تقارير

الاتحاد

ميشيل أوباما... أصداء الحملة ضد السمنة

عندما نشاهد لاعب التزلج الأميركي الشهير "شون وايت" وهو ينساب برشاقة عبر ممر التزلج في دورة الألعاب الشتوية في فانكوفر ـ كندا، فإن ذلك قد يجعلنا ننسى كون الشعب الأميركي أكثر الشعوب جلوسا، وقلة حركة على وجه الأرض. وهذا الأسبوع نشرت مطبوعة" ديلي بيست" نتائج ما أطلقت عليه أولمبياد Couch potato وهو ليس أولمبيادا رياضيا بمعنى الكلمة وإنما هو دراسة إحصائية شملت 27 دولة من الدول الصناعية الكبرى في العالم، تحلل كمية السعرات الحرارية المستهلكة من قبل مواطني كل دولة، وعدد الساعات التي يقضونها أمام التلفاز، وأعداد الأفراد الذين يتجنبون ممارسة الرياضة (نعم هناك إحصائيات عن ذلك) والساعات التي يقضونها في تصفح الإنترنت. وأهنئكم ياأصدقائي من الجنسين: فقد حصدنا كافة الميداليات الذهبية في هذا الأولمبياد!.
وقد يتبادر إلى أذهانكم أنه من الصعب على أحد أن يشتكي من المبادرة التي تقوم بها سيدة أميركا الأولى" ميشيل أوباما" من أجل مقاومة انتشار السمنة بين الأطفال. وهذه المبادرة التي أُطلق عليها اسم"هيا بنا نتحرك"، والتي تهدف إلى تسهيل الوصول إلى مصادر الطعام الصحي، والتشجيع على ممارسة الرياضة بشكل منتظم، تمثل موضوعاً مناسباً لسيدة أميركا الأولى التي تمتلك المنابر التي يمكن لها من خلالها الدعاية لحملتها، وتحقيق الفارق الذي تريد، خصوصاً وأنه يمكنها من إظهار مواهبها الأخرى بشكل منتظم!
ولكن إذا كان هناك شيء آخر - بخلاف" ميشيل أوباما" - يقلق اليمينيين، فهو تلاعب الناس بفكرة الحق في حياة يتمكنون فيها من التهام ما يشتهون من أطعمة دسمة.
فـ"ميشيل مالكين" الصحفية الأميركية المحافظة اتهمت سيدة أميركا الأولى باللعب بـ"ورقة الأمن القومي" من خلال إشارتها إلى أن ثلثي عدد الجنود الأميركيين المحتملين أي الذين سيتم تجنيدهم مستقبلا في القوات المسلحة، سيكونون بدينين للغاية، وذوي أجسام أبعد ما تكون عن التناسق، بدرجة قد لا تسمح لهم بالتأهل للالتحاق بصفوف تلك القوات (يمكنكم هنا أن تتخيلوا كيف كانت مالكين تشعر بالرعب لإقدام ميشيل أوباما على لعب هذه الورقة التي احتكرها الجمهوريون دائما).
و"جلين بيك" الإعلامي المعروف المشهور بمواقفة "اليمينية" المشددة لم يفوت الفرصة دون أن يدلي هو الآخر بدلوه في هذا الموضوع حيث قال:"إن ما تقدمه ميشيل مقتطع من كتاب الألعاب المدرسي المطور".
آسف يا أصدقائي... فمع احترامي لهذه الآراء وغيرها، فإن الحقيقة التي يجب أن نتصارح بها هي أن أطفالنا لا يأكلون بشكل صحي، ولا يمارسون الرياضة كما ينبغي، والنتيجة هي أنهم، شأنهم في ذلك شأن آبائهم، يزدادون سمنة على الدوام.
لدى" المركز الأميركي للرقابة والوقاية من الأمراض" خريطة رقمية مثيرة للقلق الشديد تبين معدلات السمنة في أميركا خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية. ويمكن لكل شخص أن يرى معدلات السمنة في كل ولاية من الولايات، وذلك عندما ينتقل الضوء في تلك الخريطة إلى موقع ولاية ما، ثم يقوم بعد ذلك بأظهار معدلات السمنة في تلك الولاية عاما بعد عام بدءا من العام 1985وحتى الآن.
وعندما كنت أنظر إلى تلك الخريطة، كنت أحس بذلك الإحساس بالتوجس الذي كان ينتابني وأنا أتابع انهيار أسعار أسهم شركات التقنية في وادي السيلكون منذ 10 أعوام، أو انهيار أسعار المنازل خلال السنوات الخمس الماضية. نفس الفقاعة تقريباً، ولكن الفارق أنها بشرية هذه المرة، وهي فقاعة غير قابلة للاستمرار كسابقتيها. وعندما تنفجر هذه الفقاعة، فإن انفجارها سيكون مدوياً وقبيحاً وسنكون ساعتها - فعليا - كمن يسير الهوينى مصفراً دون أدنى اهتمام أمام مقبرة.
والمبادرة التي تقوم بها السيدة الأولى في أميركا لن تمحو التجاوزات السابقة، ولكن المؤكد هو أنها تسلط ضوءا كاشفا على موضوع مهم، كما تقوم ببعض الخطوات في سبيل علاجه. وباعتباري أبا لأبناء يذهبون إلى المدارس، فإنني استطيع القول بلا تحفظ أنني موافق على الانضمام إلى جوقة المؤيدين لما تدعو إليه"ميشيل أوباما" من وجبات مدرسية أكثر صحية، وملصقات طعام أكثر صدقية واختصارا وقابلية للفهم، وإرشادات مفيدة من أخصائيي الأطفال، وتغيير لمعايير اللياقة البدنية المعمول بها منذ الخمسينيات.
لكن ذلك كله لن يمنعنا من التوقف قليلًا والتأسي على ما وصل إليه حالنا هذا المضمار. لقد وصل بنا الحال إلى درجة أننا قد أصبحنا محتاجين إلى مبادرة يقوم بها البيت الأبيض، ممثلا في زوجة الرئيس، لكي تحثنا على القيام بأشياء أساسية في حياتنا، مثل التخلي عن الأطعمة الجاهزة التي تحتوي على الكثير من الدهون والسعرات الحرارية، واستهلاك كميات أكبر من الخضروات والفواكه، والتوقف عن الكسل والجلوس على الكراسي، والاستلقاء على الآرائك، ومشاهدة التلفاز لساعات طويلة.
قد لا تكون أميركا قادرة على خلق "وظائف خضراء" أو توفير التأمين الصحي لكل فقرائها، ولكنها قادرة من دون شك، على التأكد من أنها لن تضطر إلى دحرجة أبنائها إلى المدارس بعد أن يكونوا قد تحولوا إلى شيء أشبه ما يكون بالبراميل، وإنما ستعمل على المحافظة على صحتهم ليذهبوا إلى تلك المدارس في نشاط وحيوية مشيا على الأقدام.
ورد فعل "جلين بك" نموذج لذلك النوع الشعبوي الطفولي من ردود الفعل المعارضة لقيام السيدة الأولى أو غيرها بإخبار الشعب عن حقائق غير مستساغة تتعلق بحياته. فنحن لا نريد أن نسمع شيئاً عن الاحتباس الحراري، طالما أن ذلك سيعني تخلينا عن ركوب السيارات الكبيرة الحجم ذات الدفع الرباعي، ونحن لا نريد أن نسمع شيئاً عن أكلاف برنامج الرعاية الصحية طالما أن تخفيض تلك النفقات سيحرمنا من إجراء تلك الفحوصات التي لا تنتهي على الرغم من قلة جدواها. لقد مضى زهاء أسبوع على بداية الأولمبياد الشتوي، ولا تزال الولايات المتحدة تحتل قائمة الترتيب في الميداليات الذهبية. هذا بالطبع شيء يسعدنا، ويطلعنا على ما تنطوي عليه الرياضة من فوائد جمة، وما يمكن أن تحققه لنا من دعاية على المستوى العالمي، بيد أن الشيء الأفضل من ذلك كله هو التزامنا الدائم ببناء أمة أفضل صحة.. أمة تتحرك أكثر مما تجلس، وتعمل أكثر مما تستلقي على الأرائك لمشاهدة التلفاز.


كيفين هفمان
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا