تقارير

الاتحاد

مضامين جديدة للأمن العالمي

الرهانات الدولية في ظل العولمة، أضحت مرتبطة بشكل أقوى بالقضايا الاجتماعية، وأقل تفاعلاً مع الاستراتيجيات السياسية والعسكرية، والفاعلون الاجتماعيون أكثر حضوراً على الساحة الدولية حيث المجال الدولي لم يعد حكراً على الحكومات وحدها، بل هو فضاء عمومي تتداخل فيه كل من الحكومات والأفراد والمنظمات غير الحكومية، والذي يعبر عن نوع من التصالح ما بين الإنسانية والواقع الدولي.
وهناك منظور جديد للأمن بدأ يفرض نفسه متجاوزاً الاعتبارات الترابية والإقليمية والعسكرية، فالتحديات الجديدة جعلت مفهوم الأمن شمولياً ومتعدد الأبعاد وأكثر التصاقاً بالحياة الاجتماعية، وهذا ما جعل برنامج الأمم المتحدة للتنمية يتبنى فكرة "الأمن الإنساني"، فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات، بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.
ونتيجة للظروف الناتجة عن اختلال التوازنات الاجتماعية وتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، تم التعجيل بالتفكير في مبدأ إدارة شؤون الدولة والمجتمع كنمط لتجديد أساليب الحكم وتفعيلها بشكل أفضل من خلال صياغة أشكال جدية في المشاركة ، قائمة على التضامن والنهوض بالاحتياجات الأساسية للمواطن. ومن الواضح بقدر ما هناك قوة في طموحات المشاريع الكونية على كافة الصعد إلا أن هناك قصورا - إلى حد ما - حين تتجسد في الواقع. فعندما نتكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي، هناك كثير من التساؤلات تطرح: تاريخيا هل تم تحقيق الأمن العالمي؟
المضامين الجديدة للأمن العالمي هل متفق عليها عالمياً؟ هل يمكن مقابلة منظور السيادة الوطنية بمواطنية كونية شبه مكتملة ؟
عندما يتم الحديث عن المضامين الجديدة للأمن العالمي علينا الأخذ بعين الاعتبار حالتين : الأمن العالمي القائم على العلاقة بين الإنسان والطبيعة (البيئة)، والأمن العالمي القائم على العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة والدول فيما بينها (الأمن السياسي) من جهة أخرى.
فيما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الإنسان والبيئة هناك تحديات تواجه الأمن العالمي، وقد يكون التضامن العالمي لإيجاد حلول لمواجهة التحديات في هذا الصدد أكثر إمكانية منه على صعيد الأمن السياسي بين الدول. والعقد الاجتماعي هو أساس شرعية القانون في المجتمعات البشرية، وفي النظام الدولي التقليدي، الدول تتمتع بقدر من الحرية والسيادة، ولا توجد أي سلطة فوقها، ولا قانون دولي إلا ما تختاره على أساس اتفاقيات أو معاهدات تم مناقشتها بحرية تامة أو أعراف تم قبولها ضمنياً، فحرية الدولة لا تحدها سوى حرية الدول الأخرى، وإذا كانت الحالة الطبيعية قد تم تجاوزها في النظام الداخلي، فليس الأمر كذلك في النظام الدولي حيث القوة هي المقياس الوحيد للتصرف، على الرغم من أن الأمور قد تغيرت مع ظهور المنظمات غير الحكومية إلا أن علاقة القوة داخل هذه المنظومة ستبقى موجودة.
على صعيد المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك إشكالية على مستوى تأقلم الضوابط القانونية مع القضايا أو المشكلات العارضة، فكيف يتم معالجة قضايا في ظل غياب قواعد قانونية تضبط هذه الأوضاع العارضة، مثل قضية اللحوم الملوثة هرمونيا التي انقسم حولها الرأي العالمي بين الولايات المتحدة وكندا من جانب والمجموعة الأوروبية من جانب آخر.
هناك كثير من القضايا الشائكة التي تطرح علامات استفهام حول إمكانية الاتفاق عليها خاصة على الصعيد الثقافي، والخلاف الدائر بين منظمة الصحة العالمية ومصر حول ختان الإناث يعبر عن واقع هذه التناقضات.
الجانب الاستراتيجي والمصلحي ما زال فاعلاً وحاضراً بقوة، وكثيراً ما تتحول حقوق الإنسان إلى أداة لضغط الأقوياء على الضعفاء، وهو ما يخلق التداخل بين ما هو دولي وما هو إنساني، وبالتالي من الطبيعي أن ينعكس ذلك فيما بعد على الأمن العالمي.
إن الأمن العالمي التي بدأت معالمه تتضح يوماً بعد يوم يجعلنا أكثر تفاؤلاً بمستقبل التعاون الدولي، وسيبقى القانون الدولي دعامة لهذا المستقبل وهنا نتساءل :كيف يمكن للقانون الدولي أن يتطور؟
هل يمكن للقانون الدولي أن يتطور إلا في ظل الحياد السياسي الذي يسمح له بالمحافظة على استقلاليته ؟هل ذلك ممكن ؟ تاريخياً هل تم تحقيق ذلك؟


سلام الربضي
كاتب أردني
ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"

اقرأ أيضا