صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الكونغو تبيع الغابات لشركات الأخشاب العالمية



إعداد - محمد عبدالرحيم:

خلص تحقيق امتد لفترة عامين وسيتم الإفراج عنه هذا الأسبوع إلى أن كميات هائلة من الأراضي في ثاني أكبر غابة استوائية في العالم قد استولت عليها مجموعة قليلة من الشركات الأوروبية والأميركية المصنعة للأخشاب مقابل حفنة من الهدايا لا تزيد على أكياس من السكر والملح وبعض الأدوات والمعدات·
وهنالك أكثر من 150 عقداً تغطي مساحة من الغابات الاستوائية بحجم المملكة المتحدة قد تم إبرامها مع 20 شركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال فترة السنوات الثلاث الماضية، حيث يعتقد أن معظمها قد تم المصادقة عليها بشكل غير قانوني في عام 2002 من قبل حكومة انتقالية برزت من رماد الحروب الأهلية التي امتدت لعقد كامل في غفلة وانتهاك صريح لقرارات البنك الدولي·
وكما ورد في صحيفة الجارديان البريطانية مؤخراً فقد كشف التقرير أن الشركات التي جاءت بشكل رئيسي من ألمانيا والبرتغال وبلجيكا وسنغافورة والولايات المتحدة الأميركية جردت 21 مليون هكتار (52 مليون فدان) من الغابات من أخشاب التيك الأفريقية التي يباع المتر المكعب منها بمبلغ 500 جنيه استرليني وتستخدم بشكل واسع في صناعة الأرضيات والأثاث والأبواب في بريطانيا·
ووفقاً للدراسة التي تتألف من 100 صفحة والتي أعدتها جماعة جرين بيس انترناشونال بالتعاون مع مجموعات البيئة وحماية حقوق الانسان الكونغولية فإنه في حال تعرية جميع الأراضي المحددة من الأخشاب فإن الأمر من شأنه أن يؤدي إلى ''تحرير'' كمية تصل إلى 34 مليار طن من الكربون أي ما يقارب الكمية التي انبعثت من بريطانيا وحدها طوال فترة 60 عاماً· ومن أجل الدخول إلى هذه الغابات لفترة الـ25 عاماً القادمة عمدت الشركات الأوروبية لإبرام اتفاقيات مع شيوخ القرى وهي تعرض عليهم أكياس الملح والسكر وعددا من الدراجات وسواطير قطع الأشجار بينما وعدتهم في بعض الحالات ببناء المدارس الابتدائية·
وقد اعترفت الشركات بأن العديد من هذه الاتفاقيات التي أبرمتها مع القبائل المحلية مقابل بعض الهدايا تحتاج إلى إعادة تقييم، إذ يقول فرانسيس فإن دي فين السكرتير العام لاتحاد صناعة الخشب الكونغولي الذي يمثل جميع الشركات التي وردت أسماؤها في التقرير ''من المؤكد أن معظم هذه الانتقادات صحيحة ولكن الشركات سوف تعمل الآن على إعادة تقييم جميع الاتفاقيات المبرمة مع المجتمعات المحلية''· وتعود أصل الحكاية إلى أن قرية لاموكو التي تبعد 150 ميلاً إلى الجنوب من نهر المارينجا تستلقي على طرف امتداد هائل للغابات الاستوائية في وسط جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل أن يصلها ممثلون لإحدى كبريات شركات الأخشاب في الثامن من فبراير من العام 2005 من أجل التفاوض على عقد من ملاك الأراضي التقليديين· ولم يدرك معظم الأهالي وقتها أن هذه المحادثات سوف تفضي إلى تحول هائل في حياتهم المعيشية· ولكن وفي غضون ساعات قليلة عمد رئيس القرية دون أن يستنجد باستشارة قانونية ودون أن يدرك حتى أن الشجرة الواحدة تبلغ قيمتها اكثر من 4 آلاف جنيه استرليني في أوروبا بالتخلي عن حقوق مجتمعه في هذه الغابة ولفترة تصل إلى 25 عاماً·
وفي مقابل توقيعه على تصريح بقطع آلاف الهكتارات من الأخشاب النفيسة مثل خشب الافروموسيا (التيك الأفريقي)، وعدت الشركة ببناء ثلاث مدارس ابتدائية وصيدليات في لاموكو·
وذكرت الشركة أنها بالإضافة إلى ذلك سوف تمنح الزعيم 20 جوالاً من السكر و200 جوال من الملح وبعض الأدوات والمعدات الأولية الأخرى بقيمة اجمالية لا تزيد قيمتها على 10 آلاف جنيه استرليني·
ومنذ فبراير من العام 2005 انهمكت الشركة في شق طرق نقل الأخشاب إلى داخل الغابات بالقرب من قرية لاموكو وسرعان ما شرعت الشركة في استغلال الاخشاب وتصديرها إلى الخارج بينما لا زال يتعين على القرية الانتظار لكي تشهد المدارس والصيدليات، بل إن أحد المواطنين الذي طلب إخفاء هويته يقول ''لقد طلبنا منهم تزويدنا ببعض الأخشاب من أجل بناء توابيت موتانا ولكنهم رفضوا ذلك أيضا''· وإلى ذلك فإن اتفاقية لاموكو واحدة فقط من العديد من العقود أو الامتيازات التي وقعتها الشركات الأوروبية مع زعماء القبائل في جمهورية الكونغو الديمقراطية في الوقت الذي بدأت فيه الدولة تسترد أنفاسها للتخلص من الديكتاتورية والحروب الأهلية·
ويعتقد بأن هنالك أكثر من 20 شركة من شركات الأخشاب العالمية ناشطة الآن في جمهورية الكونغو، بينما تتطلع الشركات الصينية وشركات أخرى لاكتساب موطئ قدم لها في هذه الغابات إلا أن جميع هذه الشركات يتعين عليها الامتناع عن هذه الممارسات بموجب قرار اتخذه البنك الدولي في عام 2002 كجزء من مبادرة للتحكم في صناعة الغابات· ويقول ستيفان فان برايت من حملة جرين بيس للمحافظة على الغابات الأفريقية ''يبدو أن معظم الشركات قد استفادت من فشل البنك الدولي في تأمين تنفيذ القرارات التي وقعها مع الحكومة المؤقتة في جمهورية الكونغو الديمقراطية''·
ولما كان أكثر من 40 مليون نسمة من الأشخاص الأكثر فقراً في أفريقيا يعتمدون بشكل أساسي على الغابات الكونغولية فقد مضى أحد المواطنين للقول ''إذا ما أزيلت هذه الأشجار بالكامل فإننا سنصبح رهينة للفقر إلى الأبد''·