صحيفة الاتحاد

تقارير

جوتيريس واختبار التغيير

ربما يصبح الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس الدبلوماسي الأكثر بروزاً وظهوراً في العالم خلال الفترة المقبلة. لكنه سرعان ما فهم أيضاً بأنه بعيد جداً عن أن يكون الرجل الأقوى. ويواجه رئيس الوزراء البرتغالي السابق، مقاومة عنيفة من الولايات المتحدة وبقية الدول المحورية في المنظمة الدولية في سعيه لملء الوظائف الشاغرة بالدبلوماسيين الذين يريد اختيارهم بنفسه، وبما يثير التساؤلات حول هامش الاستقلالية الذي يمكنه تحقيقه.
وخلال الأسابيع القليلة الأولى لتقلده منصبه الجديد، فكّر جوتيريس بتغيير لعبة احتكار القوى العظمى للوظائف المهمة والحساسة في الأمم المتحدة، وبدأ بتعيين تشكيلة متنوعة المشارب من الموظفين، بينهم اختياره لسياسي نيجيري نائباً له ودبلوماسي برازيلي كرئيس لفريق الموظفين. لكن محاولاته تعيين شخصيات من خارج الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، باءت بالفشل. مما بدد الآمال في أن تتمكن بعض الدول الصغيرة من إيصال شخصيات منها إلى تلك المناصب وكسر القاعدة التي كان يتبعها الأمين العام السابق بان كي مون الذي ووجه بنقد عنيف بسبب انصياعه المطلق لطلبات الأعضاء الكبار في مجلس الأمن.
وأعلنت الأمم المتحدة الثلاثاء الماضي عن أن الدبلوماسي الفرنسي «جان بيير لا كروا» سوف يترأس إدارة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمدة عام واحد. واحتفظت بريطانيا والصين بموقعهما المسيطر على الإدارات المكلفة بتنسيق عمليات الطوارئ والإغاثة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة. وسوف تحتفظ الولايات المتحدة بواحد من أعلى المناصب السياسية في المنظمة الدولية، وهو نائب الأمين العام، والذي ظلت تحتله خلال العقد الماضي. وبعد محاولة فاشلة من جوتيريس لإقناع مسؤولي إدارة أوباما بالسماح لمواطن من خارج دول «الفيتو» الخمس بتقلّد المنصب المذكور، طلب جوتيريس من «جيفري فيلتمان» الذي رشحه أوباما، الاحتفاظ بمنصب نائب الأمين العام لإدارة الشؤون السياسية حتى أبريل 2018.
وقال الأمين الجديد للأمم المتحدة بكل وضوح للمسؤولين الأميركيين خلال الشهر الأخير لإدارة أوباما في البيت الأبيض إنه يميل لتحقيق «بعض المرونة في إعادة ترتيب المناصب» خلال ولايته وفقاً لما ذكره أحد مسؤولي الإدارة شارك في النقاش، وأضاف: «لم نكن نرغب في إبداء الرضا حول هذا الموضوع. وأنا أفترض بأن موقفنا دفعه للشعور بخيبة الأمل».
وأصرّ الفرنسيون والبريطانيون على التمسك بقيادة الإدارات المتخصصة بتحقيق السلام والإغاثة في حالات الطوارئ وفقاً للمسؤول المذكور.
وباءت بالفشل كل آمال جوتيريس في أن تظهر إدارة ترامب بعض المرونة فيما يتعلق بإعادة توزيع المناصب، عندما اعترض علناً «نيكي هالي»، مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، على تعيين جوتيريس لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض رئيساً لبعثة السلام الأممية إلى ليبيا.
ويؤكد الموقف المضاد لتعيين فياض حقيقة أن جوتيريس يواجه «صعوبات سياسية ضخمة» في محاولته فرض إرادته على المنظمة، وفقاً لـ«ريتشارد جوان» الخبير المتخصص في شؤون الأمم المتحدة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. لكن «جوان» أشار إلى أن جوتيريس لا يزال يمتلك ورقة رابحة في يده.
وعمد جوتيريس إلى تحديد مهلة زمنية في التعيينات الوظيفية التي أعلن عنها الثلاثاء عندما تعهد بالإبقاء على ريادة الفرنسيين والأميركيين لبعثات حفظ السلام والإدارات السياسية لمدة عام واحد. بينما سيتكفل مكتبه بتنفيذ خطط تهدف إلى إعادة النظر في البيروقراطيات الإدارية التي تعيق العمل في الأمم المتحدة، بحيث يلغي بعض المناصب الوظيفية التي لا يرى لزوماً لها أو دمجها مع غيرها. وعلّق «جوان» على هذا الطموح الإداري لجوتيريس بقوله: «لو كان جوتيريس ذكياً، فسيكون بوسعه استغلال فكرة إعادة التنظيم لتقوية مركزه الشخصي عبر إضعاف قوة رؤساء الإدارات المنضوية تحت سلطته».
والآن، يجد جوتيريس نفسه أمام ضرورة استثمار مشاعر الاستياء في حكومات بقية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (193 دولة) والتي تأمل منه أن يضع حداً لاحتكار القوى العظمى لصناعة القرار المخالف لروح ميثاق الأمم المتحدة. ودعت مجموعة تتألف من 25 دولة جوتيريس إلى فتح أعلى المناصب في الأمم المتحدة للتنافس أمام مواطني كل الدول الأعضاء في المنظمة. ويأتي هذا التوجّه في أعقاب حملة عالمية ناجحة أطلقتها مجموعات ضغط وحكومات لفتح السباق إلى المناصب العليا للأمم المتحدة أمام الجميع. وتتخوف تلك المجموعات الآن من أن يتم اختيار شاغلي أرفع تلك الوظائف بطرق وأساليب ملتوية.
ويقول «كارن روس»، مدير مؤسسة «دبلومات» للخدمات الاستشارية في نيويورك: «يمثل كسر احتكار القوى العظمى للوظائف الرفيعة، الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يضمن بها جوتيريس استعادة الأمم المتحدة لاستقلالها في اعتماد السياسات واتخاذ القرارات». ولطالما أثارت طريقة التوظيف في الأمم المتحدة الشكوك من أن الأمناء العامين المتعاقبين عليها كانوا يتاجرون بمنح مناصبها الرفيعة للقوى العظمى مقابل الحصول على دعمها لترشحهم للمنصب. ويمكن لهذه القناعات السائدة أن تسبب «ضرراً بالغاً» لقدرة الأمم المتحدة على القيام بعملها كوسيط نزيه وفقاً لأحد كبار مستشاري الأمين العام السابق كوفي عنان. ويذكر أن ميثاق الأمم المتحدة يمنع موظفيها المدنيين من أداء عملهم بمشاركة أو إشراف أي حكومة، وينبغي على كل موظف جديد فيها أداء القسم بولائه للأمم المتحدة وحدها دون غيرها. لكن ما يحدث عملياً هو أن كبار الموظفين السياسيين في الأمم المتحدة كانوا يظهرون بشكل عام ولاءً مزدوجاً لحكوماتهم وللأمم المتحدة.

*محلل أميركي متخصص في شؤون الأمم المتحدة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»