صحيفة الاتحاد

دنيا

أبوظبي تواعد أوبرا عايدة لساعات وتودعها



روعة يونس:



استضاف فندق قصر الإمارات مؤخراً، في حدائقه، بحضور سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة والشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة، الأوبرا العالمية عايدة التي استقطبت أكثر من أربعة آلاف مشاهد من الإمارات وخارجها، بما يعزز موقع أبوظبي الثقافي والسياحي كأول مدينة خليجية تعرض فيها الأوبرا الشهيرة·

ما قبل العرض

بدأ العمل على تحضير المسرح المفتوح، وتجهيزه بأحدث التقنيات والمؤثرات الصوتية، قبل نحو اسبوعين من العرض الذي شارك فيه حوالي 300 مغن ومنشد وراقص وممثل بأزيائهم المختلفة، وتمّ تزويده بمجموعة من المؤثرات النارية والصوتية والضوئية ذات التقنيات العالية، ليتمكن الحضور من الاستمتاع بالأداء السمعي والبصري لرائعة جوزيفي فيردي من انتاج فرانز ابراهام و إخراج روكليتز ·
لكن··· قبل الدخول إلى المسرح لحضور العرض، ماذا بشأن قصة عايدة ؟

أقدم قصة حب

يفتح التاريخ كتابه لنقرأ في سطوره، فصلاً حميماً وحزيناً معـــــاً من فصول العشق والغرام، يروي صراع المشاعر العاطفية مع المصالح السياسية لأول مرة في تاريخ الإنسانية· كتبها عالم آثار فرنسي كان يعمل في مصر، مستنداً إلى وقائع تاريخية كشفت عنها حفريات في مصر، وصاغ القصة شعراً الايطالي انطونيو غيالانزوي ·
عايدة أميرة حبشية سباها جيش فرعون مصر -تحديداً- عبر القائد العسكري راداميش الذي وقع في حبها و احتار بين حبه لها وولائه لفرعون، بينما تهواه امنيريس ابنة الفرعون، مما يعقّد الأمر أكثر، فيبدأ الصراع بين الحب والمصالح السياسية، بكل مافيهما من غيرة وتآمر وحب وكره· لكن لم يجد فرعون مصر في النهاية مناصاً من أن يحكم على القائد بالإعدام بعدما ثبت تورطه مع عايدة في محاولة للهرب إلى الحبشة·

من أعماق التاريخ

بعد أن جال الحضور في حدائق قصر الإمارات الواسعة، وتذوقوا ما لذ وطاب من مأكولات ومرطبات، دخلوا تباعاً إلى المسرح عبر ثلاث بوابات بحسب أماكن الجلوس، ليفاجئوا بهرم ينتصب قبالة مقاعدهم، بينما كراسي الفرقة الموسيقية تستند إلى سفحه، وعلى مقربة منها مراصد الإضاءة وأجهزة الصوت، وفق أحدث التقنيات الحديثة المستخدمة في مسارح الأوبرا· أحاطت بالمسرح -الهرمي- من كل جانب شاشة متوسطة لترجمة الأوبرا إلى اللغة الإنكليزية·
في التاسعة والنصف، ساد الظلام، وبدأت الموسيقى الخافتة وكأنها تتسلل من أعماق التاريخ، وكلما علت ووضح أنينها اتضحت معالم المسرح المضاء بالأزرق شيئاً فشيئاً، وأعلن السيد نويل مسعود مدير عام فندق قصر الإمارات بدء العرض، بعد كلمة ترحيبية، أشار خلالها إلى أن برودة الجو والريح التي تهب بين حين وآخر، لن تشكّل مخاطرة على استخدام الألعاب النارية، بفضل براعة وحرفية فريق الأوبرا·
دقائق معدودة··· تردد بعدها صدى القدرات الصوتية الخارقة لفناني الأوبرا في المكان، فانهمرت من علو كأنها المطر، بينما بدت الأضواء الخافتة كأنها نجوم تنزلق إلى الأرض··· وتسمّر الحضور في أماكنهم حين هرعت المجاميع إلى المسرح في حركة ديناميكية، مرتدية أزياءها الفرعونية، ظناً أنها جاءت إليهم من أعماق مصر، وهي رافعة مشاعلها وأسلحتها ذات التشكيلات الضوئية الشبيهة بالنار·
ساعات ثلاث مرت في أجواء أسطورية، ربما ينسى المرء خلالها أنه يجلس إلى كرسي في مسرح مفتوح! ويحسب أنه في قلب الحضارة الفرعونية، ، يتعاطف مع عايدة ويحتار مع راداميش ويغضب من امنيريس و يحقد على فرعون وجنده!

التجربة الرائدة

لاشك في أن استضافة أوبرا عايدة وتسخير كل الإمكانيات لإنجاح العرض، بدءاً من بناء المسرح بتقنياته وآلياته، حيث يعدّ إحدى روائع الهندسة التي أنجزها فريق العمل بكل اتقان، وتعدد مستويات خشبة المسرح المصممة بإبداع باهر، لمنح المشهد العام بعداً جمالياً درامياً يتميز بالثراء الإبداعي، وانتهاءً باستثمار المساحة المفتوحة على الأزرق بحراً وسماء، وعلى الرمال الذهبية والحدائق الخضراء في قصر الإمارات ، يعكس الوجه الثقافي الحضاري للإمارات، واهتمامها بالفنون الإبداعية العالمية والتواصل معها، مثلما يعكس حرص الرعاة والمستضيفين على تقديم الأرقى والأروع للمتلقي والمتذوق في الإمارات·
إنما مع التقدير للجهود الكبيرة، وشعور الحضور بالرضى والسرور لاستقدام الأوبرا وإتاحة الفرصة لهم لحضورها، تساءل كثر: لماذا لم تكن هناك ترجمة إلى اللغة العربية على الشاشة الثانية، أسوة بشاشتي الترجمة إلى اللغة الإنجليزية؟ بخاصة وأن الأوبرا ذات لغة تاريخية سردية وتخصصية، وليست لغة تخاطب وتواصل يومي؟ وعلى الرغم من الظلام الدامس بفعل الإضاءة الخافتة التي لم تسعف الحضور على بيان مجريات الأوبرا بوضوح، غابت شاشة عرض كبيرة تتوفر عادة في مثل تلك الأعمال التي تضم مجاميع فنية كبيرة، وحضور يفوق الآلاف!
أما كان من الأفضل تقديم عدة عروض يتسع كل منها لألف أو ألفين مشاهد؟

مواعيد ثقافية دائمة

بانتهاء العرض الأوبرالي، اختالت أبوظبي تباهي بتأصيلها الثقافة والفن العالمي، مثلما أصلت التراث الشعبي ورعته، وحققت النهضة الحضارية الشاملة في بناء الوطن والإنسان· فإذا حلت أوبرا عايدة ضيفاً على الإمارة الساحرة، فإن الثقافة مقيمة دائماً فيها، تشهد لها الأنشطة الثقافية المتتالية من معارض الكتاب وكبرى المسابقات الثقافية، ومهرجانات الموسيقى العالمية، وكبرى المعارض التشكيلية، والأسابيع الثقافية والفعاليات المتنوعة· وستظل للثقافة والفنون الرفيعة، مواعيدها الدائمة مع أبوظبي·