صحيفة الاتحاد

أخبار اليمن

المرأة اليمنية: يد تحمل السلاح وأخرى تداوي الجرحى

ابتهال الصالحي (عدن)

سجلت المرأة الجنوبية بصورة عامة وفي عدن بشكل خاص وفي مختلف المراحل التاريخية أدواراً بطولية لا يمكن نسيانها، وخلال الحروب كانت لها بصمات عديدة لا تقل شأناً عن دور أقرانها من المقاتلين في الجبهات وتخلد كتب التاريخ أعلاماً نسائية كان لإسهاماتها نسبة عالية من الإنجازات في مختلف الميادين، علاوة عن أدوار كبيرة وهامة جداً، وإن كانت خفية أو غير ظاهرة للعيان، وربما لم تنل المرأة حقها في الاعتراف بأهمية العمل الذي قد يكون سبباً للنصر أو الهزيمة، في عدن لم نفاجأ بدور المرأة النضالي لأنها سبّاقة فيه على مر العصور، فهي ذاتها من حملت راية الكفاح ضد المستعمر البريطاني، وهي من قادت المظاهرات والاعتصامات، ووزعت المنشورات بل وإن هناك من حملن السلاح حتى نيل الاستقلال.
كافحت المرأة اليمنية عبر العصور في وجه كل عدوان وأثبتت جدارتها في كل المهام، كيف لا وهي من حملت السلاح بجانب أخيها الرجل، كيف لا وهي المنقذة والمسعفة، كيف لا وهي من ضحت بالزوج والابن والأخ والأب في سبيل الحرية والكرامة، وفي العدوان الغاشم على عدن من قبل عصابات الحوثي والمخلوع صالح، ساندت المرأة أخيها الرجل في التصدي للقوات الغازية، وساهمت في إيصال المساعدات الطبية والأدوية إلى جرحى المقاومة، وقدمت كل ما تملك من أجل دعم المقاومة في التصدي للميليشيات، ودفعت بفلذات أكبادها إلى وسط المعركة للذود عن عدن التي انتصرت على المتمردين بدعم قوات التحالف وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.
سجلت حضورها من اليوم الأول
تقول الحقوقية وعضو مؤتمر الحوار الوطني عفراء خالد حريري: لم تتردد المرأة في عدن عن قيامها بواجبها في فترة الحرب، ولم تتراجع عما قررت أن تفعله بإقدام وشجاعة وبسالة، فنحن مثلا مجموعة من النساء أنشأنا المبادرة النسائية، لإنقاذ عدن والتي تشكلت مباشرة في أول يوم للحرب، وعملت النساء في اتجاهات مختلفة منها ما كان يعتبر سرياً في تلك الفترة ومنها ما كان واضحاً جلياً، والعمل السري كان مع المقاومة مباشرة بصورة فردية لنساء مجهولات، والعمل المعلن تمثل في جمع التبرعات وشراء المؤن الغذائية توزيعها على الأسر النازحة وشراء الأدوية وتغطية حاجة مستشفى خليفة بن زايد «22 مايو سابقاً»، حيث كانت المستشفى يواجه عجزاً شديداً في الأدوية والمستلزمات الطبية آنذاك، بالإضافة إلى إعداد وجبات الغذاء والعشاء للمقاومة في جبهات القتال المختلفة وفي عدد من المديريات وطواقم التمريض والإسعافات في كل المستشفيات العاملة آنذاك، ومساعدة الجرحى بمبالغ مالية، والاتصال والتواصل مع الجهات الخدمية المختلفة مثل البلدية، الكهرباء، المياه لتوفير الخدمة للناس، والحرص على عدم انقطاعها، كذلك مد المجمعات الصحية بالأدوية والتغذية لطواقم التمريض، والتنسيق مع بعض المنظمات لتوزيع بعض المواد الإغاثية التي تسلمتها تلك المنظمات، وانشئت المستشفيات الميدانية وتطوع البعض فيها في جبهات القتال وخطوط النار مثل جبهة العند والوهط وابين وبعد توقف الحرب في المناطق القريبة من باب المندب.
من ذاكرة الحرب
لم تخذل نساء عدن أهلهن في الحرب أبداً رغم تعرض البعض منهن للخطر والموت، وأتذكر كم مرة ونحن ننتقل من مديرية الشيخ عثمان إلى كريتر وخور مكسر لنقل المساعدات وبعض الاحتياجات وعندما نتجنب التفتيش ونحاول الهروب من النقاط يتم إطلاق النار مباشرة علينا، وأتذكر عندما ذهبنا إلى مجمع القطيع بمديرية كريتر لمعرفة المتطلبات لنحتجز هناك بسبب القصف المباشر على المركز الصحي وحارة القطيع، ناهيك عن حضور القناصة في أعلى الجبل المقابل للمركز الصحي هناك، وكانت تتساقط أمام أعيننا أجساد الشباب جثتاً هامدة، أو مصابة بطلق ناري، ذهبت للمركز الصحي وفيه يوجد شهيدان خرجت منه وقد وصل اليه نحو عشرة شهداء، وكان هناك 21 جريحاً، وغادرت وقد وصل عددهم إلى 52 جريحاً، لم يكن نشاط المبادرة النسائية عادياً، حتى وهم يستخدمونا دروعاً بشرية لم يتملكنا الخوف والرعب أبداً، كانت الشوارع خالية ونحن نذهب لنسلم المبالغ المالية لمندوبات المبادرة في المديريات التي نزح إليها المواطنون في ذروة القصف والقنص، وكم جريح تم انتشاله من شباب المقاومة في الطريق ليتم علاجه أو إخفائه سراً من عناصر الحوثي والمخلوع الإجرامية لم نكن نفكر حينها في الإعلام والشهرة ونحمل معنا كاميرات لتصوير ما نقوم ولكن هناك من شباب المقاومة من يتذكر ذلك وغير ذلك وهذه أكبر مكافئة لنا وستظل هذه الذكريات والمواقف محفورة في الذكرة.
الناشطة الحقوقية عفراء حريري تقول: « نساء عدن قدمن الكثير، وسيضلن مثل الجندي المجهول جمعتهن محبة عدن والانتماء لها، دون سواها»

حرب 120 يوماً
الناشطة الاجتماعية في المبادرة النسائية لإنقاذ عدن نور حسين يافعي تقول: أتت هذه الحرب الظالمة على عدن، التي استمرت أكثر من 120 يوماً، كانت المرأة عنصراً أساسياً في النصر فيها، فمنذ اليوم الأول للحرب كان لها دور مهم، فالأم هي من دفعت أبناءها لحمل السلاح والدفاع عن المدينة. المرأة هي من تتبرع بالمال وتعد الطعام والشراب لمن في الجبهات. وهي التي تضمد جراح المصابين في المستشفيات والمراكز الصحية، كونها تشكل نسبة لا تقل عن 60 في المائة من الكادر الصحي، بل وكانت في مقدمة المتطوعين، في حين تغيب كثير من العاملين الأساسيين في الغالب لأسباب مرتبطة بظروف الحرب. وتروي لنا نور حسين من ذاكرة الحرب: «المرأة هي من تطوعت في أعمال الإغاثة والدعم للأسر النازحة والمتضررة. المرأة هي الإعلامية التي نقلت الصورة وانتهاكات هذه العصابات في عدن، وهي التي ساهمت في حفظ الأمن بعدن ووقفت بجانب أخيها الرجل في نقاط التفتيش في الشوارع، وتأتي الرائعة سعاد أحمد علي العسكرية بإدارة الأمن بمدينة عدن مثالاً حياً على ذلك فبواسطتها تم القبض على العديد من عناصر الحوثي والمخلوع وهم متنكرين بالزي النسائي محاولين التسلل إلى المديريات التي كانت تحت سيطرة المقاومة، وهي كذلك الشهيدة والجريحة في هذه الحرب الظالمة، وهي أم الشهيد وزوجته وأخته وابنته».
معركة عدن التي تكللت بالنصر المبين وبفضل الأبطال من أبنائها نساء ورجالاً وأطفالاً، فكل ساهم بطريقته في التصدى لهذه العصابات الآتية من الجبال والكهوف، وكان سبباً للنصر بطريقة أو بأخرى.
وتضيف نور حسين: «خلال فترة الحرب قمت مع مجموعة من الزميلات بجمع التبرعات وبدأنا بعائلاتنا وبعض المقربين وبهذه الأموال وفّرنا وجبات طعام لشباب المقاومة خاصة أن الدعم الذي كانت تتلقاه المقاومة محدود جداً وبالذات بعد تسلمنا رسائل من بعض الشباب على الفيس بوك يخبرونا فيها بأن الشباب المرابطين في نقطه قريبة من الحي الذي أسكن فيه يعانون من نقص كبير في وجبات الطعام، كان العمل تطوعي وفيه روح كبيرة من الإصرار والتفاني من قبل الزميلات والأهالي ومع أن الإمكانيات كانت شحيحة جداً فمعظمنا بلا رواتب والمواد الغذائية شحيحة في الأسواق مع ارتفاع كبير في أسعارها وانعدام مادة الغاز المنزلي، لكن كان هناك إصرار على توفير الطعام للشباب الذين كان عددهم كبير، كما لم ننس الجرحى في المستشفيات وخاصة القادمين من مناطق بعيدة ومن القرى، كنا نقدم كل شيء نستطيع تقديمه ونبحث عن فاعلي الخير الذين يرغبون بمساعدتهم
غرفة عمليات
لم تكن حرب عصابات الحوثي والمخلوع حرباً على الأرض فقط فقد مارسوا الحرب النفسية والإعلامية علينا ولهذا تنبهنا ومنذ اللحظات الأولى لهذا الأمر، وقمنا بعمل شبكة معلومات من نفي المعلومات والتسريبات التي كانت هذه العصابات تهدف من ورائها إلى زعزعة الروح المعنوية والنفسية لشباب المقاومة والمواطنين بشكل عام، كنا نقوم بنفي كل هذه الإشاعات وتعميمها على كل المواقع والصفحات في محاولة منا لنشر الحقيقة وعدم النيل من معنوياتنا، مقاومة ومواطنين، حتى بعد أن قصف منزلي بـ 4 قذائف في 29 أبريل لم أتوقف لحظه عن ما كنت أقوم به، باختصار كانت الحرب ظالمة بكل المقاييس وكانت جهودنا فردية.
نادرة عبدالقدوس رئيسة مجلس الإدارة رئيس التحرير بمؤسسة 14 أكتوبر للطباعة والنشر تتحدث للاتحاد، أن مشاركة المرأة في الإغاثة الغذائية كانت البداية، والتي سبقت الاعتداء على عدن.. كانت هناك حراسات من الشباب الذين هبوا للدفاع عن حياض عدن تاركين خلفهم ملذات الحياة ورفاهيتها، وحملوا السلاح لأول مرة. هؤلاء استحقوا منا كل تقدير واحترام وتفخر بهم بلادنا. ولي الشرف مع عدد من نساء الحي في تقديم بعض الوجبات الغذائية رغم شحة الإمكانيات إذ انقطع عن عدن التموين الغذائي القادم من محافظات أخرى بسبب الحصار الذي فرضته ميليشيات الحوثي والمخلوع. كما أننا لم نتسلم مرتباتنا الشهرية لأشهر عدة منذ اندلاع الحرب العبثية. لكن بالتعاون والتعاضد في الأحياء السكنية تمكنا من تجاوز العقوبات وكنا نتناوب بتقديم الطعام اللازم، وبعض النساء والعائلات المقتدرة قدمت المال لشراء الطحين والأرز وغير ذلك. وهناك نساء حملن السلاح والمشاركة في نقاط التفتيش التي انتشرت في مختلف مناطق عدن.
لقد أثبتت المرأة في فترة الحرب الغاشمة ثباتها وقوة عزيمتها في الدفاع عن مدينتها الباسلة وهذا ليس بالغريب على المرأة العدنية فقد ورثت النضال السياسي منذ عقود طويلة إبان الاحتلال البريطاني لعدن خاصة والجنوب عموماً، والتاريخ النضالي للمرأة العدنية والجنوبية بشكل عام ضد الوجود البريطاني معروف للقاصي والداني.


دور إنسانــي ووطني
تقول إحسان عبيد رئيسة المؤسسة العربية لمساندة المرأة والحدث وعضو المبادرة النسائية لإنقاذ عدن: إنه لم يكن غريباً على المرأة في عدن كل ما قامت به من دور إنساني ووطني خلال فترة الحرب في مدينة السلام والتسامح عدن.
فقد تداعت عدد من النساء لتأطير أنفسهن في مجموعات ومكونات نسائية وأخريات ضمن مبادرات تضم شباباً ورجالا، وذلك للقيام بأدوار مختلفة في أسوأ حرب وجهت ضد عدن ومواطنيها.
فمع بداية دخول عصابات الحوثي والمخلوع إلى عدن وسقوط الضحايا بين قتيل وجريح كان تحرك النساء في الاتجاه المقابل القيام بإسعاف الجرحى وتزويد المراكز الصحية بما أمكن من المواد الطبية تحسباً لسوء الأوضاع ونفاذ مخزون هذه المراكز من الاحتياجات.
وبعد أن تصاعدت ضراوة الاعتداءات على منطقة خور مكسر، كريتر، المعلا والقلوعة واجهنا نقصا واحتياجا شديدا في المواد الطبيبة والإسعافيه. فبدأت النساء في هذه المناطق مدعومة أيضاً بنساء المناطق الأقل تضرراً بحملة تبرعات من الأسر ورجال الخير في الداخل بتوفير الأهم ثم المهم من هذا الاحتياج بما في ذلك تجميع الملايات والملابس والغذاء للمراكز الصحية بالإضافة إلى التبرعات المالية لشراء الأدوية.
وتضيف تفاقم الوضع في تلك المناطق وأصبح مأساوياً بالإضافة إلى أطراف منطقة الشيخ عثمان ودار سعد فكان الحصار القاتل لها الأمر الذي ضاعف مهمة المرأة تجاه الأسر لتأمين حياتهم وهذه المهمة تجلت نشاطها بتأمين السكن البديل للأسر والمأوى الآمن مع تزايد النزوح إلى المناطق الآمنة في الشيخ عثمان والمنصورة وإنماء.
خلال هذه الحرب الظالمة هبت المرأة بمختلف شرائحها وفئاتها العمرية، ربة البيت والعاملة والطالبة الجامعية جميعهن تطوعن ولبين نداء الوطن، تضحيات نسائية قد سطرت بها المرأة لوحة الكرامة والإنسانية ونقشتها بأروع ألوان التضحية والشجاعة كيف لا إذا كانت من تنادي هي عدن.. جنة الله في أرضة!.