صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

لماذا الدرع الصاروخي الأميركي في بولندا والتشيك؟

الاتحاد - خاص:

الدرع الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ العابرة للقارات يمتد من آلاسكا إلى بولندا والتشيك· جدل في هذين البلدين اللذين كانا لسنوات مضت جزءاً أساسياً في حلف وارسو، انقلبت الدنيا، لكن التاريخ والجغرافيا ما زالا يضغطان على الموقف السياسي، فالعديد من البولونيين والتشيك يعتبرون أنّ الأوروبيين خانوهم عام 1938 (اتفاقات ميونيخ) ولا حلّ أمامهم سوى الولايات المتحدة·
واشنطن تقول إنّ نصب صواريخ في بولونيا ورادار عملاق في تشيكيا هو للتصدّي لـ''البلدان المارقة''· فما رأي أهل الشأن في ذلك؟
رادارات في السفارات
هل ضاقت الدنيا بروسيا إلى الحدّ الذي يحملها على نصب محطات رادارية في سفاراتها لمراقبة الفضاء، ومتابعة حركة الصواريخ في حال اندلاع حرب ما؟ وسائل إعلام غربية تحدثت عن ذلك، وموسكو نفت، وإن كان واضحاً أنّ سقوط الاتحاد السوفييتي -الذي كانت مساحته سُدس اليابسة- وضع الروس في مأزق جيو - ستراتيجي بعدما راح حلف شمال الأطلسي يزحف أوروبياً ليلامس الحدود الروسية، فيما تمكنت الولايات المتحدة من إقامة قواعد عسكرية في القوقاز وآسيا الوسطى· استطراداً، لم تعد هناك من أرض محرّمة أمام أميركا··
لكن الأميركيين لا يقولون إن الترسانة الروسية تشكل خطراً على أمنهم الاستراتيجي، لا بل إن خبراء البنتاجون يعتبرون أن الكرملين ربما كان بحاجة إلى نصف قرن لكي يبني إمبراطورية متكاملة على المستويين العسكري والاقتصادي· يحاذرون الإشارة إلى الصين كقطب آخر، ربما لكي لا تشكل، ومنذ الآن، أي حساسيّة لدى التنين·
هذا لا يعني أنّ الأميركيين لا يعملون على أساس أنّ عدواً قد يأتي يوماً ما من المجهول· في هوليوود اخترعوا كائنات تهجم من الكواكب الأخرى· هذا على الشاشة· في الواقع يقول البنتاجون إنّ ''الدول المارقة'' هي التي تشكل الخطر الآن· يستغرب الروس: هل يفترض ذلك مدّ الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ العابرة للقارات إلى بولونيا وتشيكيا؟
شظايا الماضي
طول الحدود بين بولندا وروسيا 210 كيلومترات، وتشيكيا قريبة جداً على كل حال· انقلبت الدنيا منذ مطلع التسعينات في القرن الماضي· ولا بدّ لواشنطن من أن تعيد صياغة خططها الاستراتيجية: منظومة من 10 صواريخ اعتراضية في بولونيا، ومحطة رادارية عملاقة في تشيكيا، تنفجر ردّات الفعل··
لا ريب أنّ ثمّة ''شظايا من الماضي''في اللاوعي لدى الشعبين تؤدي إلى تشكّل هواجس معقّدة· هذا لا يمنع من ظهور أصوات ممتنعة· الخبير الاستراتيجي البارز ''رومان كوزنيار''، وهو يدير الآن الأكاديمية الديبلوماسية في وارسو، وجّه رسائل إلى كبار المسؤولين في بلاده اعتبر فيها أن نصب صواريخ فوق الأرض البولونية يتعارض كلياً مع مصلحة البلاد، فليس هناك من وجود لأي خطر ''إلا إذا أردنا أن نضع على رؤوسنا قبعة ''دونكيشوت'': صواريخ هائلة لمقاتلة طواحين الهواء''·
في نظر ''كوزنيار'' فإن البلدان التي تصنّف مارقة ليس باستطاعتها، ولا بنيّتها، شنّ أي هجوم على أوروبا أو على أميركا بالصواريخ البعيدة المدى، ليشير إلى أنّ الدرع الصاروخي ليس دفاعياً بل هجومياً، وبوسع الولايات المتحدة أن تشنّ حرباً ضد أي كان من بولونيا·
''كوزنيار'' قال إنّ أحداً من المسؤولين لم يردّ عليه: ''ربما ألقيت رسائلي في صناديق القمامة''، فيما يقول مختصون إن المسألة لا تتعلق بهذين البلدين فحسب، وإنما بشبكة دفاعية تشمل القارة العجوز برمّتها·
احذروا الدول المارقة
والواقع أن إدارة الرئيس ''جورج دبليو بوش'' طلبت في يناير الفائت من كل من وارسو وبراغ المشاركة في ذلك المشروع العملاق الذي أطلقه الرئيس الراحل ''رونالد ريجان'' في الثمانينيات من القرن الماضي، وإذ خفت الحديث عنه في عهد الرئيس ''بوش'' الأب، فقد عاد إلى الضوء مع الرئيس ''بوش'' الابن بعد إدخال تعديلات عليه في ضوء التطوّرات التي حصلت، والهدف المعلن هو حماية الولايات المتحدة من هجوم بواسطة صاروخ أو صواريخ عابرة للقارات تطلقها ''دولة مارقة''·
الصواريخ في بولندا والرادارات في تشيكيا تتكامل عملانياً مع البنى الصاروخية التي أقيمت في كاليفورنيا وآلاسكا وبريطانيا وجرينلاند، وهو ما يساعد على حماية أجزاء واسعة من أوروبا أيضاً· لكن لا شيء يضمن أن برلماني البلدين اللذين تم اختيارهما لأنهما ''ليّنا العريكة'' سيوافقان، حتماً، على طلب واشنطن· هذا لا يعني عدم وجود متحمّسين لـ''التفاعل'' الاستراتيجي مع الولايات المتحدة· الشخصية الأبرز في هذا المجال نائب رئيس الوزراء التشيكي ''الكسندر فوندرا''، وهو منشق سابق وأحد موقّعي ميثاق الـ77 مع الرئيس ''فاكلاف هافل''· وبعد زوال الشيوعية، بقي في الصفوف الأولى بين القائلين بعلاقات وثيقة مع واشنطن·
''فوندرا'' يؤكد أطلسيته، ويعزو ذلك، بالدرجة الأولى، إلى ما حدث في ميونيخ عام 1938 ''وكيف خاننا الأوروبيون''· ولهذا، كان رهاننا على الأميركيين لحمايتنا· إضافة إلى ذلك، فإنّ أوروبا ضعيفة، ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها· ووجود الجنود الأميركيين بيننا يدفع حكومتهم، حتماً، إلى التدخل لدى تعرّضهم لأي خطر''·
ظهر من زجاج
شخصية أخرى تفضّل عدم ذكر اسمها تشير إلى سبب آخر، وهو ''إننا بلد صغير محشور بين روسيا والبانيا، بقاؤنا يفترض الاتفاق مع واشنطن، وهذا يجعل الأوروبيين يحترموننا أيضاً''· إذاً الجغرافيا والتاريخ يحملان براغ ووارسو على انتهاج تلك السياسة لا الخوف من البلدان المارقة البعيدة، والبدائية على المستوى التكنولوجي والتي لها طموحاتها الأخرى·
أيضاً نائب وزير الخارجية البولوني ''ويتولد فانر كويسكي'' يلاحظ أنه منذ انضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلسي، لم يقم الحلف بأيّ مناورة لمواجهة هجوم روسي محتمل· والسبب هو ''عدم إثارة أي ردّ فعل لدى موسكو، فيما نصف بلادنا بمتناول الصواريخ الروسية المتوسطة، وهذا يحملنا على الشعور بأننا أوروبيون من الدرجة الثانية''·الرأي اللافت هو لوزير الدفاع البولوني ''رادوسلاف سيكورويسكي'' القريب من فريق الرئيس ''بوش''، وكان في الولايات المتحدة واحداً من مفكري المحافظين الجدد، انه يبدو حذراً حيال نصب المنظومة الصاروخية، لأن للولايات المتحدة مصالحها المعقدة في أمكنة كثيرة من العالم ''وأخشى أن يصبح ظهرنا من زجاج''· وإذ يبدي تخوّفه من أن يهدد الروس وارسو، يرى أنّ الحل هو في النموذج الياباني، أي أن تبرم واشنطن معاهدة مع وارسو تقضي بنصب بطاريات صواريخ PAC-3 لأنّ معاهدة من هذا النوع تجعل الالتزامات أكثر شفافية ووضوحاً·
الحقد لا الضرورة
في تشيكيا، كبير المعارضين للمجمع الراداري هو ''جان تاماس''، العالِم التكنولوجي البارز الذي يبدي خشيته من أن تتعرّض براغ لعمليات إرهابية على غرار ما حدث لمدريد ولندن، ناهيك عن أنّ ذلك المجمع يمكن أن ينتج أضراراً بيئية ضخمة، متسائلاً: ''أليس الخوف من مثل هذه الأضرار هو الذي حمل واشنطن على إقامة المحطات الرادارية في أمكنة غير آهلة في جرينلاند وآلاسكا؟
''تاماس'' الذي تمكن من استقطاب 50 جمعية أهلية ينظم التظاهرات ضد الدرع الصاروخي، وإلى جانبه حليف قوي هو الرئيس السابق للبرلمان ''لوبومير زادراليك'' الذي يقرأ أمام الصحافيين مقالة في مجلة ''فورين أفيرز'' الأميركية، وحيث يتضح أن واشنطن تخطط لحروب وقائية دون أي اعتبار للردّ، معتبراً أن الكلام عن ''الدولة المارقة'' هو مجرّد قناع، فالمقصود الصين تحديداً، وإن كانت هذه لا تمتلك سوى عدد محدود من الصواريخ العابرة للقارات·
وهو يعتبر أن توقيع أي اتفاق مع الولايات المتحدة يعبّر عن الحقد لا عن الضرورة الاستراتيجية، فيما يفترض التخلص من كل ترسّبات الماضي، والرهان على دور أوروبي فاعل· الجدل يتصاعد، ولكن ماذا إذا لم يصوّت الكونجرس على تخصيص المال اللازم لنشر الصواريخ وإقامة المجمع الراداري؟ يتلاشى الجدل···

''أورينت برس''