صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أوروبا الظلاميّة

چيوردانو برونو حكم عليه بالإعدام حرقاً بسبب آرائه العلمية والفلسفية (الصور أرشيفية)

چيوردانو برونو حكم عليه بالإعدام حرقاً بسبب آرائه العلمية والفلسفية (الصور أرشيفية)

تاريخ الإنسان - كما أظهر لنا الفيلسوف العظيم هيجل - هو تاريخ تطور الوعي أو الروح. ولكن تطور الوعي لم يكن تلقائياً، وإنما كان سعياً نحو التحرر، بل صراعاً من أجله. وربما يتبادر إلى الأذهان هنا أن التحرر هو التحرر من عدوان أو سلطان خارجي لدول على دول أخرى، وهذا أبعد ما يكون عن الصواب؛ لأن التحرر الحقيقي الذي ساهم في نشأة الحضارات الإنسانية هو تطور الوعي الإنساني على أصعدته كافة، وأهمها: الوعي الفكري والعلمي والديني والفني أو الجمالي.

قامت الحضارات على تضحيات أبنائها من العلماء والمفكرين الذين دفع بعضهم حياته ثمناً لذلك، فكانوا بذلك شهداءً للفكر والعلم. كان سقراط شهيداً لتحرر الفكر والعقيدة في عصره حينما حُكِم عليه بتجرع السم بتهمة إفساد عقول الشباب. ولقد دخلت الحضارة الأوروبية الكلاسيكية نفقاً مظلماً في العصر الوسيط حينما سيطرت الكنيسة على توجهات العلم والفكر والفن: فلم يكن مسموحاً بأية نظرية علمية أو فلسفية، ما لم تكن على وفاق مع تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية. كما أن الفن - رغم روائعه في هذا العصر - ظل محصوراً في نطاق التعبير عن الموضوعات الدينية من خلال فن التصوير، أو تزيين واجهات الكنائس وأروقتها من خلال فن النحت.

بوادر النهضة
في هذا السياق الذي استمر قروناً طويلة، ظل الوعي الأوروبي يحاول الخروج من هذا النفق المظلم، ولاحت في الأفق بوادر عصر النهضة بعد الكشوف الجغرافية والمكتشفات العلمية التي جعلت الوعي الأوروبي ينفتح على أفق أكثر رحابة، وألحت رغبة قوية في التمرد على الكنيسة ودعم العلم والفكر، وهي مهمة ساندها أمراء المقاطعات الأوروبية، خاصة في إيطاليا. ولكن هذه الروح الجديدة الوثَّابة لم تستقر دون تضحيات دفع ثمنها العلماء والمفكرون. ولقد نشأ في هذا السياق الفيلسوف العالِم جيوردانو برونو الذي يمكن أن نعتبره بحق رمزاً لشهداء الفكر والعلم في عصر النهضة الأوروبية.
وُلِد جيوردانو برونو Giordano Bruno بالقرب من مدينة نابولي سنة 1548، وتوفي سنة 1600 بمدينة روما بإعدامه حرقًا، وبين مولده ومماته عاش حياةً مليئة بالأسفار في سائر أنحاء أوروبا بهدف تدريس نظرياته العلمية والفلسفية في كبرى الجامعات الأوروبية، ولكنه ظل طريدًا مهاجرًا من بلد إلى بلد ومن جامعة إلى أخرى؛ بسبب نظرياته المعبرة عن روح التمرد على النظريات القديمة المهيمنة على العلم والفكر الأوروبي، وهي النظريات التي تؤيدها الكنيسة وتُحرَّم الخروج عليها. كانت روحه الوثابة الطليقة تجسيدًا لروح عصر النهضة التي تسعى إلى الخلاص من الجانب المظلم في روح العصر الوسيط، والانطلاق نحو أفق جديد من تحرر العلم والفكر الذي هو مناط نشأة الحضارات أو بعثها من بعد مواتها وسكونها. وعلى الرغم ما أن برونو قد دخل ديراً للآباء الدومينكان في سن السادسة عشرة، مثل كثير من علماء ومفكري عصره الذين كانوا يتلقون العلم والمعرفة في الأديرة، إلا أنه قد خلع ثوب الرهبنة في الثامنة والعشرين من عمره، بعد أن حامت حوله الشبهات والتشكيك في عقيدته، فرحل إلى شمال إيطاليا يعطي دروسًا في علم الفلك لأبناء الأمراء والطبقة الثرية التي كانت تدعم الروح الجديدة. وقد ارتحل برونو إلى جامعات چن??، وتولوز بجنوب فرنسا، وباريس، وأكسفورد بانجلترا، وفتنبرج بألمانيا، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كانت دروسه تَلقى استحسانًا ذاع معه صيته، ولكنه لم يسلم من عداءات رجال الكنيسة الذين شككوا في مخالفة نظرياته للعقيدة، فأثاروا حول الشبهات التي تستدعي العقاب، بل إنه لم يسلم حتى من صغار العلماء والمفكرين الموالين للكنيسة، فأرسلوا بشأنه الشكاوى وحرضوا عليه رأس الكنيسة أو البابا في روما. وهو لم يسلم حتى من صغار التلاميذ الذين يشبهون الآن رجال الأمن الذين تزرعهم السلطة في العوالم المتخلفة: فبعد أن عانى من التعب والمطاردة، رجع إلى إيطاليا وطنه الأم، فقام بالتدريس في البندقية ومارس تدريس نظرياته في الفلك والفلسفة، التي كان يهاجم فيها فلسفة أرسطو وينتقدها انتقادًا لاذعاً، فما كان من أحد تلاميذه إلا أن شكاه إلى مجلس التفتيش الذي أمر باعتقاله لمدة ست سنين لعله يرجع عن آرائه المخالفة للعقيدة المسيحية، فاستدعاه البابا بعد ذلك وأمره بأن ينكر آراءه المخالفة للعقيدة المسيحية، ولكن برونو أصر على موقفه مؤكدًا أن رجال محاكم التفتيش يؤولون آراءه التي ليس فيها شيء يخالف روح العقيدة المسيحية؛ فكان جزاؤه الحكم عليه بالإعدام حرقاً.

تكفير معاصر
ومن عجائب الأمور أننا نجد في واقعنا الثقافي بعضاً من الكُتَّاب المسيحيين يتعاطفون مع مثل هذا الحُكم، على نحو يؤكد أن التكفير كان ولا يزال متأصلًا في فكرنا العربي، ومن هؤلاء- على سبيل المثال- الكاتب يوسف كرم الذي أصدر مؤلفات عن تاريخ الفلسفة في العصرين الوسيط والحديث، وهو كاتب يذكر كثيرًا من المعلومات الصحيحة فيما يتعلق بالوقائع والتواريخ، ولكن ما إن يصادف رأيًا يخالف ما يظنه عقيدة راسخة للمسيحية حتى يهاجمه باستخفاف وسخرية. ومن ذلك ما قاله عن برونو- في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة الصادر عن دار المعارف المصرية، والذي درس عليه للأسف كثير من الأجيال؛ إذ يبرر إحراقه بأن منهاج هذا العصر كان يحتمل هذا الضرب من الإعدام، وأن مذهبه بلا شك قد خرج على الدين خروجًا خطيرًا، وأنه «كان راهبًا معيبًا وفيلسوفًا مفتونًا، جوابَ آفاق، مشاكسًا مهاترًا». ( ص. 34). ولابد أن نتساءل: ما الذي فعله برونو ليلقى كل هذا العناء من الاضطهاد والملاحقة والاعتقال والموت حرقًا في النهاية.
لقد اختلف الشرَّاح والمؤرخون في تفسير مذهب برونو، ومن ثم في تبرير إعدامه، فتساءلوا: هل كان إعدامه بسبب نظرياته العلمية أم نظرياته الفلسفية؟ ومن ثم فقد ذاع هذا الخلاف: هل نعتبر برونو شهيدَ العلم أم شهيد الفلسفة؟! ولكننا نرى أن هذا السؤال هو مجرد سؤال أيديولوجي، أعنى أنه محكوم برأي أو بفكر صاحبه الذي لا ينطلق من تأمل الواقع الحي المعيش، بل يفرض عليه مقولات مسبقة تريد أن تضعه في أُطر معينة. فلنتأمل مذهب برونو من دون تحديد أية أطر مسبقة. وحينما ننحو هذا المنحى، فسوف نلاحظ أن مذهبه لا ينفصل فيه ما هو علمي عما هو فلسفي، وأن نظرياته في علم الفلم كانت - في حقيقة الأمر - وليدة رؤيته الفلسفية للعالم، بحيث لا يمكننا أن نفصل فيها بين ما هو علمي وما هو فلسفي، وتلك سمة أساسية كانت تميز طبيعة الفكر الموسوعي في عالم القدماء وفي عالم عصر النهضة وما تلاه؛ إذ كنا نجد الفيلسوف عالمًا والعالم فيلسوفًا. ولذلك فإننا نتساءل من جديد: ما حقيقة مذهب برونو الذي أودى به إلى الموت حرقًا؟!
كتب برونو مؤلفات عديدة في الفلسفة وعلم الفلك بوجه خاص، ومنها على سبيل المثال: «في العالم اللامتناهي وفي العالم» (سنة 1574)، و«في العلة والمبدأ الواحد» (سنة 1584)، و«في الكون اللامتناهي وفي العوالم» (سنة 1591). والواقع أن الارتباط الوثيق بين نظرياته الفلسفية ونظرياته العلمية هو ما يُشكِّل لُب مذهبه العام، وهو القول بنسبية المكان والحركة والزمان: فالمكان نسبي؛ لأننا نلاحظ أن الأفق يتغير ويختلف بانتقالنا في المكان، فالأفق يستدير دائمًا حول النقطة التي نوجد فيها، وشكل العالم سوف يختلف باختلاف النقطة التي نراه من خلالها، فمظهر العالم يبدو من الأرض غير مظهره من القمر أو الزُهرة أو من أي كوكب أو نجم؛ ولذلك فإن الكلمات الدالة على المكان- من قبيل: «يمين» و «يسار» و«فوق» و«تحت»- ليست لها أية دلالة مطلقة، وإنما لها دلالة نسبية فحسب. وهكذا تتغير مواقع الأشياء بحسب تغير الموضع الذي ننظر منه، أي بحسب انتقالنا في المكان؛ فالحركة تختلف باختلاف الكواكب التي ننظر منها إليها. وإذا كان الزمان مقياس الحركة كما ذهب إلى ذلك أرسطو، فإن ما لم يفهمه أرسطو - ومن نحا نحوه من الفلاسفة والعلماء طيلة العصر الوسيط - أن الزمان نسبي، ما دامت الحركة التي هي مقياس الزمان تكون نسبية؛ ومن ثم فإن العالم فيه من الأزمنة بقدر ما فيه من كواكب متحركة، والنتيجة النهائية من هذا كله هي أن العالم لامتناه. وقد كان لمذهبه هذا تأثير كبير على مذاهب الفلاسفة المحدثين، وشكلت فروضه مصدرَ إلهام لنظرية النسبية في العلم المعاصر.

التّهمة إيّاها
ولطالما قيل إن إعدام برونو كان بسبب هرطقته وإنكاره لجوهر المعتقدات المسيحية. وهناك براهين على أنه قد استمد أفكاره- العلمية والفلسفية والدينية- من مصادر مغايرة للمعتقدات المسيحية: كعلم الفلك عند العرب، والهرمسية، والأفلاطونية الجديدة، وبعض معتقدات المصريين القدماء. وأيًا كان الأمر، فإننا نرى أن الحكم بإعدامه، لم يكن فحسب بسبب إنكاره للمعتقدات الدينية المسيحية أو تأويله لها؛ وإنما بسبب أن أفكاره الفلسفية والعلمية تدحض النظرة الواحدية الثابتة للفكر والعلم، التي طالما آمنت بها الكنيسة ودافعت عنها؛ فالدفاع عن مركزية الأرض باعتبارها مركز الكون؛ ومن ثم الدفاع عن مركزية الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، كان بمثابة دفاع عن الكنيسة نفسها وسلطتها المركزية على الإنسان والحياة في مجملها. ولهذا نرى أن شهادة برونو كانت شهادة من أجل ميلاد عصر جديد مؤسس على حرية العقيدة والفكر والعلم.

تبرير
من عجائب الأمور أننا نجد في واقعنا الثقافي بعضاً من الكُتَّاب المسيحيين يتعاطفون مع مثل هذا الحُكم، على نحو يؤكد أن التكفير كان ولا يزال متأصلًا في فكرنا العربي، ومن هؤلاء- على سبيل المثال- الكاتب يوسف كرم الذي أصدر مؤلفات عن تاريخ الفلسفة في العصرين الوسيط والحديث، ومما قاله عن برونو- في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة الصادر عن دار المعارف المصرية، مبرراً إحراقه بأن منهاج هذا العصر كان يحتمل هذا الضرب من الإعدام، وأن مذهبه بلا شك قد خرج على الدين خروجاً خطيراً، وأنه «كان راهباً معيباً وفيلسوفاً مفتوناً، جوابَ آفاق، مشاكساً مهاتراً.»
يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة (ص. 34)