صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تفسير ذاتي للطبيعة

قيل أن بضعة أسطر كتبها المسرحي والشاعر وليم شكسبير في مسرحياته، لخّص بها تاريخ إنجلترا كلّه، وقيل أيضاً أن لوحة الجيوكندا (الموناليزا)، بابتسامتها المحيّرة، التي رسمها الإيطالي ليوناردو دافينشي عام 1503، هي من أعظم أعماله، بل أعظم رائعة قدمها لتاريخ فن الرسم، وعبّرت بقيمتها الفنية والجمالية عن عشرات الأعمال التي قام بتنفيذها، ربما ينطبق هذا الكلام على محتوى معرض «تعابير إماراتية ـ رؤية تتحقق» الذي يقام حالياً في المنطقة الثقافية بمنارة السعديات، ويختتم أعماله في 18 يناير من العام المقبل، بمشاركة ستة فنانين مميزين هم: ابتسام عبد العزيز، عبد الله السعدي، ليلى جمعة، محمد أحمد إبراهيم، محمد كاظم، محمد المزروعي، وقدّم كل واحد منهم عملاً فنياً عظيماً، ضمن أشكال الفن المفاهيمي، التركيبي، الفيديو آرت، اللوحة التشكيلية.

معرض «تعابير إماراتية ـ رؤية تتحقق» يحمل في جنباته الكثير من الدلالات والأجواء الموحية بأن الإبداع لا حدود وأن هذه الطاقات الإماراتية ممثلة بفنانين من أجيال مختلفة ما هي إلا مرحلة من مشاريع قادمة، وما هي إلا مركز للتأسيس واكتشاف الإبداع المعاصر في أجلى صوره وقوالبه وأشكاله وتياراته الفنية المختلفة، تحقق الدورة الثالثة من هذه المعرض حالياً قفزة نوعية على مستوى تقنيات الأعمال المشاركة وعلى مستوى الإقبال الجماهيري، لأن عوالم الفنانين وأساليبهم في هذا المعرض تكشف أنها عوالم واسعة رحبة ولا ضرر من التوغل في مساحات مختلفة من التعبير، وهذه الوسائل والتقنيات التي شاهدناها تقترب إلى حد كبير مع مفردات البيئة الإماراتية، وإنسانها بطريقة معاصرة فريدة.
قبل الدخول إلى بوابات هذا المعرض وفنانيه، نتحدث عن تعابير إماراتية في دورتها الثالثة، وهي مبادرة تحتفي بالدور المحوري المناط بالفنانين الإماراتيين، وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز المواهب التي تميّز هؤلاء الفنانين، وتقديم الدّعم لهم خلال مسيرتهم الفنية عبر سلسلة من المعارض التي تقدّم للجمهور، ومنها هذا المعرض، ومن ثم تكليفهم بإنجاز أعمال فنية جديدة مع كل دورة، تنجح في إشعال جذوة الإبداع وتحسين الخيال والموهبة وفنيات التعبير لدى هؤلاء الفنانين وأغلبهم من قطاع الشباب الذين يملكون مشاريع فنية غير مكتملة، ولم تتحقق بعد، ويستطيعون اليوم ومن خلال هذه المبادرة الكشف عن النطاق الحقيقي المبدع لأفكارهم وممارساتهم الفنية.
أما أعمال الفنانين الستة في هذا المعرض، فتتضمن العديد من الموضوعات والأفكار، التي ترتبط بشكل أو بآخر بذكرياتهم مع الطبيعة والحياة الحضرية، ويعد كل عمل بمثابة تفسير ذاتي للبيئة المحيطة، وبالمثل تظهر هذه الأعمال إدراكاً مادياً فريداً للحياة المعاصرة، وتشترك جميعاً في أنها تقوم على أساس (مفاهيمي) يدمج النهج المادي والتجريبي للعمل مع الجسد، كما أنها تتمثل وتعكس مشروعات فنية طموحة، تحتاج إلى المزيد من الجهد والابتكارية والخيال الخصب، والتجربة والرؤية الواعية للحياة.
لكن ربما يكون أهم ما في محتوى هذا المعرض، أن كل واحد من فنانيه، قد اقتنص مفردة من بيئة وتراث الإمارات، واستلهم منها عملاً فنياً له خصائصه وهويته، وطريقة تعبيره التي تعبر ضمناً عن رؤية الفنان وخياله وموهبته.

مجموعة التوائم
أول بوابة من بوابات المعرض، قادتنا إلى مجسمين كبيرين ضمن مفهوم الفن التركيبي (الانستليشن) من مادة الألمنيوم، قامت بتصميمهما الفنانة والمهندسة المعمارية ليلى جمعة (مواليد 1977). مجسمان متطابقان ومتماثلان إلى حد بعيد، ولهذا أطلق عليهما اسم مجموعة التوائم، وبهما لغة هندسية ذات صلة بإيقاع العصر، أما فكرة هذين المجسمين فمستمدة من الأشكال الهندسية في الطبيعة، وبخاصة (الدائرة)، حيث تعد بالنسبة للفنانة شكلاً هندسياً يرمز للمثالية والحياة، وقد جعلت من تحليلها للدائرة انطلاقة نحو عمل مجسمات ضخمة الحجم، مجسمات تملأ فراغ المكان، وتحمل طريقة إبداعها التعبيرية. نقدّم للقارئ الفنانة ليلى جمعة، المتخرجة من جامعة العين، مع درجة في الهندسة المعمارية، وانضمت إلى عضوية جمعية الفنون التشكيلية في الدولة عام 2001، وطوال مسيرتها الفنية، شاركت في معارض جماعية وبيناليات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا وسنغافورة، وبعرض ضمن مشروع الفنون الشعبية في (نوادا) باليابان بشكل دائم. معظم أعمالها تقوم على تجسيد فكرة الثنائيات في عمل فني، مثل: الشكل والفضاء 2005، التوائم 2007، الثوابت والمتغيرات 2008، ويبدو إتقانها الفريد في مجموعة التوائم التي تحتل مدخل المعرض، من خلال الشكل والملامح العامة للخطوط، إنها متطابقة ومتشابهة، ولكنها أيضا مختلفة، والعكس صحيح، وهو ما يجعل من عملها منصة للتساؤل والبحث الدائم والشعور بمشاهدته من أكثر من زاوية، كونها تحمل رؤية ذاتية حرة وتصميماً فنياً فيه الكثير من الجماليات والتناسق، بحيث يحقق متعة بصرية للمشاهد، كما يكشف عن جنون الفنان حينما تصبح الفكرة هي الفن بحد ذاته.

الفندال العاري
العمل الفني التركيبي في دائرة الضوء، وهذه المرة من خلال إبداع الفنان عبد الله السعدي، الذي اختار له اسم هو «الفندال العاري»، والفندال هذا لمن لا يعرفه هو مفردة تراثية مستمدة من البيئة الزراعية للإمارات، هو (البطاطا الحلوة)، وهو نبات محلّي معروف، والتي تشير في أشكالها المجردة إلى أجسام الإناث والذكور، وقد استلهم السعدي من شكل هذا النبات أشكالاً عديدة لمجموعة من المجوهرات جمعها على مدى عقد من الزمان، ويركز عمل الفندال العاري الذي يتكون من صخور منقوشة وخرائط وملاحظات ومجموعة متنوعة من أشياء مجمّعة بشكل منهجي، على العلاقة المتحوّلة سريعا بين البشر والطبيعة، وبخاصة في دولة الإمارات. يقول السعدي عن هذه التركيبة الفنية الخلاّبة: «من الناحية التقليدية كانت البطاطا الحوة جزءاً مهماً من نظامنا الغذائي، لكنها لم تعد كذلك، أقوم بزرع البطاطا لسنوات عديدة، ويتناول عملي هذا تقليد زراعة هذا النوع من الطعام الذي كانت له شعبية كبيرة في وقت ما في سياق التاريخ والثقافة من حولي».
إذا نظرت إلى مجموعة المجوهرات التي تم عرضها بطريقة خلابة، لعب فيها توزيع الإضاءة دوراً مهماً في عملية صقل الرؤية، ستجد أن السعدي فنان رقيق شفاف، له طريقة خاصة في إعداد وتجهيز القطعة لتبدو للناظر تحفة جميلة، ضمن عناصر كثيرة مثل القولبة والتوليف، حتى يقود المشاهدين نحو تجربة بصرية يتحول فيها العنصر المادي إلى كائن حي.
في تجربة الفندال للسعدي ثمة الكثير مما يمكن اكتشافه، فهو يرى أولاً أن هذا النبات ينمو تحت الأرض، وتحيط به الأتربة من كل جانب، وعندما يتم إخراجه من التربة، يبدو عارياً وعرضة للتلف، ولهذا حمل جناحه في المعرض هذا العنوان اللافت للانتباه، كما عمله الفني الذي يحوي الكثير من الصقل والجمال والشفافية وروعة التشكيل، وما عليك إلا أن تتأملها كقطع ولوحات فنية تتداخل فيها عناصر الغواية والإدهاش، والعناصر السبعة الرئيسية في الفن: الرسم، النحت، الحفر، النقش، التصوير، الموسيقى الداخلية، وطريقة العرض. عبد الله السعدي، درس الفن الياباني في جامعة كيوتو سيكا، في اليابان عام 1994، وذلك بعد تخرجه في جامعة الإمارات بمدينة العين عام 1989، مع درجة في الأدب الانجليزي، شارك في ورشات عمل حول الرسم في كلية الفنون بأدنبرة، بالإضافة إلى ورشة عمل (مشروع وادي) في مؤسسة القطب الشمالي بأندهوفن عام 2007. عرضت أعماله التركيبية في بينالي البندقية عام 2011، ولاقت قبولاً حسناً.

الحرية الزرقاء
ابتسام عبد العزيز (مواليد 1975)، تقدم لنا رواقاً شفافاً، يحمل عنوان «الحرية الزرقاء» وفيه ستجد نفسك أمام مشروع فني يحمل نمطا من الأعمال التركيبية الرائعة، فهي تعمل بمهارة عالية وبشكل أساسي في أشكال (الفيديو آرت) والتصوير الفوتوغرافي والفن الأدائي، من خلال عملية التركيب الفني، ومن حيث الموضوع تركز على مفهوم السرد الإنساني، واستكشاف البناء الاجتماعي، وهياكل القوة من خلال دراسة فاحصة لحياة الناس العادية، وفي وصفها لأعمالها تؤكد أن الغرض منها هو توثيق الأشكال المختلفة من التجربة الإنسانية، ولكن ماذا في رواق ابتسام؟
في وسط الرواق ستجد تشكيل فني تركيبي عبارة عن (فقاعة) ضخمة ذات لون أزرق، تم تصنيعها من مواد فنية مختلفة، وقد وضعت نفسها داخل هذه الفقاعة الهلامية الشفافة جدا، الملونة باستخدام لون (إيف كلاين)، الأزرق بدرجة شفافة، ومن ثم قامت بتوثيق مراحل إنجاز هذه الفقاعة، عبر الصور والفيديو، لاطلاع المتفرج على سير مراحل إنجاز هذا المشروع الذي يجعلك تدخل في عالم الفراغ، فراغ الإنسان، حينما يصبح كل شيء من حوله فضاء، مما حمّل هذا العمل التركيبي الجميل نكهة خاصة تدلل على ممكنات الفنانة ودقتها على التصميم في الهواء ضمن تقنية فيها ملامح حداثية، وطريقة تعبير متمردة.
ابتسام عبد العزيز فنانة تشكيلية وكاتبة ومنسقة فنية، حاصلة على شهادة جامعية في العلوم والرياضيات عام 1999، وعقب تخرجها بدأت حضور دروس في الرسم في استديو دبي الفني، بالإضافة إلى مسيرتها الفنية، تعمل في مجلة «التشكيل» وتنشر العديد من المقالات في مجلات عديدة ومطبوعات فنية مختلفة، وهي عضو في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية واستديو الفنون في مسرح دبي للشباب، وسبق لها المشاركة في بينالي البندقية عام 2009، وبينالي الشارقة من دورة عام 2005 وحتى 2011، و(عرب إكسبرس) و(متحف موري للفنون) في طوكيو 2012.

جي بي إس
يخرج محمد كاظم (مواليد 1969)، في رواقه في المعرض من تركيبيات زملائه التي تحدثنا عنها، إلى عناصر وجماليات الفن المفاهيمي مع صلة وثيقي بتركيبية فائقة الروعة والجمال، من خلال مشروعه الذي حمل اسم (اتجاهات) وهو عبارة عن سلسلة واسعة من الأعمال الفنية المفاهيمية التي تستند إلى إحداثيات نظام تحديد الموقع العالمي (جي بي إس)، ويتناول هذا العمل المنفذ بتقنية (الفيديو آرت)، عملية التبادل الاجتماعي والمادي والهوية الثقافية في عالم تتزايد فيه مظاهر العولمة، التي تتحدى التجانس من خلال التعددية الثقافية. لكن ماذا في رواق كاظم؟
أخذ محمد كاظم مفردة البحر، كثيمة أساسية لتشكيل عمله، الذي تستطيع أن تعايشه وتتمتع به، حين دخولك غرفة صغيرة مغلقة، حيث قام الفنان بوضع تصور للبحر كماكيت لمشهد ضوئي مرئي بـ 360 درجة، بحيث يتراءى لك البحر بعيداً عميقاً، متحركاً، وحينما تتأمله جيداً ستخال وكأنك تعانق هذا البحر الذي يتجه إليك بغموضه وخفاياه وأسراره، لتحاكي التجربة في النهاية فكرة (الضياع المجهول). ومشروع كاظم في الواقع هو مشروع فيه الكثير من السحر والجماليات والمشهدية البصرية التي تهدف إلى خلق تجربة واقعية ترمز إلى كسر الحواجز والحدود غير المرئية، عبر استخدام تقنيات عصرية حديثة في عالم الفن التركيبي.
درس محمد كاظم الرسم في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية (1984 ـ 1987)، ودرس بعد ذلك الموسيقى في معهد الرايات للموسيقى بدبي (1990 ـ 1991) وواصل تعليمه في كلية أدنبره للفنون عام 1998، وفي عام 2012 أكمل درجة الماجستير في الفنون في فيلادلفيا، ومن ثم عمل مدرساً للرسم في في استديو دبي للفنون من عام 1999 وحتى عام 2009، وتم إختيار بعض أعماله للمشاركة في العديد من المعارض والبيناليات الدولية ومنها بينالي الشارقة (1993 ـ 2005)، وبينالي البندقية (2009 ـ 2013)، بالإضافة إلى كل ذلك، تعد أعماله جزءا من مجموعة المقتنيات الدائمة في المتاحف الكبرى في جميع أنحاء العالم. يعمل بشكل رئيس في مجال التصوير، ويقوم في الغالب بالتقاط الصور لنفسه خلال فن الأداء، حيث يقوم بتوظيف جسده، كناية عن تجربته الشخصية وسيرته الذاتية، ومن خلال ذلك يشكل مفهوما يحاول عبره فهم كيفية عمل قوى العولمة والاستدامة.

غروب الشمس
نفذ الفنان محمد أحمد إبراهيم (مواليد عام 1962) عمله «غروب الشمس» عام 1993، بطريقة الطباعة الملونة أو التعبير بطريقة الصورة الرقمية، وإذا نظرت إلى هذه الجدارية التي تحتل حائطاً بأكمله في رواقه الجميل الهادئ، ما يبعث في نفسية المتأمل نوعاً من الارتياح من جولة ممتدة في مساحة ومداخيل هذا المعرض، أما هذه الصورة فتكشف عن بصمة فريدة من نوعها وضعها الفنان من خلال تجربته الشخصية، وعشقه لمراقبة غروب الشمس، فأراد بتجربته هذه أن يصور هذا التدخل السافر في الطبيعة، لقد أراد الفنان محمد اختراق كل الحدود الفاصلة التي تمنعه من مشاهدة هذا الغروب الجميل، فصنع في صورته تجويفاً عبر جبل، يمكنه من متعة المشاهدة، مؤكداً أن الحدود الفاصلة بين الجبل وبيته، يمكن اختراقها، مسلطا بذلك الضوء على قوة الحس الشعري في الأداء. في الواقع هي صورة تتمتع بكل ما هو جميل ومبدع من توزيع الألوان والإضاءة الداخلية، وبقية العناصر التي تجعل من تشكيل المكان، صورة من تشكيل الفكر الحداثي، وإماطة اللثام عن أهم التقنيات الحديثة المستخدمة في الفن التركيبي، وتهيئة أجواء التجدد والعصرنة. لقد كانت للفنان محمد أحمد إبراهيم، طلّة مميزة في هذا المعرض لم نشهدها بهذه الطريقة من قبل، فنان محدد، منتظم، يرتكز عمله على رؤية تتمتع بتحليل نفسي لمحتويات المكان، في خورفكان، وكيف استطاع أن يحوله إلى حدث درامي، فيه كل عناصر التشويق والرؤيا البصرية الواعية.
درس محمد إبراهيم علم الآثار في مدينة لاهور بباكستان، من عام 1890 حتى عام 1981، ثم التحق بجامعة الإمارات بمدينة العين، وحصل منها على شهادة في علم النفس، انضم إلى جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام 1986، وبعدها قام بتأسيس استوديو الفن في مركز خورفكان للفنون بالشارقة، عرضت أعماله في بينالي الشارقة من عام 1993 وحتى عام 2007، ومنتدى لودفيغ في ألمانيا 2002، وبينالي البندقية عام 2009، وحصدت أعماله الجائزة الأولى للنحت في دورتي بينالي الشارقة 1999 و2001، وتعد أعماله جزءاً من المجموعات الدائمة في المتحف العربي للفن الحديث بالعاصمة القطرية الدوحة، ومتحف الشارقة للفنون، ومركز سيتارد للفنون في هولندا. استكشف في بداية مسيرته الفنية الرسم الزيتي، ثم أنتج أعماله النحتية البيومورفية من الورق المقوى والمعجون والتي تصور شخصيات عديدة، ومن ثم يمكن أن يرسم عليها أشكالاً عديدة. لكنه فيما بعد حول مسار عمله إلى استكشاف (فن الأرض) والاتصال الفلسفي بين الحيز المادي والذاكرة والثقافة، وبدأ على سبيل المثال في عام 1993 تجريب (فن الأرض) من خلال الربط بين مجموعة من الصخور مع حبل من البلاستيك ووضع هذه المجموعة في منطقة جبلية في خورفكان.
هو في واقع الأمر يؤمن بأن عالم الصورة عالم مختلف وواسع، وقد ترجم في هذا المعرض من خلال رواقه الذي ترجم فيه بوضوح تألقه وبريقه واحترافيته من خلال فن الصورة الرقمية وكيف يمكنك تركيب ما تحلم به على خريطتها لتصبح في النهاية تشكيلة درامية لا تخلو من البعد الإنساني.

تقنية الفكرة
وضعنا التشكيلي والشاعر والكاتب محمد المزروعي (مواليد 1962) في آخر قائمة المعرض، لأسباب كثيرة، أولها أنه كان مختلفاً، وبعيداً عن المفاهيمية والتركيبية، والفيديو آرت، ومتداخلاً بقوة مع عالم (اللوحة التشكيلية) المشغولة بمواد وألوان، تحقق له جاهزية وحرفية من نوع مختلف. وأعماله في رواقه جزء من الحركة التعبيرية الجديدة، وقد عرض 11 عملاً، استخدم فيها موضوعات مستوحاة من الأيقونات المسيحية في إطار رمزي، وهو هنا يرجع تجاربه الشخصية التي تتسم بأقصى قدر من التسامح إلى فهم وممارسة الأديان، حيث إنه ينتمي إلى عائلة مسلمة بسيطة، مسالمة، تتعامل مع الآخر وبقية الأديان بروح ثقافية متسامية من دون تحيز أو تعصب، ويروى المزروعي حكايته مع هذه اللوحات لحظة فتح درج والدته بعد وفاتها، وعثوره على صور لمريم العذراء، كانت تحتفظ بها، ويتذكر المزروعي أيضاً مرافقته لوالدته إلى الكنيسة في مدينة طنطا، بمصر، وهو طفل، لإضاءة الشموع، ويستحضر هذه المشاعر الروحية الفياضة، لتجارب تمتاز بهالة أيقونية، مما يحيط بالموتى من تمثال السيد المسيح إلى العشاء الأخير، كما أنه يستخدم شخصياته الأيقونية التي تبدو عليها علامات الألم والحزن والمرارة، والتي تشير من خلال مهارته وحرفيته وتقنيته العالية مباشرة على لوحات الفيوم، وهو الفن المعروف إلى حد كبير لرسم لوحات بأسلوب طبيعي، والتي عادة ما تعلق على قبور مومياوات من العصر القبطي.
من أهم لوحات رواق المزروعي لوحة للسيد المسيح مصلوباً، حيث يسود في تشكيلها اللونان الأحمر والأسود، وفيها لمسات واضحة من فن التجريد، وقد بدت فيها ألوان الأكرليك منسجمة تماماً مع فكرة اللوحة ومضمونها وعناصرها المثبتة على قماش الكانفاس، مع وضوح الرموز الفرعونية ذات الصلة بالجانب الروحي وفلسفة الخلود.
انضم المزروعي إلى عضوية جمعية الإمارات للفنون التشكيلية واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات عام 1988، وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، نجح المزروعي في نشر ستة مجلدات شعرية، أهمها «في معنى مراقبة النار» القاهرة 1998، و«لكنك أنت يا آدم»، و«بلا سبب لأننا فقراء». وعرضت أعماله الفنية مؤخراً في الدورة الثلاثين للمعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية بالشارقة 2012، وبينالي الفن المعاصر الرابع في دولة الكويت 2010، وجناح الإمارات العربية المتحدة بسرقسطة الإسبانية عام 2008.