صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الأردن وتحديات واقع اللاجئين العراقيين



دانا ناصر القطناني:

على الرغم من صغر مساحة الأردن الجغرافية وضعف موارده الاقتصادية، علاوة على التحديات التي يواجهها الأردن من تزايد في البطالة واتساع دائرة الفقر، إلا أنه يشكل البلد الأكثر أمنا بالنسبة للاجئين العراقيين الفارين من أعمال القتل المنظم في العراق· فالأردن يشكل لنسبة كبيرة من العراقيين الحل الوسط ما بين حلين، إما انتظار العودة لوطنهم أو التحضير لهجرة إلى بلد أجنبي كالسويد وبريطانيا وغيرها· هذا لا يعني بأن المرور بالأردن هو مرور الكرام، بل يستدعي ذلك المكوث على أراضيه فترة زهاء 6 أشهر على أقل تقدير، ولا أحد يستطيع تحديد نسبة العراقيين في الأردن التي تتراوح ما بين 700 ألف - رسميا - ومليون عراقي، والفارق هو العراقيون غير المقيمين إقامة غير شرعية·
تحديات على الصعيد الاجتماعي
إن فتح الأردن لبواباته أمام اللاجئين العراقيين من شأنه زيادة عبء التحديات التي تواجهها الحكومات الأردنية على كافة الأصعدة، فعلى مستوى التعليم يتطلب ذلك فتح باب المدارس الحكومية أمام الطلبة العراقيين واستيعابهم، وذلك لذوي الدخل المنخفض، وحاجة العراقيين للسكن، وبالتالي ضرورة وصول الخدمات إلى مساكنهم، وهذا بدوره أدى إلى زيادة أسعار العقارات لزيادة الطلب عليها، حيث بلغت مشتريات العراقيين العقارية في الأردن 91,5 مليون دينار أردني، كما أنهم يشكلون ضغطا فعليا على الخدمات العامة بكافة فروعها· غير أن التحدي الأهم هو ذلك الذي يواجهه النسيج الاجتماعي الأردني· فالأردن دولة سكانها 5 ملايين نسمة، وبالتالي هذه الكثافة السكانية محدودة نسبيا، مما يعني ملاحظة التغيرات في نسيجها لدخول عادات جديدة وتجمعات في داخلها، فاللاجئون العراقيون ما نسبته 15 بالمائة من سكان الأردن، وهي نسبة مرتفعة إذا ما أضيف إليها الجاليات العربية والأجنبية، ولا ننسى أن الأردن تتالت عليه هجرات الفلسطينيين في عامي 1948 و،1967 مما تتطلب وقتا لتشكيل نسيجه الاجتماعي·
قلاقل أمنية
التحدي الأخطر ما يكمن في التحدي الأمني في بلد يعتبر الاستقرار أحد الركائز التي يقوم عليها اقتصاده، حيث تضاعف الجهد الأمني لحماية الأردن داخليا وعلى حدوده، وزاد ذلك الجهد مثليه بعد أحداث 11 سبتمبر التي أسفرت عن مقتل ستين قتيلا والتي كانت وراءها ''ساجدة الريشاوي'' عراقية الجنسية مما حدا بالسلطات الأردنية إعادة النظر في الإجراءات المتبعة في استقبال العراقيين، ووضع القيود عليها وتكثيف الرقابة على الحدود، وبذلك باتت كلفة ضبط الأمن عالية جدا، إذ بدأت الخلايا التكفيرية تتسلل من العراق، وهنا بدأت القلاقل الأمنية تلقي بظلالها على الأردن· استطاعت السلطات الأردنية مواجهة ذلك بتفكيك عدة شبكات إرهابية، واعتقلت 45 متهما نصفهم من غير الأردنيين بمن فيهم عراقيون، وعلى الرغم من أن تلك الشبكات الإرهابية أوضحت مرارا وتكرارا أنها لا تستهدف الأردنيين بل الأجانب من اميركان وبريطانيين واسرائيليين، غير أن عملها زعزع علاقات الأردن الوثيقة بتلك الدول، كما أن عمليات تزوير جوازات السفر العراقية التي أخذت في التزايد حدا بكثير من الدول الأجنبية اتخاذ إجراءات وقائية عقدت حركة النقل الجوي من الأردن·
ضغطا على الموارد المحدودة
وكما تفاقم الوضع الأمني كذلك تأثر الاقتصاد، مع أن الولايات المتحدة ضاعفت مساعداتها للأردن في عام اجتياح العراق إلى مليار و100 مليون دولار، إلا أن الوضع ازداد سوءا مع ازدياد تدفق اللاجئين العراقيين إلى الأردن، فالأردن دولة لا تمتلك موارد طبيعية كافية، علاوة على أنها من أفقر دول المنطقة مائيا، وهو ما زاد الكلفة المالية التي تتحملها الدولة لتوفير كمية المياه المطلوبة، كما أن الأردن دولة مستوردة وليست مصدرة، وزيادة اللاجئين العراقيين زاد من مستويات الاستهلاك، ونظرا لضعف القاعدة الإنتاجية، الأمر الذى أدى بالضرورة إلى زيادة معدلات الاستيراد، مما أدى إلى زيادة الضغط على ميزان المدفوعات وزيادة الضغط على الموارد المحدودة ''الطاقة والمياه''، حيث إن العراقيين في الأردن يزيدون من الطلب على الطاقة الكهربائية الموردة للمنازل ويزيدون الضغط على قطاع النقل، مما يزيد الطلب على الطاقة، علما بأن أهم مصادر الاقتصاد الأردني تتمثل عائداته في الفوسفات والسياحة، وأهم سماته الاعتماد بشكل كبير على الإعانات الخارجية والدولية، وعلى استيراد الطاقة من الخارج، مما يزيد من الضغوطات على ميزان المدفوعات خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار النفط العالمية، والذي ترافق مع خسارة المنحة النفطية التي كان الأردن يتلقاها من العراق إبان حكم النظام السابق، وهذا بمجمله ساهم إلى جانب العوامل الداخلية الأخرى إلى رفع المستوى العام للأسعار·
هل تأثر سوق العمل؟
خلف تدفق اللاجئين العراقيين تأثيرات على سوق العمل الأردني، إذ إن كثيراً من العمالة العراقية تعمل في قطاع الخدمات والعمالة بأجور زهيدة، وهذا بدوره أضر بالعمالة الأردنية، ورفع من معدل البطالة في بلد يعتمد في الأساس على العمالة الماهرة وقطاع الخدمات، ويحاول من خلال مشاريعه الوطنية كمشروع التدريب الوطني تأهيل الأيدي العاملة الأردنية وتغيير وجهة نظرها المتمثلة بثقافة العيب التي تساهم في عزوف كثير من الشباب الأردني العمل في قطاع الخدمات، وكذلك فالعمالة العراقية القادمة إلى الأردن نافست العمالة الأردنية في المجالات التي تحتاج إلى مؤهلات بسبب انخفاض تكلفتها مقارنة بالبديل الأردني، مما ساهم في تخفيض معدلات الأجور بسبب زيادة المنافسة على الوظائف المتوفرة ضمن ما يعرف بزيادة العرض في الأيدي العاملة· كما شهد سوق العمل الأردني تواجدا كبيرا للعراقيين كأساتذة في الجامعات والقطاعات الخاصة تحديدا، مما ساهم في زيادة نسبة البطالة في الأردن، أو على الأقل حد من جهود تخفيضها بشكل واضح، وخير مثال على ذلك قضية حملة الدكتوراه الأردنيين الذين ترفض الجامعات الرسمية والخاصة تعيينهم بسبب توفر البديل من الأساتذة العراقيين على وجه الخصوص·
لدخولهم الأردن ميزات
لكن سيتساءل القارئ هل تدفق اللاجئين العراقيين إلى الأردن اشتمل على أعباء سلبية كما ذكرنا؟ للإنصاف والحقيقة التاريخية أن اللاجئين العراقيين كان لتدفقهم كذلك آثارا ايجابية فعلى مستوى سوق العمل ساهموا بإرفاد الأردن بوجود وفرة في الأيدي العاملة الماهرة المعتدلة التكاليف ومتفوقة التدريب خدمت الاقتصاد في شتى قطاعاته، فليس من الخافي على أحد بأن كادر التعليم العراقي متفوق نسبيا على نظيره في المنطقة، وهذا مد قطاع التعليم الأردني بكفاءات علمية· كما يعتبر العراقيون المقتدرون ماليا كرجال الاستثمار والأعمال مستهلكين في قطاعات مختلفة من مدارس وجامعات ومستشفيات خاصة من خلال إنفاقهم فيها، وهكذا يساهمون في رفع الناتج المحلي علاوة عن تزايد التهافت على مراكز التسوق والحجوزات بالفنادق، وقد أدخل إلى الأردن بعد الإطاحة بالنظام السابق ما يقارب 2 بليون دولار، مما أنعش السوق الأردني، علاوة على أن حملة الجنسية العراقية يحتلون المرتبة الأولى في قيمة مشتريات العقارات ما بين الجنسيات العربية الأخرى، مما حدا المدير العام لدائرة الأراضي والمساحة المهندس عبدالمنعم الزعبي نفي أي تعديلات على القوانين السارية بهدف منع الجنسيات الأخرى من تملك العقارات على العكس، بل دعا كل من يواجه صعوبات في المعاملات الخاصة بالعقارات مراجعة الدائرة، مما يعني التشجيع الرسمي لحركة بيع وشراء العقارات من قبل العراقيين، وبلغ عدد مبيعات الأراضي لمستثمرين من غير الأردنيين بلغت خلال شهر يناير من العام ،2007 121 معاملة منها 58 معاملة من الجنسية العراقية، إذ تم استثمار ما مساحته 326 دونما قدرت قيمتها بـ7,3 مليون دينار، وهذه نسبة متزايدة عن عامي 2005 و2006 وتصدر العراقيين المرتبة الأولى بحجم استثمار 4,26 مليون دينار في مختلف القطاعات، وكذلك فان العراقيين يمتلكون حصصاً في الشركات، باستثناء الشركات المساهمة العامة، اقتربت قيمتها من 30 مليون دينار وهي النسبة الأعلى بين الجنسيات كافة التي تمتلك حصصاً في الشركات·
لذا نرى أنه من الجدير بالأردن تقديم كافة التسهيلات الممكنة للمستثمرين العراقيين والاستفادة من الجالية العراقية بإقامة شراكات اقتصادية تنعكس بالإيجاب على الاقتصاد الأردني، يرافق ذلك تعديل لنظام تأشيرات الدخول لتحد بموجبه من المقيمين بصورة غير شرعية، وقد بدأت الأردن فعلا بدراسة ذلك، وطلب التعاون من أرباب العمل لمنع تشغيل العمالة الغير أردنية التي لا تمتلك تصاريح عمل رسمية·
تشاور لإيجاد حل
في الأيام القليلة الفائتة دعا الأردن على لسان وزير الداخلية عيد الفايز المجتمع الدولي لمساعدة الأردن في تحمل الأعباء المترتبة على استضافته اللاجئين العراقيين، وذلك خلال لقائه وزير الهجرة السويدي ''توبياس بيلستورم''، وطلب الأخير من الحكومة الأردنية تقديم احتياجاتها ومتطلباتها لعرضها أمام مؤتمر جنيف المنوي عقده في السابع والثامن عشر من الشهر الحالي، وستتمثل مطالب الحكومة بعرض الأعباء التي يتحملها الأردن وطلب مساعدته في تجنبها، ولكن السؤال المطروح لماذا لا يتشاور الأردن في ضبط وتصحيح أوضاع اللاجئين العراقيين المقيمين على أراضيه مع الحكومة العراقية ؟ وهي حكومة شرعية معترف بها من قبل الأردن ؟ لماذا لا تطالب الحكومة العراقية بمساعدة الأردن لتحمل انعكاسات وجود اللاجئين العراقيين على أراضيه ؟ ولا نعرف كيف قد يكون بتخصيص مساعدة مالية أو منحة نفطية أو بأي شكل تراه الحكومتان مناسبا، ولسبب بسيط أن اللاجئين العراقيين لديهم دولة وحكومة معترف بها من العالم اجمع، ليس كحال اللاجئين الفلسطينيين عام ،1948 أي أن هناك جهة رسمية تتكلم باسمهم وعليها تحمل أعبائهم والاستماع لشكواهم ومساندة الدول المضيفة لهم، علما بأن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قدرت أن أقل من 20 ألف عراقي فقط طلبوا أن يصنفوا على أنهم لاجئون في الأردن! أليس ذلك من حقهم؟!