحد في المدينة، بخاصة المسؤولين، يريد أن يصدق أن هذا «غارا» الحقيقي، فلقد رسموا صورة الرجل كما شاءوا بحيث لا يقدر حتى «غارا» نفسه على تغييرها. يجري التحقيق مع الرجل ويعذب ولكنه في كل مرة يثبت انه هو هو ولا أحد سواه، ومع إصراره الشديد يحاول أحد المسؤولين رشوته حتى يغادر المدينة ولكنه يوحي بقبوله الرشوة ثم يعود ملحاً على دخول المدينة، فيُقتل ويدفن تحت التمثال الذي نصب لتخليده!

«افتراض ما حصل فعلاً»
ثمة عرض كان انتجه «مسرح أم البواقي» في الجزائر وهو بعنوان «افتراض ما حصل فعلا» وهو من إخراج لطفي بن السبع ويمضي في الاتجاه ذاته وهو يقارب بحس كاريكاتيري قصة (المارشال) الذي أقام نصباً ضخماً للجندي المجهول ولم يجد جندياً وسط جنوده ليخلده به، فجيشه كلما خاض حربا عاد ظافرا ومن غير قتيل، ولما كان المارشال متعجلا لتدشين نصبه التاريخي فأنه يلح على مستشاره أن يساعده فلا يجد الأخير سوى جثة جندي من جيش مدينة صغيرة اعتدى عليها جيش المارشال أخيراً، ولكن الجثة الغريبة تنتفض أمام المارشال ومستشاره وترفض أن تكون جزءاً من الكذبة! النص الذي كتبه العراقي علي الزيدي تجلى على الخشبة برؤية إخراجية مبدعة اعتمد خلاله لطفي السبع على أجساد الممثلين وأزيائهم في تخليق قطع ديكورية حية ونابضة منها، فثمة تشكيل يظهر بعض الممثلين في هيئة كرسي وهناك لوحة أخرى تظهر الممثلين في هيئة مدرج أو سلم وثمة أسرّة إلخ.. وخلقت هذه الحلول السينوغرافية الجسدية، حوارية ملفتة بين المرئي والملفوظ فوق الخشبة.

وجدت ثيمة الشهيد طريقها إلى المسرح وشهدت خشبته تمجيد تضحيات الشهداء
..........................
المسرح الجزائري يعد الأبرز بين المسارح العربية في اختبار وفحص سؤال «الشهادة»
..........................
الإماراتي عبد الله صالح في «شهيد التين» يعالج قضية المنتفعين من الشهيد