صحيفة الاتحاد

الإمارات

كويليو يستحضر تجليات النساء في ساحرة بورتوبيللو



دبي - بسام عبدالسميع:

كشف عبدالحميد جمعه رئيس مهرجان دبي السينمائي الدولي أن هناك مفاوضات تجري حول تحويل أبرز رواياته ''الخيميائي'' الى فيلم سينمائي، يتم تصوير أكثر مشاهده بدبي، كما كشف عن حضور كويليو خلال مهرجان دبي السينمائي لدورته الرابعة ديسمبر العام الجاري، مشيراً الى أنه تمت دعوته لجميع المهرجانات القادمة·
وكان كويليو قد غادر أمس دبي متوجهاً الى البرازيل بعد أن استقبلته دبي على مدار اليومين الماضيين في حدث يعد الأبرز من نوعه بالمنطقة خلال العام الجاري، وأقيم حفل الاستقبال الأحد الماضي بمنطقة البستكية بدبي، ليعلن عن إطلاق روايته الجديدة ''ساحرة بورتوبيللو''، أحدث أعماله الإبداعية·
كما أقامت أول أمس مكتبة المجرودي بمول ابن بطولة حفلاً لتوقيع الكاتب على الرواية ، حيث التقى بجمهوره وقراءه في تظاهرة ثقافية كبيرة وفريدة·
الرواية
وفي هذه الرواية ''ساحرة بورتوبيللو'' يستكمل باولو كويليو رحلته الإبداعية في البحث عن سر الكون من خلال بطلة الرواية التي جسدت جميع حالات المرأة العربية والغربية، وجاءت الرواية عبر نسق جديد لكويليو، الذي استخدم نمط الحكي وشهادات من عايشوا البطلة مكوناً روايته بخيوط مكتملة ومثيرة ومفاجئة، كما أطلق على بطلة الرواية لقب أثينا، في إشارة الى عاصمة اليونان مرجع الفلسفة والحضارة القديمة، وأن أثينا ترمز الى آلهة الحكمة والمعرفة والحرب والذكاء عند الإغريق·
وجاءت حياة البطلة منذ ولادتها لأم غجرية وتبني أسرة لبنانية لها وطلاقها بعد إنجابها طفلها الأول وعودتها الى أثينا بحثاً عن أمها الحقيقية، في مشهد جاف، حيث لم تبك ولم تفرح لرؤية أمها بعد شغفها الشديد معتقدة أن سعادته ستحدث بلقاء أمها، ثم تفارق أمها عائدة الى الأم بالتبني·
وتدور أحداث الرواية حول طفلة يتيمة تسمى شيرين وتحب أن تلقب بأثينا، تخلت عنها أمها الغجرية في ترانسيلفانيا برومانيا، لتأخذها عائلتها اللبنانية بالتبني إلى بيروت، لتنتقل الى لندن بسبب الحرب اللبنانية في السبعينات من القرن الماضي لتمضي الى دبي في رحلة جديدة بحثاً عن الحياة·
واعتمد باولو كويليو في الرواية طريقة السرد، فالرواية جعلها مجموعة شهادات يدلي بها أشخاص عرفوا شيرين أو أثينا، ويروى كل منهم حياة البطلة كما رآها أو فهمها، وتسمع صوت البطلة خلال الشهادات التي أدلى بها من عايشوها، وذلك حينما ينقل عنها الشهود ما روت لهم، وما دار بينها وبينهم من أحاديث· حتى الأم الحقيقية أو الأم بالتبني، وتأتي شهادة نبيل الأيهي، الرجل الإماراتي الذي التقاها في دبي والمقيم في الصحراء، حيث علّمها حب الصحراء وفن الخط العربي وفلسفته ومعانيه الفاضلة·
رواية الشهود
ويبدأ الكاتب روايته بشهادة الصحفي هير ون راين 44 عاماً، كما يختتم روايته باستكمال شهادة الصحفي حول وفاتها وما شاب نهاية حياة أثينا، ويدخل بالشهادة الثانية التي تدلي بها ليلى زينب 64 عاماً، عالمة في التنجيم، طارحة تساؤلات عديدة فما الذي كانت تفعله أثينا، أنها فعلت القليل من كل شيء، لقد كانت كاهنة، فهمت قوى الطبيعة، أو بالأحرى كانت امرأة، بالنظر الى أنها لا تمتلك الكثير لتخاف خسارته وليس لديها القليل لتحلم به، جازفت أكثر من سواها، وآل بها المطاف الى التحول الى القوى التي ظنت أنها كانت متمكنة منها·
وتستكمل عالمة التنجيم شهادتها، قائلة إن أثينا عملت في أحد المتاجر الكبرى، موظفة في مصرف، سمسارة عقارات، وفي كل هذه المراكز كانت تكشف دوماً عن الكاهنة داخلها، وتشير العرافة الى أنها عاشت معها ثماني سنوات مدينة لها بإحياء ذكراها وهويتها·
اما بيتر شيرني مدير فرع مصرف هوم لاند بارك بلندن، فيوضح أنه وافق على توظيف أثينا لمجرد أن عائلتها من أكبر عملاء البنك، آملاً أن تترك أثينا العمل من تلقاء نفسها بعد فترة وفي شهادة سميرة خليل والدة أثينا بالتبني، تحكي لحظة الخوف حينما أخبرتها أثينا بالرغبة في البحث عن أمها الحقيقية·
وتكشف أثينا نفسها عندما يطل صوتها في شهادة أمها بالتبني أنها تعلمت فن الخط في دبي، والرقص متى يتسنى لها ذلك، وأنه لا وجود للموسيقى دون فواصل، ولا للجمل من دون فراغات·
ويضمن الكاتب خلال شهادات راين الصحفي المتعددة عبر الكتاب لقطات من تاريخ تشاوتشيسكو الديكتاتور السابق في رومانيا ومظاهر الحياة الاجتماعية في تلك الفترة، كما تطرح ديدرا أونيل التي تعرف بـ''ايدا'' لحظة تعارفهما بالمقهى·
ملف التبني
ويفتح كويليو في ساحرته إحدى القضايا الإنسانية الشائكة والتي يعاني منها العالم بسبب الحروب والدمار السائد في القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، معبراً عن ملفّ التبني في لبنان والذي نتج عن الحرب اللبنانية الأهلية، عبر أسرة خليل اللبنانية الثرية التي تبحث عن طفلة للتبني ليس في لبنان، وانما في رومانيا مختارة فتاة غريبة الأطوار، لم تستطع بعد انجابها لـ ''فايورل''، أن تواصل حياتها الزوجية فسعت الى الطلاق، وبعد نجاحها في مجال العقارات يعود بنا الكاتب الى الألم ثانية بسبب رغبة أثينا في معرفة أمها الحقيقية، تعود الى لندن للبحث عن الأم في المكان الذي ولدت فيه·
وعندما وجدت أمها في مدينة سيبيو، وفي مفارقة غريبة دائماً ما يضعها باولو في رواياته، جاء لقاء الأم حدثاً عادياً في حياة أثينا، فسرعان ما غادرت مسقط رأسها عائدة الى لندن، لتعيش المشهد الأخير من رحلتها الدنيوية بصورة غامضة ونهاية مأساوية·
هيرون أكثر الرواة
ويقدم هيرون راين الشهادة الأخيرة في الرواية مشيراً الى أن الموت كان الخيار الأخير، لكن كان ينبغي له أن يحصل في ظروف طبيعية تماماً، كموت أي شخص آخر يقتل في مدينة كبيرة·
ويقول باولو إنه في بداية تحقيقاته التي نتجت عنها تلك النسخة خلت أنني أعيد بناء حياتها لكي تري كم كانت جريئة ومهمة، لكنه وصل لنتيجة مفادها أن السبب الحقيقي وراء العمل كله كانت الرغبة عن سؤال لم يجد جوابه يوماً، لماذا أحبته أثينا رغم اختلافهما الكبير·
وينسج باولو كويليو في روايته علاقات كثيرة بعضها مريب، وبعضها الآخر يختفي في ظروف غامضة كما هي عاداته الإبداعية، مستمراً في مداعبة المكامن الخطرة من النفس البشرية، عابثاً بفتيل الحياة، ليكشف عن طاقة الإنسان الكامنة، ويبين كيف تتحرك وتنطلق بموجه ومن دون موجه، مسقطاً صفات الشهود والرواة على بطلة القصة، حيث تراه في شهادة الكاهنة يتحدث عن أثينا بصفات الكاهنة ذاتها، كما حقق أوجه الشبه بين الأم بالتبني الباحثة عن تحقيق متعة الأمومة وأثينا الباحثة عن أمها الحقيقية، ولم تحقق كل منهما السعادة، التي تبحث عنها·