صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

هل تتحول بغداد إلى سراييفو جديدة ؟



غادة سليم:

لا يزال هناك جيل عربي تختزن ذاكرته مشاهد حزينة لنزوح ملايين الفلسطينيين عن أرضهم في منتصف القرن العشرين، ولا شك أنهم يسترجعون تلك المشاهد اليوم عند رؤية ملايين العراقيين ينزحون عن أرضهم تجاه بلدان الجوار· تلك البلاد ذاتها التي لا تزال تستضيف اللاجئين الفلسطينيين منذ عقود والمسكونين بأحلام العودة· فالعالم العربي اليوم يشهد أكبر هجرة في تاريخه منذ عام 1948 واللاجئون العراقيون هم فلسطينيو القرن الحادي والعشرين، وإحدى النتائج الكارثية للاجتياح الأميركي للعراق، وهم الضحايا المنسيون لعملية اطاحة نظام صدام حسين· وفي ظل المشهد اليومي للدمار والدماء وتطاير الأشلاء تسقط حسابات الأمم المتحدة وتغيب تقديرات دول التحالف ويتحول المشهد اليومي للنازحين إلى أرقام تقريبية لأزمة إنسانية جديدة تضاف إلى أزمات المنطقة· فالبعض يقدر عدد اللاجئين العراقيين بما يزيد على ثلاثة ملايين لاجئ، لكن أحدا لا يعرف الرقم الحقيقي· فهناك ملايين العراقيين مشردون داخل حدود وطنهم هربا من العنف الطائفي، وملايين آخرون تتلاطم بهم الأوضاع المتناقضة في دول الجوار التي تفتح أحضانها لهم تارة وتعتصرهم وتخنقهم تارة أخرى· مأساة اللاجئين العراقيين المغيبة إعلامياً تنتظر نتائج المؤتمر الدولي الذي سيعقد في جنيف من 17-18 أبريل الجاري لبحث قضية اللاجئين العراقيين، حيث ستقف عشرات الأسئلة الملحة تبحث عن إجابات· إلا أن علامة الاستفهام الأكبر والتي تعكس تحديات الأزمة الإنسانية والأمنية التي تشهدها المنطقة ستبقى حول موعد رحيل القوات الأميركية· والخوف أن يكون العراقيون هم من سيرحل أولا·
لاجئون أم ضيوف؟
الأمان·· أحد الأشياء الكثيرة الغالية التي فقدها أهل العراق تماما في السنوات الماضية· فلقد أخذت الأمور بعد الحرب تسير من سيئ إلى أسوأ حتى أفرزت الأزمة كماً هائلاً من الألم والشجن والمعاناة ضاعفها غياب الخدمات الإنسانية الأساسية التي من فرط بساطتها قد لا يرد ذكرها عند السرد· أمور كلها دفعت إلى البحث عن مهرب حتى بات الهرب هو بوابة النجاة· فمن التهجير القسري داخل الوطن بسبب العنف الطائفي إلى النزوح في جماعات إلى الخارج بأعداد تصل إلى أربعين ألف شخص شهريا إلى الآلاف من النخب العراقية التي تتجه إلى الدول الصناعية· حتى بلغ تقدير المهاجرين العراقيين ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف عراقي·
ومن دواعي السخرية المريرة أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين والتي قامت بعد ثلاثة أشهر من سقوط نظام صدام حسين بإنشاء تسعة مكاتب في مختلف أنحاء العراق لاستقبال آلاف العراقيين المقيمين في الخارج، اضطرت إلى تحويل هذه المكاتب التسعة إلى مراكز لتسجيل أسماء المهاجرين إلى الخارج· وهي الآن تبحث فكرة إنشاء المزيد منها لاستيعاب أعداد المهاجرين· لكن أزمة الثقة بين العراقيين وكل ما هو أجنبي دفعت بالغالبية العظمى من العراقيين إلى الهروب سرا إلى سوريا والأردن دون تسجيل أسمائهم لدى مراكز المفوضية وهو ما جعل الهجرة أشبه بالنزوح الصامت·
ورغم غياب الأرقام الحقيقية للمهاجرين العراقيين إلا أن إحصائيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تشير إلى أن واحدا من كل ثمانية عراقيين نزحوا عن ديارهم في العامين الماضيين· وأن الغالبية العظمى من النازحين يتمركزون في سوريا والأردن· ففي سوريا وحدها مليون و200 ألف لاجئ عراقي، أما الأردن فيأوي حوالي 750 ألفا· ويعيش في مصر حوالي 80 ألف لاجئ عراقي· وهناك 40 ألف لاجئ عراقي في لبنان· إلا أن الدول العربية المجاورة للعراق والتي تستضيف آلافا من اللاجئين العراقيين باتت اليوم تقف موقف الكاره لاستقبال أية أعداد أخرى· وإذا سمحت لهم بالدخول فإنها لا تمنحهم إقامة أكثر من 3 شهور فقط ثم تطالبهم بالمغادرة·
وكان رون ريدموند الناطق باسم المفوضية قد حث المجتمع الدولي على بذل المزيد من الجهد لمساعدة سوريا والأردن، مؤكدا أنهما لا يمكنهما تحمل العبء وحدهما، وأن اللاجئين يعيشون في فقر مدقع ولا تتوفر لهم الرعاية الصحية ولا توجد أماكن لأطفالهم في المدارس خاصة وأن 48% من اللاجئين العراقيين هم من الأطفال· وفي تصريح لريدموند في الـ''بي بي سي'' قال: إن العراقيين المهجرين يخضعون لتقلب أمزجة الحكومات وابتزاز الشعوب، وإن الأردن فرض قيودا شديدة على أعداد اللاجئين الذين يتم السماح لهم بالدخول ودأب على توصيل رسائل متناقضة إلى ضيوفه من العراقيين ترحب بهم تارة وتطاردهم تارة أخرى· وقال تقرير صادر عن منظمة اليونيسيف والبرنامج العالمي للغذاء إن حوالي 450 ألف عراقي في سوريا يواجهون صعوبات ذات علاقة بشرعية وجودهم في البلاد، بالإضافة إلى محدودية الدخل التي خلقت ظاهرة انتشار عمالة الأطفال بأجور متدنية· بينما تقوم الحكومة المصرية باتباع إجراءات تنظيمية مشددة لمنح الإقامة الدائمة أو لفترات طويلة للمهاجرين العراقيين والذين بلغوا 80 ألفا من أصل أربعة ملايين لاجئ من جنسيات مختلفة يعيشون في مصر· وفي المملكة العربية السعودية هناك عدد غير محدد من اللاجئين العراقيين يعيشون في معسكرات تحت حراسة أمنية مشددة وتؤمن لهم المملكة العلاج والدراسة· بالإضافة إلى عشرات الآلاف الذين يعيشون في لبنان وتركيا· وبعيدا عن اللجوء لدول الجوار، فإن عدد اللاجئين إلى دول الغرب قد تضاعف بشدة في السنوات الأخيرة، فقد ارتفعت طلبات النخبة العراقية باللجوء إلى الدول الصناعية بنسبة 80 في المئة خلال العام الماضي· فمن 12,500 عام 2005 إلى 22,200 عام ·2006 وتعتبر السويد الوجهة التي يقصدها أكبر عدد من اللاجئين العراقيين تليها هولندا وألمانيا واليونان· ويبقى العراقيون على قائمة الجنسيات التي طالبت بلجوء سياسي عام 2006 يليهم الصينيون ثم الروس والصرب والأتراك وأن الزيادة الملحوظة وقعت في الربع الأخير من عام ،2006 عندما تقدم 8,100 عراقي بطلبات لجوء إلى 36 بلدا·
مشردون في وطنهم
ولا تقتصر مأساة العراقيين على الهجرة خارج وطنهم، فاليوم هناك ما يزيد على 1,5 مليون عراقي مشردين داخل العراق· ومن المتوقع ارتفاع أعداد اللاجئين العراقيين لمناطق آمنة بالداخل لأكثر من 2,3 مليون مع نهاية عام 2007 الحالي· فالنزوح الداخلي بسب العنف الطائفي هو جانب آخر من المأساة· والحقيقة أن ظاهرة لجوء العراقيين إلى الخارج ليست وليدة ظروف الاحتقان الطائفي الحالي، بل تمتد جذورها إلى العقدين الماضيين· فكثير من العراقيين هربوا بسبب القمع السياسي والفكري وغياب حرية الرأي والتعبير والمعتقد أثناء حكم صدام حسين· ثم أصبح هناك سبب آخر للهجرة هو الهروب من الأوضاع المزرية التي سببها الحصار الذي فرض على العراق عقب غزو الكويت عام ·1990 قبل الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003 كان هناك ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقي في الخارج ينتظرون لحظة سقوط نظام صدام حسين ظنا منهم أن ذلك سيفتح لهم باب العودة، لكن الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية فتحت الباب إلى مزيد من الهجرات الجديدة وبأعداد كبيرة·
ويبدو أن التشرد والعيش في خيام داخل أسوار الوطن كان هو الحل الأسهل والأوفر لدى كثير من العراقيين· نظرا لقربه من المناطق التي تم ترحيلهم عنها قسرا ولإمكانية عودتهم في حال تحسن الظروف· وتشهد المحافظات العراقية الشمالية خاصة المحافظات الكردية حركة استقبال لآلاف العائلات العراقية العربية أغلبها من الموصل وبغداد، فهناك خمسون ألف عائلة تعيش بصفة مؤقتة في محافظات اربيل والسليمانية ودهوك في كردستان العراق، إلا أن الأبواب ليست مشرعة كما يظن البعض، فالنازحون يصطدمون بإجراءات مشددة فرضتها الحكومة الإقليمية لكردستان العراق· من بينها الحصول على كفالة مواطن من مواطني الإقليم من العاملين في القطاع الرسمي وإذن بالإقامة الرسمية لتيسير تنقلهم·
ويرجع ارتفاع عدد الأسر النازحة من بغداد إلى تدهور الوضع الأمني في العاصمة وانتشار حوادث التهديد بالقتل التي يتلقاها العراقيون من السنة لمغادرة منازلهم· مما يجعل حركة النازحين هذه تقسم أحياء بغداد على أساس طائفي وتضر بالاقتصاد الهش والنسيج الاجتماعي للمجتمع· وهو ما يجسد مخاوف الجهات الدولية من أن تتحول بغداد إلى سراييفو جديدة· وأن يعيد التاريخ رسم الصراع الاثني في البوسنة والهرسك في بداية التسعينات من القرن الماضي· فإذا استمرت عمليات الترحيل في بغداد ستدخل المدينة ضمن صراع طائفي طويل الأمد للسيطرة على نهر دجلة الذي يعد خطا طبيعيا وإثنيا فاصلا بين الأحياء الشيعية في الشرق والسنية في الغرب· وهناك اتهامات متبادلة بين القادة السنة والشيعة بشأن المتسبب في الترحيل القسري، فالقادة الشيعة يتهمون الإرهابيين والتكفيريين والصداميين بأنهم من يقف وراء عمليات الترحيل القسري والتهجير الجماعي من الأحياء الشيعية، والقادة السنة يتهمون الحكومة بأنها تساعد جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر لتطهير بغداد من أي تواجد سني فيها تمهيدا لتحويلها إلى مدينة شيعية·
مسؤولية من ؟
الآن أصبح جليا أن هناك أزمة·· وعلى الذين ساهموا في خلق هذه الأزمة أن يوجدوا لها الحل· وهناك إجماع على أن الولايات المتحدة تحمل على عاتقها التزاما أخلاقيا ومسؤولية سياسية وقانونية لحل الأزمة· فالإدارة الأميركية عندما خططت حرب العراق أغفلت بؤرة ساخنة وهامة في الخطة ترتب عليها مأساة ضخمة بحجم أزمة اللاجئين العراقيين والتي لم ترق الاستعدادات أو الآليات المستخدمة للمستوى المطلوب لعلاجها· ففي الوقت الذي فتحت فيه دول الجوار حدودها للاجئين أوصدت الولايات المتحدة الأميركية أبوابها أمامهم ولم تمنح حق اللجوء سوى لبضعة مئات في غضون السنتين الماضيتين على رغم من الضغوط التي يفرضها الديمقراطيون على الرئيس الجمهوري بوش· ففي الاجتماع الذي عقده الكونجرس الأميركي بشأن اللاجئين العراقيين يوم 16 يناير 2007 طالب الديمقراطيون بالسماح للذين يعملون مع القوات الأميركية ويواجهون خطورة على حياتهم بالحصول على حق اللجوء السياسي والإقامة في الولايات المتحدة· إلا أن الإدارة الأميركية لم تمنح حق اللجوء سوى لـ466 عراقيا منذ 2003 من بينهم 202 في العام ،2006 ولا يوجد سوى برنامج متواضع أجازه الكونجرس يقضي باستقبال خمسين مترجماً من العراق كل سنة· والوضع ليس بأفضل حالا في بريطانيا التي تقف موقفا متشددا من استقبال اللاجئين العراقيين، معتبرة أن الاعتراف باللاجئين يعني قبول الفشل في تأسيس الديمقراطية في العراق· أما استراليا فقد منحت ألفي تأشيرة دخول للاجئين عراقيين· وعلى الرغم من الزيادة المضطردة لأعداد اللاجئين العراقيين وفي ظل تخلي دول التحالف عن مسؤولياتها نجد ضعف استجابة المنظمات الدولية ومحدودية دورها· إذ يقتصر دورها أحيانا على عمليات الرصد وحث المجتمع الدولي على تقديم المساعدات ومطالبة دول الجوار بإبقاء حدودها مفتوحة أمام اللاجئين· وهنا يتساءل المرء عن السبب الذي جعل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هي الجهة الأولى المنوط بها التصدي لأزمة اللاجئين العراقيين في حين أنه من المفترض أن تتحمل دول التحالف المسؤولية كاملة·
لكن الواقع أن المفوضية تبدو غارقة في الوحل وعاجزة تماما لغياب التنسيق والإدارة والنقص الحاد في الكوادر المتخصصة في إدارة الطوارئ والأزمات والنقص في التمويل الذي جعل العاملين فيها لم يتلقوا رواتبهم منذ عدة اشهر· فقد قامت الدول المانحة وهي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا مؤخرا بخفض حجم تبرعاتها لتمويل برنامج الوكالة الدولية للاجئين العراقيين رغم تزايد عددهم · فبعد أن وصلت قيمة التبرعات إلى 150 مليون دولار أميركي عام 2003 انخفضت إلى 29 مليون دولار في ،2006 حيث يتم إنفاق ربع هذا المبلغ فقط على برنامج اللاجئين العراقيين في سوريا والأردن وتركيا ولبنان· وتبقى عودة اللاجئين إلى العراق هي الحل الأمثل للمشكلة، إلا أن ذلك يرتبط بتحقيق شروط السلامة وبسط الأمن· فالخيار الذي تطرحه بعض دول الجوار والذي يتمثل في إرغام اللاجئين العراقيين على العودة في ظل وضع أمني خطير سيضاعف من حجم المشكلة·
وتعتمد عودة اللاجئين العراقيين الفعلية على إنهاء عمليات العنف واستعادة الاستقرار وخلق الوظائف في العراق· وفي سبيل تحقيق ذلك ينتظر من المؤتمر الدولي الذي تنظمه المفوضية السامية حول اللاجئين والنازحين والمتضررين من النزاع في العراق والذي سيعقد في جنيف في 17 و18 من شهر أبريل الجاري أن يأتي ثماره· ففي هذا المؤتمر ستشارك أكثر من 190 حكومة في صياغة الجهود الدولية اللازمة لمواجهة الاحتياجات الإنسانية للنازحين·
ومن المنتظر أن يبحث المؤتمر أيضا وضع عشرات الآلاف من النازحين إلى داخل العراق من بينهم 15 ألف فلسطيني أصبحوا أهدافا للعنف المتزايد هناك· إلا أن نجاح هذا المؤتمر مرتبط بالتزام الجانب العراقي وقيادته بإعادة السلام إلى العراق والتعجيل بتهيئة الظروف لعودة المهجرين إلى العراق، وليس بما ستجمعه هذه الدول من أموال لتخفيف العبء عن الدول المضيفة وتوصيتها باستقبال المزيد من اللاجئين العراقيين·