صحيفة الاتحاد

تقارير

فرنسا.. ما العمل في مواجهة الإرهاب؟

في يوم 13 نوفمبر الجاري، وفي قلب باريس، قُتل وأصيب المئات من الناس بينما كانوا يتمتعون بجو نوفمبر الدافئ، أو يتناولون وجبة العشاء، أو يشاهدون عرضاً موسيقياً على المسرح. وفي البيان الذي تبنى فيه المسؤولية عن الهجمات، توعد تنظيم «داعش» الإرهابي بنشر المزيد من الرعب خلال الفترة القادمة. والسؤال: لماذا اختار «داعش» باريس، التي لم تتعافَ بعد من الهجوم الدموي على مقر صحيفة «شارلي إيبدو» في يناير الماضي؟
وباريس ليست هي الهدف الوحيد بالطبع: فلندن، ومدريد، ونيويورك، والعديد من المدن عبر الشرق الأوسط، تعرضت لضربات الإرهاب، لكن من الواضح أن عدد المحاولات الإرهابية في فرنسا، وعدد الإرهابيين الذين ولدوا ونشؤوا فيها، أكبر مقارنة ببعض الدول المجاورة الأخرى.
ومن أسباب مشكلة فرنسا، ماضيها الاستعماري؛ فبالإضافة للحرب الشرسة التي خاضتها ضد ثوار الجزائر من 1954- 1962، كانت فرنسا أيضاً هي دولة الحماية للمغرب وسوريا ولبنان، وتركت هناك إرثاً استعمارياً متمثلاً في نفوذ ثقافي واقتصادي. وإلى ذلك، ما زالت فرنسا تتدخل في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثلما حدث في شمال مالي عندما حاربت المليشيات المتطرفة المناوئة للحكومة المركزية، ومثلما تفعل الآن في سوريا، حيث تشن ضربات جوية ضد «داعش».
وقد ينظر «جهادي» محتمل غاضب ينشأ في بيروت، أو دمشق، أو الجزائر، إلى الولايات المتحدة على أنها العدو الأكبر، لكنها بعيدة جغرافياً، بينما فرنسا دولة اعتاد العرب على زيارتها والعيش فيها، فضلاً عن كونها قريبة، وقد يكون لأي منهم ابن عم يعيش هناك ويحمل الجنسية الفرنسية، وبالتالي قد يكون هو الشخص الذي سيقوم، إن كان متطرفاً، بتجنيده.
وفرنسا أيضاً تربي «جهاديين» محتملين على ترابها، وهم الشبان المسلمون الذين يشعرون بالإقصاء والنبذ من التيار الرئيس المسيحي في المجتمع. وهؤلاء الشبان يعيشون عادة في عمارات سكنية لا تتوافر فيها الخدمات اللازمة.
أما المناطق التي تقع فيها هذه البنايات فغالباً ما تكون في ضواحي المدن الكبرى. وفي الكثير من الحالات يكون هؤلاء الشبان من أصول مغربية أو جزائرية، ممن لا تتاح لهم في الغالب فرص للحصول على وظائف جيدة، ما يجعلهم يشعرون بالغيرة من الشبان الفرنسيين الأثرياء.
ولا يعني هذا أبداً أن بريطانيا لم تنتج إرهابيين محليي النشأة، ولكن السمة الرئيسة للمجتمع المسلم في بريطانيا، والتي تتم السخرية منها أحياناً، هي أنه مجتمع مغلق، وهو ما يساعد على بقاء ذلك المجتمع متماسكاً، فغالبية المهاجرين لبريطانيا من باكستان وبنجلاديش، وهؤلاء يميلون عادة للعيش مع بعضهم بعضاً في الضاحية ببريطانيا، ويحضرون رجال الدين الذين يعظونهم من بلادهم الأصلية، ويحاولون المحافظة بقدر الإمكان على عاداتهم وتقاليدهم. والسؤال مرة أخرى: ما الذي تستطيع فرنسا عمله إزاء هذا التحدي؟ سأنحّي مسألة أمن الحدود، والمراقبة والاستراتيجية العسكرية في سوريا جانباً، وأترك الحديث عنها لمن هم أكثر تخصصاً، ولكن لديّ مع ذلك توصيّتان بشأن الكيفية التي يستطيع بها الرئيس فرانسوا أولاند تحسين الأمور في بلاده.
التوصية الأولى: كسر العزلة. بمعنى الاستمرار في الجهود التي كانت قد بدأت بالفعل لإعادة تصميم المشهد المعماري الحضري، بحيث يشجع على خلق شعور بالانتماء الوطني، بدلاً من الشعور بالإقصاء. مع إيقاف الجهود المستمرة لوصم المسلمين الملتزمين والتضييق عليهم من خلال إصدار قوانين متشددة تتعلق بحظر غطاء الوجه في الأماكن العامة، أو منع مسؤولي المدارس من تقديم خيارات غذائية لا تراعي الفروق في الخلفيات الدينية للتلاميذ.
والتوصية الثانية: الاعتراف بأن رجال الدين من التيار الرئيس، جزء من الحل. فكثير من رجال الدين هؤلاء عملوا بجد واجتهاد، لبناء جمعيات ثقافية ومدارس دينية، يمكن للتلاميذ أن يتعلموا فيها الدين بطريقة صحيحة.
ومن جانبنا يجب أن نتوقف عن مطالبة هؤلاء العلماء باختراع «إسلام فرنسي» أو نسخة فرنسية من الإسلام، مع قيام الدولة الفرنسية في نفس الوقت بمنحهم المزيد من الاعتراف والدعم.
وفي الآونة الأخيرة طالبت زعيمة اليمين المتطرف «مارين لوبن» بإغلاق كل المؤسسات الدينية الإسلامية، ولكن أصحاب العقول الأكثر رجاحة، يقاومون إغراء مهاجمة مواطنيهم المسلمين، أو مهاجمة اللاجئين الشرعيين، وهما إجراءان كفيلان إن لم يتم التوقف عنهما، بتحفيز شعور هؤلاء بمزيد من النبذ والإقصاء. ويبقى بعد ذلك القول إن الوقت الراهن هو وقت للتضامن، وليس وقتاً للفرقة والانقسام.

*جون آر. بوين*
*أستاذ بجامعة واشنطن- سانت لويس ومؤلف كتاب «هل يمكن أن يكون الإسلام فرنسياً»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تربيون نيوز سيرفس»