صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عندما يصبح الإنسان فكرة

تمثال سقراط (أرشيفية)

تمثال سقراط (أرشيفية)

«كل خطوة صغيرة على الأرض كان ثمنها فيما مضى أوجاع عقلية وعذابات جسدية: فليس وحده السير الطويل قُدُماً هو الذي كان في حاجة إلى العديد من الشهداء، كلاّ، بل مجرد الخطوة، مجرد الحركة، وأدنى تغيير...».
نيتشه

«وكما أنني لم أعتقد منذ برهة أنه يجب علي، خشية الخطر، أن أفعل ما لا يليق برجل حر، فإنني لا أندم على أنني دافعت عن نفسي على النحو الذي فعلت، ولأنني أفضل كثيرا أن أموت بعد أن أكون قد دافعت عن نفسي هكذا على أن أعيش بفضل تلك الأفعال، فلا يجب لا علي ولا على أيّ فرد حر آخر، لا أمام المحكمة ولا في الحرب، أن نصطنع تلك الوسائل للهروب من الموت بأية طريقة... إلا أن الصعب، أيها الأثينيون، ليس هو تلافي الموت بقدر ما أنه تلافي الشرور».
سقراط، «الدفاع»

من خلال نظرة تتغذى على نزعة تاريخانية ساذجة، يعتقد البعض أن الحداثة رسمت قطيعة في تاريخ البشرية بمقتضاها «نُزع عن العالم سحره» على حدّ تعبير ماكس فيبر، فانفصل اللوغوس عن الميثوس، والدّنيوي عن القدسي، والسياسي عن الديني، وقد تمخض عن ذلك أن رُسمت علاقة جديدة للموت الفردي بـ»الموت المقدس»، فساد الاعتقاد أن «الموت في سبيل الوطن» حلّ محلّ «الموت في سبيل الله».
غير أننا، لو أمعنا النظر فيما تحفل به الحياة المعاصرة من تشابك للأسطورة بالعقل، وتغلغل للقدسي في الدنيوي، سرعان ما نتبين ما يفند هذه النظرة الأحادية المختزلة إلى مسألة الاستشهاد. فإن كنا نلحظ بالفعل قيام علاقة جديدة بالموت، والموت المقدس على الخصوص، ليست هي تلك التي كان أقامها «البطل» التقليدي معها، ولا تلك التي نسجها الاستشهاد الديني في بداياته، إلا أن ذلك لا يعني أن الاستشهاد اليوم قد نفض عنه نهائيا كل معنى ديني، وتخلص من غلافه الروحاني.

أصل ديني
لا جدال في الأصل الديني لمفهوم الشهيد. فقد استخدم المفهوم بداية دلالة على أولئك الذين كانوا يواجهون الموت دفاعا عن إيمانهم و»شهادة عليه». هذا الربط بين الاستشهاد والشهادة témoignage نجده حتى في المعنى الأصلي للكلمة الأجنبية martyre التي تردّنا إلى اللفظ اليوناني marturos الذي يحيل إلى «الشاهد»témoin. وهكذا، ومع انتشار الديانات الكتابية غدا الشهداء يكابدون في سبيل الله، تبشيراً بإيمانهم وشهادةً عليه، ما كان قدماء «الأبطال» يتحمّلونه تشبثا بالقيم الأخلاقية العليا. ستعمل الحروب الدينية فيما بعد على التوحيد بين مفهوم «البطل» القديم، وخصوصا في معناه الرواقي، ومفهوم الشهيد. وقد يسّرت الفلسفة الرواقية الطريق لهذا التوحيد اعتبارا بأنها تعلي من شأن كثير من الفضائل التي ستؤكدها الديانات الكتابية.
لا يبدو مطلقا أن هذه الوحدة بين مفهومي «البطل» و»الشهيد» قد انفصمت كما تدّعي النظرة التاريخانية الساذجة. فليس في استطاعتنا اليوم أن نميّز في العملية الاستشهادية بين ما هو في سبيل الله عما في سبيل الوطن والقيم العليا. قد يقال، إن السياسة لا تعمل هنا إلا على تقليد الديني ومحاكاته، ومن أجل ذلك يكون على السياسي أن يظهر قدرته على استيعاب الرموز الدينية وتمثلها. لكن، لو كان الأمر في مثل هذه البساطة، لعمل الشهيد على أن يكتفي برموز سياسية بأن يرفع قضية الوطن إلى مستوى القدسي، وحينئذ يغدو الموت فداء لقضية مقدسة، أي لقضية تتجاوز الرغبات الشخصية، استشهادا. والحال أن المقدس بطبيعته يعلو على مجرد الظرفيات التاريخية والملابسات السياسية، وهو ما يمكّن الأفراد من التعبير عن شدة التلاحم مع كل ما من شأنه أن يعطي معنى لأفعالهم، ويضفي على مجموع الحركة التاريخية دلالتها، بل يعطي للوجود معناه.
يتحدث ف. ليوتار عن أفول «السرديات الكبرى» في عالمنا المعاصر، وغياب المعالم التي تمكّن الفرد من أن يتموقع داخل الزمانية التاريخية وينتسب إلى عائلات فكرية. ذلك أن الوظيفة الأساسية لتلك السرديات هي ضمّ معتنقيها ضمن عائلة مُوحَّدة وخلق اللحمة بين من يؤمنون بها. والحال أن هذه السرديات ما تزال قائمة، بل إنها لم تنفك عن الظهور. وليس أبطالها اليوم إلا هؤلاء الذين يهبون حيواتهم فداء لقضايا تتجاوزهم كأفراد. فكل عملية من عملياتهم تحمل في طياتها «سردية صغرى» تعمل على خلق وحدة متراصة حول رمزيات وعقائد ودلالات بعينها. وهنا يشكل الديني رأسمالا رمزيا يغرف منه الشهيد ما يعطي لعمليته بُعدا يتجاوز الفرد، بل ويعلو على التاريخ. ها هنا لا يكون الاستشهاد فحسب شهادة على صحة الايمان كما كان في بداياته الدينية، وإنما شهادة على سموّ وتشبث بقيم عليا.

سقراط.. شهيد الفلسفة
من بين وظائف الاستشهاد و»الموت فداء للوطن» في مجتمعاتنا المعاصرة وظيفة توحيد المرجعيات وجعل المواطنين يلتفون حول رموز تشهد على وحدة تجمعهم حول أسماء بعينها. الشهداء ما يفتأون يرسمون لنا، من خلال عملياتهم الفردية التي تبدو ذرة صغيرة وسط الزمنية التاريخية، ما يفتأون يرسمون معالم بديلة تشكل ذاكرتنا الجماعية، وتؤسس لتلاحمنا وتوحّد مرجعياتنا. إنهم أكثر الفاعلين في التاريخ درامية، وهم الذين يُعلون اليوم بالشأن الخصوصي إلى مستوى التاريخ الكوني فينسجون وحدة الأمة من خلال أفعال تسمح بنسج ذاكرة جماعية لها معالمها التاريخية ومقوماتها المشتركة و»سردياتها» المؤسسة. ها هنا يغدو الاستشهاد «شهادة على» témoignage كما يشكل «شهادة إثبات» attestation. ذلك أن الاستشهاد، عندما يتحقق في تجربة شخصية وفعل فردي، فإنه يشهد على الامتزاج بين الفردي والتاريخي، بين الدنيوي والقدسي، بين السياسي والديني، وفي الوقت ذاته فهو يثبت التلاحم بين كل هذه الأبعاد.
هذا التلاحم هو ما يراه فوكو في شخص سقراط «شهيد الفلسفة» بتعبير أنتوني جوتليب. فعلى عكس الصورة التي يقدمه بها نيتشه، يرى فوكو في سقراط تجسيدا لأربعة أوجه: «ففي شخصه تجتمع بشكل جدلي أربعة شخوص: النبي والسياسي والفيلسوف والحكيم». لا يمكننا أن نفهم المبدأ السقراطي «اعرف نفسك بنفسك» في نظر فوكو إلا في إطار ارتباط قول الحقيقة بالشجاعة. وهو يرى أننا يمكننا «أن نرصد أربعة أنماط لقول الحقيقة لدى اليوناني: قول الحقيقة النبوية، قول الحقيقة الفلسفية، قول الحقيقة السياسية، قول الحقيقة التعليمية». وهذه كلها تجتمع في سقراط.
ففي خطاب سقراط بعض خصائص الخطاب النبوي. ما يميز هذا الخطاب هو انتقاله من عالم الخطأ إلى عالم الصواب، من عالم العبور والفناء إلى عالم الدوام والخلود. لقول الحقيقة الخالدة تلزم القطيعة مع العالم المحسوس. ثم إن النبي لايتكلم باسمه الخاص، إنه وسيط. وهذا التوسّط بالضبط هو ما كان يطبع الخطاب السقراطي. فسقراط كان يقول عن نفسه» إنه كان ينفذ رغبة الآلهة حينما كان يجول ويجادل. فمهمة التساؤل التي أخذها على عاتقه، كانت على حدّ قوله، وكما ينقل تلميذه أفلاطون، «طاعة لأوامر الربّ التي نزلت عن طريق العرّاف، ومن خلال الرؤى وكل وسيلة أخرى فرضت بها الإرادة الإلهية فروضا على الإنسان». لذا ينبه سقراط محاكميه:»أريدكم أن تعتبروا مغامراتي رحلة هدفها إثبات صدق العرّاف مرة وللأبد».
غير أن هذه «المغامرات» كانت أيضا ذات بُعد سياسي عميق. فسقراط لم يحاكم فقط لمحاولته إثبات صدق العراف، وإنما «لرفضه الاعتراف بالآلهة الرسمية للدولة، والدعوة لآلهة جديدة على دينها ولإفساده عقول الشباب»، كما يقول صكّ الاتهام.
لن ندرك البعد السياسي العميق لمحاكمة سقراط ما لم ننتبه إلى أن مسألة التقوى لم تكن بالنسبة للأثينيين مسألة ضمير وأخلاق أو تديّن شخصي، وإنما كانت قضية مواطنة وسلوك اجتماعي. فالاتهام بعدم الاعتراف بالآلهة الرسمية للمدينة هو اتهام سياسي قبل كل شيء. وخطورة سقراط في أعين المحاكمين خطورة سياسية قبل كل شيء. وهي لا يمكن أن تفهم إلا من حيث إنها كانت تهدد مدينة لم تسترجع بعدُ قوتها بعد حرب البوليبونيز، وبعد فترتين من حكم الطغاة. فلم تكن أثينا قط على استعداد لأن تتقبل أن تُمس أسسها أو تهتز مبادئها. وسقراط نفسه لم يكن يجهل ذلك، فهو كان على وعي بالبعد السياسي لمحاكمته، وكونه لم يكن يتكلم باسمه الخاص، بل كان وسيطا يتكلم باسم المدينة «دفاعا عن الصالح العام الذي به تكون المدينة ونظامها» على حدّ تعبيره.
يطلق أنتوني جوتليب على سقراط لقب «شهيد الفلسفة»، وها نحن نتبين أن شهادته وتجرعه السم لم يكونا فحسب بما هو فيلسوف، وإنما بما هو يجمع بين عدة أوجه لقول الحقيقة. على هذا النحو فإن «حالة سقراط» تجسد أحسن تجسيد التلاحم الذي يلتئم في فعل الاستشهاد بين أبعاد مختلفة، تلك الأبعاد التي ما زلنا نتبينها في كل عملية استشهادية، نذكر منها على الأخص البعدين السياسي والديني.

دفاع سقراط
لا تتصايحوا، أيها الأثينيون، وابقوا على النحو الذي طلبته منكم: لا تصيحوا ضد ما أقول أياً ما كان، وانصتوا.. وإنني أعتقد أنكم ستستفيدون إن أنتم أنصتم.. إني أريد أن أقول لكم أشياء ربما جعلتكم تصرخون.. ولكن لا تفعلوا ذلك مطلقاً، تيقنوا أنكم إن أنتم أعدمتموني، باعتبار أنني من أقول، فإنكم لن تضروني بقدر ما تضرون أنفسكم، فعندي أنه ليس بإمكان مليتوس ولا أنيتوس إلحاق الضرر بي، فهما غير قادرين على ذلك، حيث إنني لا أعتقد أنه من المسموح به أن يضير الأسوأ الأفضل.. ربما يستطيع، بالطبع، أن يجعلني أعدم أو أنفى أو أحرم من حقوقي المدنية، وربما كانت هذه كلها في نظره وفي نظر غيره شروراً عظيمة، ولكنها ليست كذلك في نظري أنا، وإنما هناك من الشر قدر أعظم من هذا بكثير في فعل ما يفعلونه هم الآن، حينما يحاولون ظلماً إصدار الحكم بإعدام رجل، وهكذا، أيها الأثينيون، فليس دفاعي من أجل نفسي كما يبدو البعض، وإنما هو من أجلكم: وذلك حتى لا تخطئوا بإدانتي في حق هدية الإله إليكم.

لا للعار
أيها الفاضل، لي أقارب من غير شك، فلست، كما يقول هوميروس، مخلوقاً من شجرة، ولا من حجر، بل من بشر، فلي إذن أقرباء، ولي أبناء كذلك، أيها الأثينيون، ثلاثة، واحد منهم أصبح فتى، واثنان لا يزالان طفلين، ولكني رغم هذا لم آت بهم إلى هنا متوسلاً إليكم أن تغفروا لي، لماذا إذن لا أريد أن أفعل هذا؟ ليس تحدياً مني، أيها الأثينيون، ولا استهانة بكم، أما إن كنت أجابه الموت ثابت الأقدام أم لا، فهذا أمر آخر، ولكني لا أظن من أجل سمعتي وشرفي، وسمعتكم وشرف المدينة كلها، لا أظن أنه من الجدير بي أن أفعل هذا، وأنا على هذه السن ومع سمعتي تلك، سواء كانت على أساس أم كانت زيفاً، ولكن الواقع هو أن هناك اعتقاداً بأنه يوجد شيء يتميز به سقراط عن معظم البشر، فإذا كان المشهورون بينكم بالتفوق سواء في الحكمة أو في الشجاعة أو في أية فضيلة من نوع آخر، سيسلكون هذا السلوك، فلكم سيكون هذا عاراً، إلا أنني كثيراً ما رأيت بالفعل أناساً من هذا النوع، كانوا يعتبرون من ذوي الفضيلة، وحينما يحاكمون يأتون بأعمال غريبة مذهلة، كما لو كانوا يعتقدون أنه أمر رهيب أن تحكموا بإعدامهم، وكما لو كانوا سيخلدون في حالة ألا تميتوهم، أما أنا فأعتقد أنهم يجلبون العار على المدينة.