الاتحاد

عربي ودولي

هل تتغير السياسة الفرنسيّة حيال العالم العربي؟




باريس - الاتحاد:

أسابيع ويتغيّر الوجه الكبير في الاليزيه· عربياً، بدا واضحاً أن هناك شيئاً ما من ''شارل ديجول'' في ''جاك شيراك''· علاقات وثيقة مع العديد من البلدان العربيّة، وإن كانت العقدة الأميركية تلازم، عادة، ورثة الجنرال· هذه ليست حال ''نيكولا ساركوزي'' الذي قفز فوق العرب، وقال: أميركا و··· إسرائيل· أما ''سيجولين رويال'' التي تنتمي إلى ثقافة أكثر رقّة، فهي من الضروري أن تحبّ إسرائيل، لكنها بالتأكيد لا تكره العرب· بين ذاك وتلك·· هل يمكن أن تتغيّر السياسة الفرنسيّة حيال العالم العربي؟
هل تتغيّر السياسة الفرنسيّة حيال العالم العربي بعد ''جاك شيراك''؟ أسباب كثيرة للتقارب وللتباعد في آن· دائماً يُقال بوضع التاريخ على الرفّ حتى تعتزم الدول تفعيل العلاقات فيما بينها· الأميريكي ''جورج ويلز'' يقول ''إن للتاريخ أحياناً أسنان الديناصور''· إذاً، لا مجال لاستعادة بعض مشاهد الحرب الصليبيّة، ولا حملة ''نابليون بونابرت'' على مصر، ولا مشهد الأسطول الفرنسي وهو يضرب الجزائر عام ،1830 ناهيك عن سنوات الانتداب في لبنان وسوريا·
ولكن هناك دوماً ديناميّات للتفاعل· عرب كثيرون ساهموا في إثراء الأدب الفرنسي، لا بل إنّ علماء اللغة يؤكدون وجود 4 آلاف مفردة عربيّة في اللغة الفرنسيّة· قد تكون هذه بداية جميلة لعلاقات خلاّقة، وإن كانت لعبة المصالح تتقدّم أي شيء آخر في العلاقات الدولية··
تمشي في جادة الشانزليزيه الباريسية الشهيرة ليلاً: كلّ اللهجات العربيّة دون استثناء· فعلاً كما لو أنك في مدينة عربيّة· برج بابل عربي· هذا أثار هلع وزير الخارجية الأسبق ''شارل باسكوا'' الذي استصدر تشريعات قاسية إزاء الهجرة· ''نيكولا ساركوزي'' لا يبدو أقل توتراً حيال هذه الظاهرة، مع أنه هو، في الأساس، من أصل هنغاري· المقارنة غير جائزة هنا بين العربي الذي يتحدّر من ''يعرب بن قحطان'' والمجري الذي يتحدّر من ''بيلا الثالث'' الأعمى·
عقدة القامة
لطالما قيل إنّ ثمّة شيئاً من ''شارل ديغول'' في ''جاك شيراك''· عقدة القامة العالية، وإن كانت أرستقراطية الأخير جعلت لهجته الحازمة تبدو مخمليّة في الكثير من الأوقات· لسبب ما أحبّ العالم العربي· ربما لأنّ اللعب الاستراتيجي داخل الأدغال في إفريقيا مرهق وعبثي· لم يبق في القارة السوداء سوى الهياكل العظميّة المحطمة أو المزركشة· في العالم العربي الصورة مختلفة إلى حد بعيد: ثروات، وأسواق، ومستويات ثقافية لافتة، وإن كانت الفجوات السوسيولوجية لا تزال عميقة وجارحة في مناطق عدّة من القارة العربية· بالطبع، الرئيس ''شيراك'' يدرك ماذا تعني المنطقة بالنسبة إلى الأميركيين الذين -حسب تعبير وزير الطاقة السابق ''سبنسر ابراهام'' من أصل لبناني- يعتبرون أن النفط هو ''دمّ المستقبل''· وحين قامت إدارة الرئيس ''جورج دبليو بوش'' باحتلال العراق في ربيع عام ،2003 ألقى وزير الخارجية الفرنسي (آنذاك) ''دومينيك دو فيلبان'' في مجلس الأمن الدولي، كلمة خلطت بين الشعر والفلسفة والسياسة· صفق معظم الحاضرين، فيما تجهّم المندوب الأميريكي وراح يحدق في الأوراق التي أمامه· الثمن كان باهظاً: كل ما يمكن لـ''دو فيلبان'' أن يفعله هو الوصول إلى الماتينيون، أي مقر رئاسة الوزراء· أما الاليزيه فأمر مختلف·
مرشح ''الاتحاد من أجل الحركة الشعبية''، ''نيكولا ساركوزي''، يعرف، وكما تكتب ''لوكنار انشينه'' الساخرة، انّ ''الكاوبوي يقف عند صناديق الاقتراع''· هو الذي دفع ''ديجول''، في أواخر الستينات من القرن الماضي، إلى خارج الاليزيه· وذات يوم، حاول الاشتراكي ''فرانسوا ميتران'' ''تحرير'' بلاده من الظلال الأميركية· قال: ''لن أطلب الإذن من واشنطن إذا أردت السعال''· بعد حين اكتشف أنّ العالم تغيّر كثيراً من أيام ''بونابرت''· على الخشبة هناك أميركا ثم·· كل الآخرين·
''ساركوزي'' حدَّد الأصدقاء، الولايات المتحدة وإسرائيل· لم يذكر العالم العربي· هذه مسألة تأتي في سياق العلاقات مع الولايات المتحدة· المرشح اليميني بالغ في القفز فوق العرب· وقد تكون له حجّته ''اللغوية'' والأمنيّة أن يصف أولئك الذين شاركوا في حوادث الشغب في الضواحي، وجلهم من المغرب العربي، بالحثالة أو بالرعاع أو بالأوباش لأن الترجمة العربية للكلمة الفرنسية تحتمل أكثر من معنى سيء بطبيعة الحال·
الآن، اللحظة الانتخابية· تقول الـ''لوموند'': ''إن ميكافيلي لا القديس توما هو الذي يحكم هذه اللحظة''· صحيح، فـ''ساركوزي'' يدرك أن الأميركيين يؤثرون في الناخب الفرنسي، كذلك اليهود الذين هم أقلّ من العرب أو المسلمين بكثير في فرنسا· لكن المؤسّسة اليهودية أكثر من أن تكون فاعلة، لاسيما في القطاعين المصرفي والإعلامي، وصولاً إلى القطاع الصناعي·
أمّ الأزمات
بالتأكيد، رسم الرئيس ''شيراك'' خطاً فاصلاً بين فرنسا وإسرائيل، وإن اضطرّ لامتصاص ذلك النداء الراعب، والمهين، الذي وجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ''ارييل شارون''، إلى يهود فرنسا بالتوجُّه إلى أرض الميعاد· الرئيس الفرنسي استبدّ به الغضب في 22 اكتوبر عام 1996 عندما زار الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولاحظ كيف أنّ رجال الأمن الإسرائيليين ضربوا حوله طوقاً، فصرخ في وجههم: ''اغربوا عن وجهي''، معتبراً أن الموضوع ليس أمنياً بل استفزازياً· هو الذي يعتبر أن أزمة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هي أمّ الأزمات في الشرق الأوسط·
''سيغولين رويال'' هي ابنة ثقافة أكثر رقّة من ثقافة ''نيكولا ساركوزي''· عاشت كثيراً إلى جانب ''فرنسوا ميتران'' الذي كان يعتبر أن الأولويّة في السياسة للوردة الحمراء لا للمطرقة· ترفض التماهي الميكانيكي مع الولايات المتحدة، وتعتبر ذلك نوعاً من التبعيّة· بالطبع إنها ''تحب'' إسرائيل، ولكن دون أن تكره العرب، فداخل الحزب الاشتراكي هناك تراث من العلاقة الدافئة مع تل أبيب، حتى أنّ رئيس الوزراء الفرنسي الراحل ''غي موليه'' الذي كان صديقاً حميماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي ''دافيد بن غوريون''، هو الذي بنى مفاعل ديمونا لتعزيز الفاعلية الإسرائيلية في وجه الرئيس المصري الراحل ''جمال عبد الناصر''· مّن الذي يصنع العلاقات عادة: الأشخاص أم المصالح؟ ولكن هنا فرنسا، دائماً ثمّة لمسة ثقافية أو إنسانية في الأداء السياسي· ليس الجميع هكذا بطبيعة الحال· تقول ''سيحولين رويال'': ''العرب يفهمون جيداً الوجه النقيّ لفرنسا''· حاذرت أن تضع أصابعها العشرة في أزمة الشرق الأوسط، لكنها زارت بيروت والتقت ممثلين عن أطراف مختلفة، لتبدي افتتانها بـ''ذلك التنوّع الخلاّق الذي آمل ألا يتحوّل إلى صدام قاتل''·
''ساركوزي'' ما زال على مسافة من الثقافة العربيّة والإسلاميّة· حتى أنّ له موقفاً حاداً من مسألة الكتابات والرسوم المسيئة· ''سيجولين'' تعتبر ''إننا جميعاً تحت مظلة الله''· الشخص يلعب في فرنسا وفي كل مكان آخر، غير أن للمصالح لغتها أيضاً!

''أورينت برس''

اقرأ أيضا

الصادق المهدي يقترح مجلس سيادة في السودان بأغلبية مدنية ورئاسة عسكرية