صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

العرب يطلقون الأمل في السلام والإسرائيليون يرفضون الاستجابة




معين أحمد محمود:

أقر القادة العرب المبادرة العربية للسلام، واختتموا قمتهم التاسعة عشرة في الرياض بالتأكيد على تمسكهم بالمبادرة من دون أي تعديل لإنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي، وإقامة السلام الشامل والعادل في المنطقة، في الوقت نفسه بادرت الدولة العبرية إلى تجديد رفضها للمبادرة حسب ما جاء على لسان نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي ''شيمون بيريز'' يوم 29 مارس 2007 حيث أعلن رفض الدولة العبرية للمبادرة العربية، وقال ''بيريز'' في تصريح إذاعي: ''من المستحيل القول عليكم أن تقبلوا بما نعرضه كما هو· المفاوضات لن يكون لها معنى في حال وافقت إسرائيل على هذه المبادرة ''معتبراً أن الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين لن يتوصلوا إلى أية نتيجة من خلال الإملاءات''·
كما اعتبر وزير الشؤون الاجتماعية وعضو الحكومة الأمنية الصهيونية ''أسحق هرتسوغ'' أن ''إسرائيل لديها مشكلة مع هذه المبادرة بشأن عودة اللاجئين'' مضيفاً أنه ''من المستحيل أن تقبل إسرائيل كذلك المواقف العربية بحرفيتها بشأن حدود الدولة الفلسطينية المقبلة'' ووصف ''سيلفان شالوم'' عضو تكتل ليكود اليميني المعارض قمة الرياض بأنها ''مخيبة للآمال''، مدعياً أن ''البلدان العربية لا تقترح سلاماً فعلياً، لأن القبول بهذه المبادرة يعني نهاية دولة إسرائيل''·
وهكذا فإن الدولة العبرية لا تترك فرصة للتنصل من التزاماتها تجاه العملية السلمية إلا وتستغلها، حيث تجد براعة في تحاشي نقطة التلاقي، أو حتى تقديم لغة مقبولة في طريق التفاوض المغلق حتى إشعار آخر· وما يبدو في قضية الصراع العربي - ''الإسرائيلي''، أن حكومة ''إيهود أولمرت'' لا تقبل العودة إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل وتسعى جاهدة الى تبديد الآمال بإمكانية عقد المفاوضات في وقت لاحق· فهي قبل الحديث عن أي من ملفات قضية الشرق الأوسط·· بدأت تشكك في المبادرة العربية، وأكدت رفضها لبنودها التي تلامس السقف الأدنى في صياغة اتفاق سلام شامل مع الدول العربية بأنه لا تبقى لإسرائيل ذريعة إزاء القلق على أمنها ووجودها في المنطقة·· الأمر الذي يؤكد غياب الرغبة الصهيونية الفعلية للمضي قدماً في تسوية الأوضاع الراهنة في معادلة التنازلات المتبادلة التي تحكم أية مفاوضات ممكنة·
التلاعب الإسرائيلي
إن هذا الترويج الإسرائيلي الرافض لمبادرة السلام العربية يؤكد التلاعب الإسرائيلي بالدول العربية، خصوصاً وأن الرفض الإسرائيلي للمبادرة العربية ببنودها الأساسية كحق عودة اللاجئين الفلسطينيين ووصفه بالشروط المسبقة، لا يعني سوى محاولة تسوية سلمية بشروط صهيونية مسبقة، خاصة وأن قضية اللاجئين الفلسطينيين تمثل جزءاً لا يتجزأ من قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، بل ونقطة الخلاف المركزية في الخلاف السياسي بين الدول العربية والكيان الصهيوني· إن القفز فوق هذه الحقيقة، يترك ألغاماً في الجانب العربي، ويحيل مشكلة اللاجئين بكل أبعادها الإنسانية عن كاهل الدولة العبرية، ويمهد الطريق لتصفية القضية الفلسطينية من محتواها، بإبقاء الخلاف في نقطة هامشية تصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل·
لقد فضحت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية تل أبيب ومن يقف وراءها مجدداً حيث قال ''إسماعيل هنية'' ما لم يقله غيره من قادة ''حماس'' من قبل، كالقبول بدولة فلسطينية ضمن حدود العام ،1967 أي اعتراف ''حماس'' بقراري مجلس الأمن رقم 242 و،383 وبوضوح أكبر القبول بالشرعية الدولية التي ترفض التوسع الصهيوني إلى ما وراء حدود الرابع من يونيو 1967 التي تتنكر لها الدولة العبرية ولا تأبه بها ما دام حضن واشنطن ملاذاً آمناً لها· أما ما قاله ''اسماعيل هنية'' عن الحق الفلسطيني في الدفاع المشروع عن النفس ومقاومته الاحتلال، فقد كان ثقيلاً على سمع وزيرة الخارجية الأميركية ''كونداليزا رايس'' وهي الأستاذة المحاضرة سابقاً التي لا تجهل التاريخ الأميركي الذي تعد مقاومة المحتل من أنصع صفحاته·
إن الدرس الذي يتكرر في علاقة العرب بالولايات المتحدة هو أنه كلما خطا العرب والفلسطينيون نحو السلام والمصالحة التاريخية مع الدولة العبرية يقابلون بلاءات أميركية -''إسرائيلية'' لا تعني سوى أن واشنطن وتل أبيب لا تريدان إحلال السلام في المنطقة فهما يريدان سلاماً ناقصاً وعلى الورق فقط، من دون روح ومن دون تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، بما يمكن الدولة العبرية من السيطرة على الأرض والماء والسماء·
قرارات قمة فاس
هذا ما يذكرنا ويعيدنا إلى ما كان عليه الأمر مع قرارات قمة فاس في العام 1982 والتي اعتبرتها كل من واشنطن وتل أبيب كوباً فارغاً، مع أنها كانت قبل ربع قرن خطوة عربية كبيرة نحو حل الصراع العربي - ''الإسرائيلي''، وجاءت في وقت كان فيه رفض اتفاقيات ''كامب ديفيد'' أحد محددات السياسة العربية إزاء الصراع مع إسرائيل·
وفي هذا السياق لابد من إعادة التذكير بأن ما نصت عليه قرارات تلك القمة ( قمة فاس 1982 ) هو قبول العرب للمرة الأولى وبصورة جماعية بوجود إسرائيل ككيان سياسي وقانوني في المنطقة العربية، ومع هذا قوبلت تلك القرارات بفتور ولا مبالاة في واشنطن من قبل إدارة الرئيس ''رونالد ريجان'' الذي لم يحرك ضميره ما ألم بالفلسطينيين في مجزرتي ''صبرا وشاتيلا'' في الشهر نفسه الذي اتخذت فيه قرارات قمة فاس في سبتمبر عام 1982 على يد ''الديمقراطية'' الصهيونية و''مونتسكيو'' الدولة العبرية آرييل شارون· كان لمونتسكيو أثر كبير في أوروبا وأميركا، فيما يتجاهله الآن أحفاد جورج واشنطن الذين يكثرون الحديث عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان· كان عهد الرئيس ريجان هو الذي دشن رسمياً وعلنياً التعاون الاستراتيجي الأميركي الصهيوني ومقولة الشؤم بالنسبة لنا ''أنه لم يخدم رئيس أميركي إسرائيل مثل هذا الرئيس''· والتي استمرت حتى عهد الرئيس جورج بوش الأب والرئيس ''بيل كلينتون'' والرئيس الحالي جورج بوش الابن، ويعتبرها كل سيد في البيت الأبيض وساماً يحرص على نيله، والتي فتحت الباب أيضاً لمزيد من خدمة مصالح الدولة العبرية غير المشروعة على حساب المصالح المشروعة العربية· ومنذ عهد الرئيس ريجان وكل رئيس أميركي يوّد أن يتفوق على سلفه بتقديم كل الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري لتل أبيب، وهذا ما يشكل دعماً للموقف الصهيوني الرافض للتسوية·
التمسك بزمام المبادرة
إن تبني قمة الرياض لمبادرة السلام العربية دون تعديل والدعوة لتحرك عربي لتسجيلها في الأمم المتحدة لتكون مرجعاً للسلام بالشرق الأوسط يشكل موقفاً عربياً متقدماً تجاه عملية السلام وتجاه دعم الفلسطينيين، لذلك المطلوب وضع هذه التوصية موضع التنفيذ الفوري وإنشاء آليات فعالة لتحريك عملية السلام بالمنطقة وكسر جمود التعثر الذي شابها خلال الفترة الماضية· ومما لا شك فيه أن حالة الانفراج الدولي تجاه الفلسطينيين بعد اتفاق مكة المكرمة التي بمقتضاها تم تكوين حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وأزيل بمقتضاها الغموض في المواقف السياسية للفصائل الفلسطينية تجاه عملية السلام ستعزز الموقف العربي الموحد بعد تبني القادة العرب للمبادرة العربية بالإجماع بحيث أصبحت إطار لأية تسوية مع الدولة العبرية·
كل هذا يقتضي تغيير الأسلوب المتبع بتفعيل عملية السلام المتعثرة حالياً من خلال تكوين فرق عمل عربية لإجراء الاتصالات مع الرباعية الدولية وأعضاء مجلس الأمن والأطراف المعنية من أجل شرح المبادرة العربية مما يؤكد أن العرب قد بدأوا في الطريق الصحيح للتعامل مع قضية السلام والقضية الفلسطينية· ولذلك فإن التحرك يجب أن يشمل المنظمات الإقليمية والدول النافذة لخلق لوبي عربي موحد والضغط على المجتمع الدولي لإرغام إسرائيل للدخول في مفاوضات سلام جادة تكون مبادرة السلام العربية هي أساسها·
وأخيراً، فإن تطورات الأوضاع العربية الإقليمية والدولية وحتى على الصعيد الفلسطيني قد وفرت فرصاً يتطلب من العرب استثمارها للإمساك بزمام المبادرة عربياً وفلسطينياً خاصة بعدما فشلت إسرائيل في كسر إرادة الفلسطينيين رغم كل أنواع الحصار والاجتياحات والتنكيل· ومما يعضد الموقف العربي هو قبول حركة حماس المبادرة العربية وتأكيد رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل دعم الحركة للإجماع العربي بخصوص عملية السلام، وهذا يتطلب من العرب موقفاً أكثر حزماً تجاه دعم الفلسطينيين، سياسياً ومالياً والاعتراف الصريح بالحكومة الفلسطينية والتعامل معها ورفع الحصار المفروض على الفلسطينيين فوراً·