صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

سادَةُ الخشبة

لاجئات سوريات يقدمن مسرحية «نساء طروادة» ليوربيدس (أرشيفية)

لاجئات سوريات يقدمن مسرحية «نساء طروادة» ليوربيدس (أرشيفية)

ربما كان فن المسرح من أكثر الفنون الجماهيرية قدرة على تشخيص الواقع، وأكثر خصوصية في تناوله موضوع الشهادة والشهيد، كما أن له خصوصية في تقاطعه مع الثورات ونضالات الشعوب التي تفرز هذا المعنى، بل وتمنحه ملامح، ومع أن الأعمال العربية التي تناولت هذا الموضوع في إطار إنساني خلاّق قليلة، إلا أن بعضها توازى مع المفهوم الإسلامي العميق للشهادة في تعالقها الجوهري مع قضية العدالة.

من بين الأعمال المسرحية اللافتة مسرحية «سليمان الحلبي» التي كتبها المصري ألفريد فرج عام 1965، وفيها تتساوى فكرة الشهادة مع قضية العدالة أكثر، حينما يدرك الشاب السوري «سليمان الحلبي 1777 - 1800» أنه طرف في لعبة الصراع السياسي بحكم تكوينه العربي والاسلامي، وبالتالي كان عليه الاختيار الواضح والدقيق لينهي قلق الأسئلة التي تدق رأسه وأن يجيب على السؤال المحوري للمسرحية: هل يمكن للضعيف أن ينتصر على الأقوى المستبد؟ وبهذا الارتكان يؤسس ألفريد فرج الفعل السياسي الخلاق والمبدع الذي يأتي من الفعل وردّ الفعل- مستعمر يبطش ويجبي وردة فعل مجتمعية رافضة.. وفي هذا الجدال يتواجد الحلبي الذي اطلع وتعرف على جوانية الشارع المصري وعلى أنماط المصريين.. فيراكم ويستنهض حركة التاريخ وتؤرقه قضية العدالة من خلال ما راكمه من واقع مادي فيقتل الجنرال كليبر تنزيهاً للعدل وبعدل حسب ما يرى كذلك من تناقض بين البغي وما يجب أن يكون ويعلن أن القتل مساوٍ للعدل، وبعد أن اغتال الحلبي الجنرال في مكتبه، اختبأ في إحدى الحدائق القريبة. لكنهم استطاعوا القبض عليه ممسكاً بخنجره. حكم عليه تسعة ضباط في محكمة صوريّة بالموت، ثم أصبح استشهاده في هذه الحالة مرادفا لفعل قومي عربي، ما زال محفورا في ذاكرة التاريخ.

ثورة الجزائر
ويبدو أن رمزية الثورة الجزائرية قد تجسدت في المسرح العربي من خلال رمزية البطلة الأسطورة «جميلة بوحيرد» قد تجسدت في العديد من المسرحيات الجزائرية والعربية، وابرزها المسرحية الشعرية التي كتبها المصري عبد الرحمن الشرقاوي، عام 1961 بعنوان « مأساة جميلة « وقدّمها المسرح القومي في القاهرة بتوقيع المخرج « حمدي غيث «. تروي المسرحية قصة ومسيرة بوحيرد مع النضال والاعتقال والصمود تحت التعذيب، ثم محاكمتها، فيتعادل موقف الشهيدة الحيّة النضالي الذي كاد يفضي إلى الموت مع فكرة القومية، وموضوع القدرية والتضحية بالنفس من أجل الأمة والاستقلال، ولنا أن نقرأ هذا الكلام الجميل الذي قالته جميلة بوحيرد بعد أن حكم عليها بالاعدام: «كان أجمل يوم في حياتي لأنني كنت مقتنعة بأنني سأموت من أجل أروع قصة في الدنيا. ?وما زلت أذكر أننا عدنا من قاعة المحكمة إلى السجن، وصرخ الإخوة المساجين يسألوننا? ?عن مضمون الحكم... أجبنا بالنشيد الذي ينشده المحكومون بالإعدام ومطلعه: (الله اكبر? ?تضحيتنا للوطن) كنت أنا وجميلة بوعزة... وكانت لحظة مؤثرة فآلاف وآلاف الأصوات رددت? ?معنا النشيد محاولة تشجيعنا».

ليلة مصرع جيفارا
ربط الشاعر والكاتب الفلسطيني معين بسيسو 1926– 1984 موضوعة الشهادة بمفهوم التضحية وأنها قد تتعادل مع مفهومنا لها إذا ارتبطت بهدف نبيل، من خلال مسرحيته « ليلة مصرع جيفارا» التي أسقط موضوعها على الشهيد الفلسطيني، تقع المسرحية في ثلاثة فصول، يعرض الأول فيها حياة البؤس للفلاحين في قرية بوليفية. وقد اختار بسيسو أسلوب كسر الحائط الرابع عند بريخت (كسر المسافة بين الجمهور والممثلين) في صياغة هذا الفصل بغرض إدخال الجمهور في اللعبة المسرحية كون القضية المطروحة ما زالت قضية معاصرة حية يعيشها الناس بكافة فئاتهم، ومن ثم ثورتهم ضد الطغيان والاستبداد، بينما يعرض الفصل الثاني عملية مطاردة جيفارا متكئا فيه الكاتب على أسلوب وتكنيك الاسترجاع المسرحي (الفلاش باك) التي جربها الكاتب الأميركي الراحل (آرثر ميلر) في مسرحيته (بعد السقوط) وذلك لاستحضار أحداث وقعت في الماضي ولم يكن بالإمكان استحضارها على خشبة المسرح دون هذه التقنية، بينما يستعرض الفصل الثالث عملية القبض على جيفارا ومن ثم اغتياله بطريقة مؤسية قاسية.

ملحمة الشهداء.. اليمنية
في المسرح اليمني المعاصر، ثمة أوبريت مسرحي نوعي يتقاطع مع معنى الشهادة، بعنوان «ملحمة الشهداء» وهو عمل جماعي لأعضاء فرقة مسرح عدن المسرحية، يلقي الضوء على الأحداث التي جرت في المحافظات الجنوبية بشكل عام وعدن بشكل خاص، وموقعها من حملة التحالف العربي لإعادة الشرعية إلى اليمن، وتطرح المسرحية قضية الشهادة استنادا إلى مفاهيم دينية وإنسانية، تسمح بالقتال ضد المفسدين والطامعين، تطبيقا لقوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله– الحجرات – 9).

فضاءات متعددة
من فن المونودراما (مسرحية الممثل الواحد) تجاوز المسرح التونسي رؤيته نحو معنى الشهادة ليربطها بأفق متعدد الفضاءات من ثقافة التطرف والعنف، وذلك في عرض مسرحي بعنوان (أم سلوان) نص وتمثيل وإخراج التونسية « ليلى طوبال) بعثت من خلاله عديد الرسائل الواضحة لأصحاب القلوب السوداء والرايات السوداء، لأصحاب ثقافة الموت والفناء، وخلاصة الرسائل أنّ هذا الوطن لنا، وأنّ مشروعكم لن يزرع في أرض الزيتون وأنّ هذيانكم وفتاواكم ومذهبكم: سرطان لا ملك إلا أن نستأصله ونحاكمه ثم نرميه وراء النسيان والتاريخ، كما نعت طوبال من خلال عرضها المسرحي شهداء تونس، وفي حديثها عن شهداء الواجب، فتحت جرحا كاد أن يغلق، جرحا اسمه شهداء تونس، رابطة معنى الشهادة بالارادة والتصميم والتحدي، وكان مفاد الرسالة ضرورة مواصلة الطريق دون خنوع أو استسلام، وأنّ الإرادة تصنع المعجزات، وتوعّدت أصحاب الرايات السوداء بكل تفرعاتهم أنها لهم بالمرصاد.
إن المعنى الجليل للشهادة قد يتخذ له صيغا معادلة كالتضحية والواجب والحرية ومفهوم العدالة، وكأنها بذلك تتوازى وتتقاطع مع معنى الشهادة، التي ظلّت قيمة إنسانية نبيلة تتشوّف إليها المجتمعات والحضارات على مرّ عصورها، حتى قامت من أجلها الثورات وبذلت في سبيلها النفوس والتضحيات، على النحو الذي قد نلمسه مثلا في مسرحية « السّيد « للفرنسي بيير كورني 1606 - 1684، وكتبت عام 1636، وتصوّر مقتضيات الواجب والشرف لدى بطلها «دون رودريغ» الذي يختار التّضحية بنفسه من أجل تحقيق عدالة وطنية تعود لمصلحة الأمة.
ومن أهم المسرحيات التي عالجت حكاية الشهيد مسرحية «ألاقي زيك فين يا علي» للممثلة الفلسطينية رائدة طه والمخرجة اللبنانية لينا أبيض عن قصة والدها الشهيد علي طه الذي اختطف مع ثلاثة من رفاقه عام 1972، طائرة سابينا البلجيكية التي كانت متجهة من العاصمة فيينا إلى مطار اللد في تل أبيب، وانتهت العملية باستشهاده ورفيقه عبد الرؤوف الأطرش، واعتقال تريز هلسة وريما عيسى اللتان شاركتا في العملية.?
ينتمي العرض الذي تم تحضيره على مدى عامين، وكتبت نصه رائدة طه في إطار إنساني يجمع الضحكة بالدمعة، في إطار مفهوم الكوميديا السوداء أو الدراما العائلية، فقد تقمصت بطلة العرض الوحيدة جميع الشخصيات، لكي تجعل من علي طه أباً وحسب، ومن خلال إعادة ترتيب ذاكرتها على المسرح تحدثت عن والدتها الأرملة بعد الرحيل المفجع، وكيف واجهت الأسرة صعوبات الحياة، ثم تعود بالذاكرة إلى الباب المخلوع حين اضطرت الأم إلى استبدال قفله تفادياً لسطوة اللصوص، وسرت شائعات أن الأب لم يمت، بل يقبع في أحد السجون الإسرائيلية، فيما راح يتراءى لها، محاولاً دخول منزله ولا يقوى، لم يسلموا جثته، وجرت له جنازة رمزية، وظل التابوت فارغاً. ثم تروي رائدة من خلال تقمصها لشخصية عمتها سهيلة، المرأة الصلبة التي تعيش بين القدس والخليل وكيف تحدت الجميع، وقابلت هنري كيسنجر بطلب وحيد: تسلم جثة أخيها لدفنه بعد سنتين من حفظها في الثلاجة، ليتم دفنه في تراب فلسطين. على أن أهم ما في هذا العمل الرصين، هو الطريقة الشاعرية التي فتحت بها رائدة الابنة البكر لعلي طه، دفاتر العائلة، فقد كسرت هالة الشهيد وصورته النمطية الأسطورية، لتواجه بصراحة مؤلمة حقيقة اليتم والفقد والوحدة والحرمان بعد رحيل الأب، الذي لا يعوّض غيابه كنوز الدنيا.?

تمجيد
ربما يكون المسرح الأغريقي على قدمه (220 ق. م– 550 م) من أهم المسارح التي قدّمت ثيمة التضحيات في الحرب، من خلال بعض تراجيديات (يوريبيدس 480 – 406 ق. م) وبخاصة «نساء طروادة» وتتبعها للمصائر المأساوية لضحايا الحرب بين أثينا وطروادة، وما قدّمنه من تضحيات في الأسر أو الموت من أجل بلدهن. وفي «الضارعات» لأهم كتاب المأساة الأغريقية إسخيلوس 525 - 524 ق. م، وأضفى من خلالها على نساء رفضن قدرهن نوعا من الصوفية، مناقشا بجرأة موضوعة الصراع الحاد بين إرادة الانسان الحرة وقوة القدرة ممثلا بالالهة في ذلك الوقت، وإلى جانب ذلك لجانب إرادة الآلهة وعناء البشر هناك دائما قوة القضاء التي تحتم على الناس وآلهتهم في النهاية أن يستسلموا ويقبلوا مصيرهم صاغرين، لتصبح التضحية هنا معادلا موضوعيا لموقف إنساني.


الحلاج ومأساته
مأساة الحلاج مسرحية شعرية من تأليف الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، تناول فيها شخصية المنصور بن حسين الحلاج، المتصوف الذي عاش في منتصف القرن الثالث للهجرة. تتكون المسرحية من فصلين سماهما عبد الصبور أجزاء. الجزء الأول: «الكلمة» والجزء الثاني:«الموت»، وتعد هذه المسرحية، حتى الآن، أروع مسرحية شعرية عرفها العالم العربي. وهي ذات أبعاد سياسية؛ إذ تدرس العلاقة بين السلطة المتحالفة مع الدين والمعارضة، كما تطرقت لمحنة العقل، وأدرجها النقاد في مدرسة المسرح الذهني، ورغم ذلك لم يسقط صلاح عبد الصبور الجانب الشعري، فجاءت المسرحية مزدانة بالصور الشعرية ثرية بالموسيقى.
أهم ما ميز هذه المسرحية، التي نشرت عام 1966، هي نبوءتها بهزيمة 67؛ إذ مثلت صوتاً خارجاً عن السرب في مرحلة كان فيها الأدب العربي يعيش أحلامه القومية مع المد الناصري، وكانت الرموز السائدة هي تموز وأساطير البعث الفرعونية والفينيقية والبابلية، فكان عبد الصبور الوجه الآخر من هذه الموجة الثقافية من خلال شخصية الحلاج.