صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«أبْطال» بنكهة الخيال

لقطة من فيلم 300 (أرشيفية)

لقطة من فيلم 300 (أرشيفية)

الشهيد في اللغة هو الحاضر والشاهد والعالم الذي يبين ما علمه، والشهيد من أسماء الله الحسنى ومعناه الأمين والرقيب. الشهادة إذاً قيمة كبيرة سامية تحمل في مضمونها معاني خالدة متجذرة في الضمير الإنساني العالمي، وقد شكّلت وتشكل مادة ثرية لكثير من الأفلام السينمائية في كل العالم وفي كل الثقافات التي تغنت بقدسية الشهادة والتضحية، وترجمت ما يمثله المقاتل المدافع عن الوطن من معاني الشهادة والبطولة، وأهمية المقاومة في سبيل حرية الوطن وكرامته، كما أظهرت عظمة الوطن، وكيف يستبسل المقاتلون على كل الجبهات، في العالم كله، للدفاع عنه، من دون أن يعيروا بالاً للثمن الذي يدفعونه حتى وإن كان حياتهم، وكذلك أظهرت كيف يتعامل الناس مع مفهوم الشهادة.
قدمت السينما، بعد الحرب العالمية الأولى، وبشكل واضح مع الحرب العالمية الثانية، مشاهد لا تُنسى، ومواقف شكلت ذاكرة الأمم ووجدانها. من تلك الأفلام ما امتلك هويته الخاصة والمتفردة، ومنها، وهو الكثير، ما حرص على اتباع منهج المزج بين الخط السياسي والنضالي والخط الإنساني كما وشى بعضها بمشاهد توثيقية أكسبها التأثير الحي على الجمهور.‏‏
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أخذت سينما الحرب في التطور بشكل أكبر وباتجاهات مختلفة، فبدأت بطرح قضايا البطولة والتضحية خدمة للوطن، وقد كان لبريطانيا دور مهم في هذه الأفلام، والتي كان العديد منها يستند إلى قصة حقيقية مثل «محطمو السد» عام 1954، يمتد إلى السماء «عام 1956» دنكريك «عام 1958» و«قصة دوغلاس بادر» و«غرق البسمارك» عام 1960.
ومن الجدير ذكره أن معظم الأفلام الحربية الشهيرة تم إنتاجها بعد فترة من انتهاء الحرب لأنها في كثير من الأحيان كانت تستند إلى الروايات الشعبية عن الحرب وقصصها المختلفة. وقد قدمت هذه الأفلام فائدة كبيرة للمجتمعات العالمية كافة، إذ إنها غطت جميع جوانب الحرب ومتطلباتها وظروفها، وجسّدت حب الوطن والتضحية من أجله ومن هذه الأفلام: «الأسود الصغيرة» عام 1958، «العاري والميت» عام 1958، «بكاء الحرب» عام 1955.

والاس.. الثائر الاسكتلندي
يصور فيلم «القلب الشجاع»، 1995، ملحمة وليام والاس الذي قاد المقاومة ضد الإنجليز المحتلين لاسكتلندا إبان حروب استقلال اسكتلندا. وبدأت أسطورته في التوسع حيث انضم لميليشيا والاس آلاف المتطوعين الاسكتلنديين. قاد العديد من المعارك الناجحة ضد الإنجليز، لكن قبض عليه عن طريق الخيانة.
وفي لندن، حوكم والاس على اقترافه خيانة عظمى، بالعذاب المطهِّر. وفي حديقة لندن، عذب والاس، بصلبه، وبقر بطنه ونزع أحشائه. وخوفاً من شجاعة والاس، قام اللندنيون بالدعوة بالرحمة له، وأشار والاس للقاضي أنه يريد أن يقول كلمة أخيرة مستعملاً في ذلك ما تبقى من قواه الجسمية، وصرخ بكلمة (الحرية)، ويتحول استشهاده البطولي إلى دافع عظيم لشعبه لكي يقود المعركة ضد الإنجليز والتحرر منهم.

الساموراي.. حالة مشرفة
فيلم «الساموراي الأخير»، فيلم أميركي ملحمي دارمي. نيثن ألغرين النقيب الأميركي الذي تدخل شخصياً، في نزاع وصراع جعله يحتك مع محاربي الساموراي في الصين، في أعقاب فترة استعادة وسيطرة الإمبراطور ميجي على اليابان في القرن التاسع عشر. استلهمت قصة الفيلم من ثورة ساتسوما عام 1877م الذي قادها سايغو تاكاموري.
إن استشهاد الساموراي في سبيل الإخلاص لملكه وبلده يقدم نموذجاً إنسانياً فريداً، وحالة مشرفة للاستشهاد إخلاصاً للمبدأ والوطن، الأمر الذي يكبره الضابط الأميركي الذي كان قد انضم للساموراي في حربه على الفساد والأنانية.

بطولة
تدور أحداث الفيلم الأميركي إنقاذ الجندي رايان في فترة الحرب العالمية الثانية حول عملية إنقاذ بطولية تقوم بها مجموعة صغيرة يرأسها النقيب جون ميلر (توم هانكس) للعثور على المجند رايان لإعادته إلى الوطن بعد مقتل 3 من أشقائه في نفس الحرب الدائرة، كرمى لطلب أمه الثكلى التي لم يبقَ لها غيره. ويجسد الفيلم قيمة البطولة والتضحية كقيمة إنسانية عالية، وهو من أشهر الأفلام المعروفة بتصويرها الواقعي لمعارك الحرب العالمية الثانية، وبتجسيدها لمعاني البطولة والفداء. حيث يخاطر الجنود بحياتهم ويتحركون غير آبهين للنيران الكثيفة. الفيلم مستوحى من رسالة كتبها إبراهام لينكون لمواساة أم قتل أبناؤها الخمسة في الحرب الأهلية الأميركية.
كما قدمت هوليوود قصة قديمة في فيلم حديث نسبياً وهو «300». فيلم ملحمي مبني على رواية مصورة تحمل نفس الاسم للكاتب فرانك ميلر يستعيد أحداث معركة (ترموبيل) عندما قام ملك إسبرطة ليونيداس و300 محارب من إسبرطة بالقتال حتى الموت بمواجهة خشايارشا وجيشه الفارسي الأسطوري؛ لتنشأ إثر هذه المعركة أول ديموقراطية في العالم، تقوم على بطولة جنودها وتضحياتهم.

إذكاء الشعور الوطني
أما السينما الروسية فقد قدمت أروع الأفلام التي تصور البطولات في الحرب العالمية الثانية، ووثقت لأروع قصص الشهادة والتضحية في سبيل الوطن. فيلم المحيط الخامس (1940) لإيسيدور أنينسكي حول الطيارين في سلاح الجو، وفيلم في مؤخرة العدو (1941) ليفغيني شنايدر حول الحرب السوفييتية – الفنلندية. وفي خريف عام 1942 ظهرت أولى الأفلام الروائية الطويلة حول الحرب، مثل فيلم إيفان بيرييف سكرتير لجنة المنطقة عن نضال الأنصار من المواطنين السوفييت في المناطق التي احتلها العدو. لقد أصبح النضال في سبيل استقلال الوطن المحتوى الرئيسي لحياة الناس، وغدت تعبئة القوى الروحية للشعب المهمة الأساسية للفن السوفييتي، واحتلت الأفلام الإخبارية عن الحرب المرتبة الأولى باعتبارها السينما الأكثر أهمية آنية.

أفلام مقاومة
في بداية الحرب العالمية الثانية كانت حكومات الدول المتورطة في الحرب هي المسؤول الأول عن إعلام الحرب، وكان لابد لها من تقديم القصة المشوقة التي تنتهي بزرع قيمة أخلاقية مهمة للمرحلة أكثر من أي وقت آخر، هي قيمة الإخلاص والتضحية في سبيل الوطن، في ضمير الوعي المجتمعي.
كان فيلم «سيبزغ النهار» عن المقاومة النرويجية، وفيلم «غداً سنعيش» يصور المقاومة الفرنسية للمحتل المعتدي، بينما أظهر فيلم مثل «فقدنا واحدة من طائراتنا» أفراداً من المقاومة الدانمركية يعرضون حياتهم لخطر الموت لإنقاذ مجموعة من رجال الجيش البريطاني. يموت الجبناء مرات عديدة قبل أن يأتي أجلهم، أما الشجعان فيذوقون الموت مرة واحدة.
وقيل: خلقت أكتاف الرجال لحمل البنادق فإما عظماء فوق الأرض وإما عظاماً في جوفها.

الطريق إلى إيلات
قدمت السينما العربية الحديثة شطراً لا بأس به من إنتاجها للاحتفاء بالبطولة والشهادة، من بينها فيلم: «الطريق إلى إيلات»، وهو فيلم مصري روائي إنتاج العام 1993، تدور أحداثه إبان حرب الاستنزاف العام 1969. يحكي الفيلم تفاصيل عملية فدائية نفذتها مجموعة من الضفادع البشرية التابعة لسلاح البحرية المصري، وهاجموا ميناء إيلات الحربي وتمكنوا من تدمير سفينتين حربيتين، والرصيف الحربي (السفينتان كانتا تهاجمان المواقع المصرية في البحر الأحمر بعد استيلاء القوات الإسرائيلية على سيناء)، ثم عودتهم سالمين بعد إتمام مهمتهم بنجاح، بخسارة شهيد واحد، ويظهر الفيلم تضحيتهم وبطولتهم ويعلي قيم الشهادة والدفاع عن الوطن.