صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الفناء إلى مداه الأقصى

امرأة بوسنيّة تبكي الشهداء (أرشيفية)

امرأة بوسنيّة تبكي الشهداء (أرشيفية)

في هذا المقال نفترض مبدئيّا مثل جلّ المفسّرين وأسوة بالشائع بين المسلمين من أنّ مصطلح الشّهيد في الإسلام يحيل على من يُقتل في سبيل الله. ونريد أن نقيم مقالنا على قسمين. نبحث في القسم الأوّل عن الدّلالات الممكنة للموت في سبيل الله، ونبحث في القسم الثّاني عن أسس العلاقة اللّغويّة بين الدّالّ والمدلول بما يحيلنا على أبعاد الشّهادة الأنطولوجيّة فيوسّع دلالتها ويعمّقها.

يتواتر مصطلح «الشّهيد» لدى المسلمين بمعنى ذاك الّذي يموت في سبيل الله، وإذا عدنا إلى القرآن لوجدنا أنّ مصطلح الشّهيد يرد في القرآن مرّات كثيرة وفي سياقات متعدّدة، وقد ذهب جلّ المفسّرين إلى أنّه يفيد المعنى الاصطلاحيّ لمن يُقتل في سبيل الله مرّة في صيغة المفرد ومرّتين في صيغة الجمع. يقول الله سبحانه وتعالى: «...وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ...» (آل عمران 3,140)، ويقول: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» (النّساء4,69). ويقول: «وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنّبِيّيْنَ وَالشّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» (الزّمر39,69).
فأمّا الموضع الأوّل في آل عمران، فهو سياق حديث عن هزيمة المسلمين في غزوة أحد. وأمّا الموضعان الثّاني والثّالث فلا يجزمان بأنّ الشّهداء هم من ماتوا في سبيل الله فحسب، ومع ذلك نجد أغلب المفسّرين يشيرون إلى هذا المعنى ونجد المخيال الشّعبيّ يحتفظ به دون سواه.
ولعلّ جزم المفسّرين بأنّ دلالة الشّهيد في الآيتين المذكورتين هو من قُتل في سبيل الله مستندة إلى ورود مصطلح الشّهيد في حديثين بهذا المعنى، وذلك رغم أنّ الحديثين غريبين بمقاييس علماء الحديث. فقد نُقل أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام قال: «للشّهيد عند الله ستُّ خِصال: يغفر له في أوَّل دفعة، ويرى مقعده من الجنَّة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزَع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوقار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفَعُ في سبعين من أقاربه» أخرجه التّرمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: «ما يجدُ الشهيد من مسِّ القتل إلا كما يجدُ أحدكم من مسِّ القرصة» أخرجه الترمذي.

الموت في سبيل الله
يعرض القرآن مرّات كثيرة إلى القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى. وذلك بأشكال مختلفة. فنجد آيات وصفية لوقائع تاريخية دون تخصيص، شأن قوله سبحانه وتعالى فيما رأى المفسّرون أنّه يحيل على موسى وبعض قومه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ» (البقرة 2,243). ومن الآيات الوصفيّة ما يحدّد وقائع تاريخيّة على غرار قوله عزّ وجلّ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (النّساء4,77). وهذه الآية تحيل على قوم من أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) كانوا آمنوا به وصدّقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك.
ومن الآيات الوصفيّة للقتال ما هو خطاب للرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) شأن قوله سبحانه وتعالى: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (آل عمران3,121). فوفق ما ذهب إليه ابن كثير: «المراد بهذه الوقعة يوم أُحُد عند الجمهور، وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب». ومن آيات القتال ما هو وصف لقتال متصوّر كقول الله سبحانه وتعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ- لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ- ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (آل عمران3,110-112). وقد قرأ ابن عاشور في التّحرير والتّنوير هذه الآية على أساس أنّ المسلمين «يومئذ في قلّة فطمأن الله المسلمين بأنّهم لا يخشون بأس أهل الكتاب... ومعنى يولّوكم الأدبار يفرّون منهزمين». ومن آيات القتال ما هو وصف ليوم معيّن تاريخيّ مخصوص إذ يقول الله سبحانه وتعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»(الأنفال8,16). فهذه الآية عند عموم أهل العلم نزلت بعد انقضاء وقعة بدر، وقال الضحاك إن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر.
والحقّ أنّ الأمثلة المحيلة على آيات القرآن الواصفة للقتال عديدة ليس هذا مجال عرضها كلّها. ذلك أنّ ما يهمّنا هو أساسا باقي آيات القتال الّتي تبيّن أنّ القتال مكتوب على المسلمين. وهذا ما يثبته قوله سبحانه وتعالى: « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة2,216). بل إنّ بعض آيات القرآن تأمر بالقتال ولا تورده في سياق وصفيّ إخباريّ. ولذلك فإنّنا نؤكّد أنّ القرآن، خلافا لما يدّعيه بعض القرّاء المحدثين، لا يمنع القتال ولكنّه يبيحه في أطر وسياقات معيّنة. ونحن نزعم أنّ القتال في القرآن لا يكون إلاّ دفاعيّا. فالمسلمون لا يقاتلون حتى يقاتَلون، وذلك استنادا إلى قوله سبحانه وتعالى: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (البقرة 2,191). وقد سُبق هذا السّماح بالقتال الدّفاعيّ بتأكيد الله سبحانه وتعالى أنّه لا يحب الله المعتدين إذ أنّ في قتل الذين لا يقاتلونك اعتداء على الآخر وخرقا لأوامره عزّ وجلّ: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»(البقرة2,190).
وقد يكون القتال للدّفاع عن المستضعفين ونصرتهم، يثبت ذلك قوله سبحانه وتعالى: «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا» (النّساء4,75).
ورغم أنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ الله عزّ وجلّ أراد بالمستضعفين «من بقي من المؤمنين بمكّة من الرّجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصّلح الذي انعقد بين الرّسول صلى الله عليه وسلم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو»، فإنّ بعضهم حمل الآية على العموم.
ويتكرّر تأكيد أنّ القتال المباح في الإسلام يكون من أجل منع الظّلم وحماية من يُعتدى عليهم، من خلال قوله سبحانه وتعالى:»أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ- الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ...»(الحجّ22,39-40).
ومنطقيّ استنادا إلى ما سبق أنّه في غياب هذا الوضع الدّفاعيّ الّذي يفرض القتال، فإنّ السّلم تكون هي الأصل. يقول الله سبحانه وتعالى: «...فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النّساء4,90)». ويقول عزّ وجلّ أيضا: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم»(الأنفال8,61). ولعلّ استعمال الشّرط في هاتين الآيتين يؤكّد أنّ القتال في غياب الشّرط الدّفاعيّ يغدو اعتداء ويخرج من حيّز الإباحة إلى مجال التّحريم.
إنّ القتال في سبيل الله لا يكون إذن إلاّ بمعنى الدّفاع عن المستضعفين وعن المهدّدين في دينهم وعرضهم وحياتهم، فالأصل هو السّلم والقتال ليس إلاّ استثناء. ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم المحدثين الّذين يدمجون ضمن مقولة الشّهيد من يموتون وهم يدافعون عن الأوطان ضدّ المعتدين أو يدافعون عن ذويهم ضدّ المتهجّمين عليهم أو يدافعون عن البشريّة ضدّ من يريد إلحاق الأذى بهم.

بين الفعليّ والرّمزيّ
أمّا وقد حدّدنا مجال القتال في الإسلام ومعنى الموت في سبيل الله، فإنّه يمكن أن نتساءل عن العلاقة اللّغويّة بين الموت في سبيل الله ومصطلح الشّهادة. وبعبارة أخرى، نريد في هذا المستوى أن نجيب عن السّؤال التّالي: لماذا وُسم المقتول في سبيل الله سبحانه وتعالى بالشّهيد؟
يقدّم القرطبي إمكانا للقراءة يمكن أن ننطلق منه لمناقشته وتعديله. يقول القرطبي: «وقيل: سمّي شهيدا لأنّه مشهود له بالجنّة وقيل: سمّي شهيدا لأنّ أرواحهم احتضرت دار السّلام، لأنّهم أحياء عند ربّهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنّة. فالشّهيد بمعنى الشّاهد أي الحاضر للجنّة».
استناداً إلى كلام القرطبي هذا، يتّصل مصطلح الشّهيد بجذر «ش، ه، د». وبصفة أدقّ بمفهوم الشّهادة بمعنى أن يكون المرء شاهدا عن شيء مّا أي أن يكون حاضرا له وناقلا إيّاه. وإنّنا وإن كنّا نذهب نفس مذهب القرطبي في اعتبار الشّهيد بمعنى الشّاهد، أي في اعتبار الصّفة المشبّهة بمعنى اسم الفاعل، فإنّنا لا نقصر الشّهادة على شهود الجنّة وإنّما نعتبر أنّ معنى المصطلح أوسع من ذلك بكثير.
إنّ للشّهادة في القرآن بعدا قانونيّا حقوقيّا يتجسّم من خلال تحديد شروطها وضبط أطرها شأن قوله سبحانه وتعالى: «...وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا...» (البقرة2/‏‏282)، وببيان عقوبة غياب الشّهود في بعض المواقف شأن قذف المحصنات: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (النّور24/‏‏4)، وببيان حكم الشّهادة في حال الملاعنة بين الزّوجين: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ-وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ- وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ- وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (النّور24/‏‏6-9).
من خلال هذا البعد تبدو لنا الشّهادة فعلا جادّا يجب أن يُحاط بشتّى الضّمانات حتّى يكون صادقا. إنّ الشّهادة بالمعنى القانونيّ تكون فحسب شهادة بما هو حقيقيّ.
واللّطيف أنّ الشّهادة بالمعنى العقائديّ لا تبتعد كثيرا عن هذا المعنى. وقطب الرّحى في الشّهادة بهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ» (الأعراف7/‏‏172). إنّ هذه الآية تبيّن أنّ بني آدم قد شهدوا على أنّ الله سبحانه وتعالى ربّ الناس، وتذهب الآية إلى أبعد من ذلك إذ تخبر أنّ الله سبحانه وتعالى قد أخذ ميثاقا من الإنسان لكي لا يحتجّ بالغفلة فينكر الشّهادة على وجود الله عزّ وجلّ أو ينساها.
وقد ذهب الزّمخشري إلى أنّ هذا الإشهاد هو «من باب التمثيل والتخييل ومعنى ذلك أنّه نصب لهم الأدلّة على ربوبيته ووحدانيّته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركّبها فيهم وجعلها مميّزة بين الضّلالة والهدى». وإنّنا نذهب مذهب من يرى أنّ هذه الشّهادة تُحمل على محمل الحقيقة لا على محمل المجاز. وقد استند الطّبرسي مثلا إلى جملة من الأخبار والأحاديث تثبت ورود «الإخبار القرآني» على الحقيقة. فمن ذلك «أنّ الله سبحانه وتعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذّرّ فعرضهم على آدم وقال إنّي آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا وعليّ أرزاقهم ثم قال ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أنّك ربّنا فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا وقيل إنّ الله سبحانه وتعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه ثم ردّهم إلى صلب آدم والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كلّ من أخرجه الله في ذلك الوقت». ويبدو فعل الشّهادة فعلا أصليّا لدى الإنسان من بدء تكوينه. وهذا الفعل الأصليّ ممّا وسمه بعض المفسّرين بالفطرة. فابن عاشور يشير مثلا إلى» خلق الله فطرة البشريّة معتقدة وجود خالقها ووحدانيته ثم حرّفتها النّزعات الوثنيّة والضّلالات الشّيطانية»، والرّازي يذكر قول من يرى «أنّ الله سبحانه وتعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنّه ربّهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر النّاس عليها».
إنّ الشّهادة من هذا المنظور عمل أصليّ للإنسان. والشّهادة في تعريفها الجوهريّ شهادة على شيء شوهد أو سُمع، وبعبارة أخرى فإنّ الشّهادة تكون على ما اتّصل به الإنسان بطريقة أو بأخرى. فلا يمكن أن يشهد الإنسان على شيء لم يتّصل به. ولكنّ الاتّصال بالشيء المشهود به وفق الآية ليس اتّصالا حسّيا مباشرا، على الأقلّ وفق تصوّرنا الواعي للحسّي والمباشر، وإنّما نذهب في قراءتنا للآية إلى انّه اتّصال من مجال اللاوعي لا يترك في وعينا إلا آثارا له. وقد أشار الرّازي إلى هذا الإمكان التّأويليّ دون أن يتبسّط فيه إذ قال: «وفي الآية قول ثالث، وهو أنّ الأرواح البشريّة موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقليّة غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب، والله أعلم». ويبدو أن الأبحاث «العقليّة» الغامضة التي أشار إليها الرّازي تكشف أنّ الشّهادة المذكورة في القرآن عمل حاصل بالفعل لا مجاز وتمثيل، وبغضّ الطّرف عن هذه الأبحاث العقليّة الغامضة المفترضة فإنّنا نعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى قد أشهد فعلا ذرّية آدم جميعها على أنّه ربّهم، فهو قد أخبر أنّ ذلك حاصل ممّا يقطع بحصوله بالنّسبة إلى المؤمن على الأقلّ.
ولمّا كان الإيمان بالله فعلا نفسيّا فإنّنا ذهبنا إلى اعتبار الميثاق الأوّل حقيقيّا. فجميع النّاس قد شهدوا على وجود الله سبحانه وتعالى شهادة أصليّة، هي تجسيم لفطرتهم. والمسلم إذ ينطق بالشّهادة على وجود الله سبحانه وتعالى إنّما يجسّم صدى ما شهدته فطرته الأولى بما يعيدنا إلى تعريف الشهادة باعتبارها الإقرار بما حصل والإقرار بما اتّصل به الإنسان. ولكنّ بعض النّاس يذكر تلك الشّهادة الأصليّة والبعض الآخر ينساها. وليس ذكر الشّهادة في جوهره إلاّ ذكرا لله سبحانه وتعالى.
وإنّنا نزعم أن كلمة الذّكر وردت في إحدى آيات القرآن بمعنى نقيض النّسيان، وأنّ لها في سياقها هذا علاقة وثيقة بمفهوم الشّهادة مثلما بيّنّاه، أي الشّهادة باعتبارها حقيقة محيلة على الميثاق الأوّل الذي أُشهد فيه آدم وذرّيته على وجود الله سبحانه وتعالى ربّا لهم فشهدوا. وهذا السّياق هو قول الله سبحانه وتعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرّعد13/‏‏28). فقد ذهب المفسّرون إلى أن ذكر الله الّذي به تحصل طمأنينة القلوب قد يكون جريان اسم الله سبحانه وتعالى على اللسان وقد يكون تذكّرا لعظمة الله سبحانه وتعالى وقد يكون تذكّرا لوعد الله بالثّواب والرّحمة فتسكن قلوب المؤمنين لذلك. على أنّه من نافل القول إنّ كلّ من يذكرون الله بكثرة العبادات والطاعات ليسوا بالضرورة ممّن تغمر الطمأنينة قلوبهم، وليس هذا الكلام انتقاصا من أهمّية العبادات أو استهجانا بقيمة جريان اسم الله سبحانه وتعالى على الألسن وإنّما مجال تفكيرنا هو مدى إمكان اتّخاذ العبادات والطاعات وحدها سبيلا لبلوغ طمأنينة القلوب.
إنّ الذّكر الّذي يطمئن القلوب يذهب إلى أبعد من العبادات ويتجاوز جريان اللسان بذكر الله سبحانه وتعالى. ويجب أن لا ننسى في هذا المقام أن الآية 28 من سورة الرّعد تحيل على أناس لهم ميزتان: الإيمان واطمئنان القلوب بذكر الله. كما يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أنّ المنطلق الأساسي للإيمان هو الشّهادة، وقد بيّنّا أنّها شهادة من القلب. واستنادا إلى هذا كلّه فإنّنا نذهب إلى أنّ ذكر الله الّذي هو سبيل إلى الاطمئنان هو تذكّر الشّهادة الأصليّة في مقابل نسيانها.
ومن هنا فإنّ الشّهادة بهذا المعنى هي إقرار بالحقيقة الوحيدة الموجودة في الكون، وهي الله، ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى هو الموجود بذاته وأنّ الإنسان موجود بغيره. وبذلك تكون الشّهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى بلوغا بهذا الإقرار إلى مداه الأقصى، وذلك إمّا بالمعنى الفعليّ أو بالمعنى الرّمزيّ.
فأمّا من المنظور الفعليّ فإنّ الشّهادة في سبيل الله هي أن يقبل الإنسان بفناء جسده من أجل إعلاء كلمة الله، بالمعنى الجوهريّ للكلمة الخالقة، تلك الّتي تقول للشّيء كن فيكون. وليس من الضّروريّ أن يكون الموت هنا في ساحة وغى وقتال، رغم أنّ ذلك هو المعنى الأكثر شيوعا، إذ يمكن أن يكون الموت بشكل آخر، بشرط أن يجسّم تعبيرا عن نفاذ إرادة الله سبحانه وتعالى بصفتها الإرادة الوحيدة في الكون. ولذلك أكّد الحديث أنّ الغريق والمبطون والمطعون شهداء، بل إنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام يذهب إلى أنّ من أحبّ فأعفّ فمات فهو شهيد.
ومن هذا المنظور فإنّه لئن كان الشّهيد في معناه الشّائع هو من بذل نفسه في سبيل الله بالموت الفعليّ، فإنّ المعنى قد يتّسع ليشمل من بذل نفسه في سبيل الله سبحانه وتعالى بالمعنى الرّمزيّ بما يحيلنا على مفهوم الفناء لدى المتصوّفة، فناء الذّات الفرديّة في الذّات الإلهية.
إنّ معنى الشّهادة في سبيل الله وفق هذه القراءة، يشمل كلّ من يدرك إدراكا قلبيّا أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الحقّ وأنّ ما سواه باطل. وهذا ما يلمح إليه الرّازي الّذي يؤكّد أنّه»يجوز أن يراد بالشهيد هنا من قتله الكفار في الحرب، لأن الشّهادة مرتبة عالية عظيمة في الدين «وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق، ومن لا منزلة له عند الله سبحانه وتعالى « ولأن المؤمنين يدعون الله سبحانه وتعالى أن يرزقهم الشهادة ولا يجوز أن يطلبوا منه أن يسلط عليهم الكفار... ولأنه ورد إطلاق لفظ الشهيد على المبطون والمطعون والغريق، قال: «فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله سبحانه وتعالى تارة بالحجّة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط وهم الذين ذكرهم الله في قوله:» شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط،  ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث إنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحقّ وما سواه هو الباطل، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة كما قال: وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس».
إنّ ما أسلفناه يؤكّد التقاء المعنى القانونيّ للشّهادة بمعناها العقائديّ بمعناها الرّوحانيّ. أليس أنّ شهادة الزّور من الكبائر؟ وأليس أنّ الشّرك رأس الكبائر؟ وأليس مقابل الشّرك سبحانه وتعالى شهادة الحقّ بأن لا موجود -بذاته وفي ذاته- إلاّ الله سبحانه وتعالى؟ فمهما يكن منظور تناول الشّهادة فإنّها بالضّرورة تحيلنا إلى فناء النّفس بأهوائها العرضيّة في الواحد الأوحد الجوهريّ...

الأمير عبد القادر الجزائري
واحد من كوكبة الأبطال والمناضلين الذي قادوا المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، درس اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم. أسس دولة إسلامية قوية، ونظم جيشاً وطنياً. وقف في وجه فرنسا أكبر دولة برية في العالم في ذاك الوقت، وكبد الغزاة خسائر كبيرة. وقع في الأسر وسجن في فرنسا حتى العام 1852م، ثم عفا عنه نابليون بونابرت، فغادر إلى دمشق، ليقضي فيها سبعة وعشرين عاماً، مهاجراً عالماً فقيهاً، لتغرب شمس حياته، ويكون له أجر الشهيد، بعد أن عاش حياته كلها مجاهداً بطلاً وفقيهاً عالماً.
توفي في دمشق في 26 مايو 1883 عن عمر ناهز 76 عاماً، ودفن في حي الصالحية في جوار الشيخ ابن عربي تنفيذاً لوصيته، وفي العام 1965 نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.