صحيفة الاتحاد

دنيا

زوج الشكّاية : أنا فاض بيَّ وملّيت!


تحقيق ـ هناء الحمادي:


ربما تكون الصورة التي ترسمها المقالات والأشعار والنكات الشعبية للمرأة الشكاية (كثيرة الشكوى) صورة كاريكاتورية، لكنها لا تجافي الصدق لأنها صورة حقيقية تحدث في الواقع وفي كل الأوساط· ربما يتوقع البعض أن الزوجة تمارسها من باب الفضفضة، لكن الحقيقة غير ذلك، فهذه الفضفضة إذا كانت شكوى مستمرة تؤدي إلى حدوث مشاكل وخلافات أسرية كثيرة، وربما تدفع بالحياة الزوجية إلى أبغض الحلال· أكثر من ذلك، ربما تكون دليلاً على المرض النفسي وتحتاج إلى العلاج وإلى التعاطف وليس التهكم·

الباحثة عن العطف

زوجتي لا تمل من الشكوى ، هذا ما يصارحنا به عبد الغفور يوسف ليضيف: على الرغم من أن زوجتي متعلمة ومثقفة إلا أنها لا تمل الشكوى للجيران والأقارب من كوني بخيلا، رغم انني أوفر لها كل ما تحتاجه من المأكل والملبس، حتى آخر صرعات الموضة التي تحرص على أن تكون هي السباقة في اقتنائها، ولكثرة شكواها صدق البعض مزاعمها في البداية لكنهم أدركوا فيما بعد أنها تشكو لتستدر عطفهم عليها، فهي تعتقد أن الحنان والمشاعر النبيلة لا يتم الحصول عليها إلا بالشكوى ·
ويتابع بضيق: لقد شوهت سمعتي لدى الجميع، بل إن الجميع ابتعدوا عنها أيضاً بسبب كثرة تذمرها وشكواها· طلبت منها كثيراً أن لا تشكو لأحد وحاولت إفهامها أن هذه أسرار بيوت وليس من حق احد أن يعلم أي شيء عن هذا البيت· لا أخفي أن شكواها تســـــــبب لي القلق والتوتـــــــر، وتجعلني أنفر من البيت وأفضل البقاء خارجه كثيرا ·

سخافات لا تنتهي

أما الزوج مبارك محمد (موظف) فقد فاض به الحال، وملَّ من شكوى زوجته التي لا تنتهي، يقول: أنا خلاص ملّيت من هذه الحياة؛ فزوجتي كثيرة الشكوى والنكد والبكاء، ولا تمر حادثة بسيطة من دون أن تحول البيت إلى مأتم، وكثيراً ما تجلس لفترات طويلة وهي حزينة، وتتعارك معي على أشياء تافهة· لا تكاد تمر علينا أوقات سعيدة حتى تقلبها إلى أحزان· تضايقني كثرة شكواها كثيراً ولم أعد أستطيع التحمل والصبر· أعتقد أن زوجتي بحاجة إلى طبيب نفسي يعالج العلة التي تشكو منها، فأنا من النوع الذي لا يحب الزوجة الشكاية، وليس لدي وقت لهذه السخافات ·

المقهى هو الحل

سلطان البريكي وجد راحته وسلواه في المقهى، فهو يهرب من زوجة شكاية إلى درجة مملة ، يقول: شكوى زوجتي لا تنتهي، فهي تشكو من طلبات الأولاد ومن عدم مساعدتي لها في تربيتهم، وتشكو من عدم تلبية طلباتها التعجيزية التي لا تنتهي إلا بنهاية الشهر، فما أن أتسلم راتبي حتى تبدأ في طلباتها: أريد كذا وكذا وكذا··· بدءاً من رغباتها الشخصية في شراء الفساتين مرتفعة الثمن، ومروراً باحتياجات الأبناء من الصغير إلى الكبير· وهكذا منذ زواجنا وطلباتها لا تنتهي أو تقل، كما أنها لا تقدر معاناتي أو تعبي من أجل توفير معيشة مرضية، حتى في لحظة جلوسي معها تبدأ بسرد قائمة من الشكاوى التي لا جدوى منها، ولذلك، صرت أذهب إلى المقهى لقضاء الوقت مع الأصدقاء الذين هم سلوتي في الحياة، لأن حياة البيت مليئة بالشكوى والقلق والاضطراب ·

عبء نفسي

ويشخص مدحت فوزي المشكلة بشكل عام، حيث يقول: العلاقات الزوجية تقوم على الخصوصية، ومن هنا، لا ينبغي أن تخرج أي مشكلة بين الزوجين عن نطاقهما، لأن المشكلة مهما كانت بسيطة إذا خرجت عن الزوجين تكبر وتتصاعد، وبالتالي يفقد الزوجان التواصل ·
ويرى مدحت فوزي أن السبب في شكوى النساء المتكررة من الرجال ربما يعود إلى رغبتهن في لفت النظر وجذب الاهتمام، وربما تفتعل بعضهن مشكلات لا وجود حقيقي لها في الواقع· وهذا النوع من النساء غير قادرات على إقامة علاقة زوجية طيبة، لأنهن يضفنَ عبئاً نفسياً على الزوج بدلاً من إعانته على مشكلات الحياة وهمومها· والمفروض بالزوجة العاقلة أن تقيم علاقتها بزوجها على السكينة والهدوء، حتى تجعل من البيت أول مكان يلجأ إليه الزوج لا أن ينفر منه·

فقدان البيت

وإذا كانت نسبة كبيرة من الرجال يعانون من شكوى المرأة المتكررة، ويرون أنها المعول الذي يهدم البيت من أساسه والسبب في هروب الأزواج من البيوت، ماذا تقول المرأة؟
تعتقد سلمى حسن أن كثرة الشكوى من قبل الزوجة تجعل الزوج يعيش في حالة من القلق والتوتر وتدفعه إلى الهروب من البيت، ليجد خارج المنزل أو عند أصدقائه المكان الهادئ الذي يبحث عنه، مما ينعكس سلباً على الحياة الزوجية التي تصبح ساحة لمشاحنات وخلافات لا نهاية لها· كما أن بعض النساء يجدن في الشكوى وسيلة للفت النظر وجذب الاهتمام، وقد تكون هذه الشكوى بحق أو بلا حق، إنها تحاول بصفة مستمرة أن تفـــــــوز بتفريغ كل ما بداخلــــــــها من ضغوط نفسية واقتصادية واجتماعية، ولكن بعض النساء شكايات بدون ضغوط، وهؤلاء يحتجن إلى قدر من الحب والحنان وقدر من التعاطف الوجداني·

تفريغ نفسي

وفي محاولة لتفسير هذا السلوك ومعرفة ما إذا كانت الشكوى وسيلة تتبعها المرأة لتحقيق مكاسبها، حاولنا إلقاء الضوء على الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الشخصية من خلال لقاء الاخصائية النفسية غادة الشيخ التي قالت: المرأة بطبيعتها تغلب عليها العاطفة وتتحكم فى مشاعرها، ولذلك نجدها تلجأ إلى الكلام عند أي موقف يحدث، فالكلام وسيلتها للتعبير عما بداخلها، والمرأة تلجأ إلى الشكوى لأنها تخفف عما في أعماقها، فمع كثرة الالتزامات والضغوط تنتابها حالة من الارهاق النفسي والبدني والذهني، فتبحث عمن يساعدها في تحمل الضغوط، فلا تجد أقرب من زوجها لتشكو همها وتنفس عما يعكر مزاجها· ولأن الزوج غالباً يعاني الضغوط والمشاكل في العمل وخارج المنزل، يتبادر إلى ذهنه أنها لا تقدر مشاكله، وأنها تتذمر من كثرة المسؤوليات، وأنها تضيف إلى همومه وأعبائه أعباء أخرى فيهمل شكواها أو يتذمر منها· عندها، لا تجد المرأة سوى الصديقة تبثها همومها وتعبر عن مشاعرها وتنفس عن الاحتقان الذي تشعر به وتستعيد توازنها النفسي· هذا التصرف يوضح أن هذا النوع من النساء يحتجن إلى الدعم النفسي ممن حولهن، وربما تجد الواحدة منهن عندما تتحدث مع أشخاص قريبين لها حلاً لمشكلاتها أو خبرة سابقة تستفيد منها ·



أنصتوا لزوجاتكم

ينظر الدكتور محمد طبيشات ـ أستاذ مساعد علم الإنسان الاجتماعي والثقافي بجامعة الإمارات ـ إلى المرأة كثيرة الشكوى من زاوية أخرى، حيث يرى أن هناك بعض العلاقات الاجتماعية التي يمكن اعتبارها علاقات معتلة وتؤدي في أغلب الأحيان إلى اتباع نمط معين من السلوك، فالزوجة، على سبيل المثال، تتوقع حدوث أشياء لكنها لا تتحقق، فتشعر بخيبة الأمل الذي يؤدي إلى نوع من الشكوى، وهو نوع من أنواع الاحتجاج على وضع لا ترضى عنه ويضغط عليها مسبباً لها التوتر، فتلجأ في الغالب إلى الشكوى، سواء لزوجها أولأي شخص آخر تجده ينصت لها·
ويضيف الدكتور: المرأة الشكّاية ليست مريضة، وما تقوم به سلوك طبيعي نتيجة الضغوطات والتوترات التي تعيشها في البيت مع الأبناء والزوج وما تقوم به من مسؤوليات أسرية واجتماعية، ويمكن القول: إن شكواها نوع من الفضفضة، وعلى الرجل الذي يجد زوجته كثيرة الشكوى أن يحاول التقرب إليها وأن يسعى للتخفيف من حدة هذا التوتر، وأن يجعل الحوار والمناقشة والتعاون مع زوجته من أولوياته لتسير دفة الحياة الزوجية إلى بر الأمان، ولا شك أن الزوج مطالب بأن يتفهم هموم زوجته وشكواها وأن يغدق عليها الحب والحنان والتعاطف الوجداني لا أن ينظر إليها على أنها سلوك سخيف أو مرضي يحتاج إلى طبيب·

نصائح للزوجة الشكّاية

؟ أبهجي قلب زوجك عندما يعود من العمل بمظهرك الجميل وابتسامتك العذبة ومنزلك المعطر، ولا تبدأي بالشكوى بمجرد دخوله إلى المنزل·
؟ حاولي قدر الإمكان اختيار الوقت المناسب لتبثي له شكواك، عندها ستجدينه منصتاً لك، متعاطفاً مع ألمك·
؟ اعلمي أن زوجك في حقيقته طفل كبير، أقل كلمة حلوة تسعده، فإذا أردت من شكواك الحصول على دعم زوجك ومساندته لك، فلا تستهزئي به أو بمشاعره وابتعدي عن تجريحه إذا كانت الشكوى تخص سلوكه معك·