أرشيف دنيا

الاتحاد

ثرثرة فوق الفضاء؟

برامج “التوك شو” ابتلعت الفضائيات، خاصة وأن مساحة الحرية في الإعلام العربي قد اتسعت رقعتها بعض الشيء، الأمر الذي دفع بعض مُقدمي البرامج للخوض في قضايا شائكة، كانت من قبل ممنوع الاقتراب منها أو التصوير - وبذلك وجد المواطن العربي “المطحون” ضالته في هذه البرامج، بعد أن أصبحت متنفساً له، فكل ما عليه أن يتصل بأحد هذه البرامج ويقول ما يريده في حدود الأدب وعدم الخروج عن اللياقة، فهو ينتقد ما يريده من أوضاع من دون تجريح.. من هنا اكتسبت هذه النوعية من البرامج شهرة واسعة، وزادت جماهيريتها وسط غياب ملحوظ للقنوات الرسمية، والتي تلقي الضوء على أنشطة كبار المسؤولين وترصد تحركاتهم وتضخم من أعمالهم الصغيرة لتضعها في خانة الإنجازات، لتمنح كل مواطن بارقة أمل في إصلاح ما تم إفساده سابقاً..
ورغم نجاح برامج “التوك شو” في الفترة الأخيرة إلا أنها تحوّلت إلى “قعر مجلس”، فكثر فيها “الرغي” والثرثرة على الفاضي والمليان، وتحوّلت إلى سوق إعلاني كبير بعد أن ركض المعلنون خلفها بعد ما حققته من نسبة مشاهدة عالية، وأصبحت قضايا المواطن وهمومه في المرتبة العاشرة، حيث نرى الضيوف يصرخون ويعترضون و”يولولون” حتى تنتهي الحلقة بابتسامة مقدم أو مقدمة البرنامج، دون التوصل إلى حل “ولو مؤقت” للقضايا الجماهيرية المهمة التي يطرحونها عبر الشاشة، ويذهب كل منهم إلى حال سبيله، وينام قرير العينين، ولتذهب قضايا المواطن إلى الجحيم.
ولا أذكر أن هُناك قضية ساخنة تهم المواطنين، قد وصلت إلى حلول مرضية عبر هذه البرامج، فكل ما يحدث أن الكاميرات تلهث في الشوارع خلف السلبيات وتعرضها على الشاشة، ثم تلقي بها في وجه ضيوف البرنامج من مدمني الشهرة، ثم يرتفع الصياح بعد اختلافهم في وجهات النظر، والفشل في طرح الحل الجذري الذي يوفر للبسطاء الرضا والراحة، وبعدها يسدل البرنامج ستائره على اقتراحات فارغة يستخف بها المسؤول، ويتعجب منها المواطن.. وفي الأخير الرابح الأول من برامج “التوك شو” بعض الفضائيات التي تعرضها وتجني من ورائها ثمار الإعلانات الناضجة لتملأ خزائنها بالأرباح، بعد أن أفلحت في المتاجرة بهموم المواطن الكادح الذي “شبع” من الكلام، وفاض به الكيل من زمرة بعض مدعي الثقافة الذين يطاردونه عبر هذه البرامج ويمطرونه بوابل من النظريات والمصطلحات “المعقدة” التي لا يفهمها ولا تفهمه.. فهل تسير هذه البرامج يوماً على الطريق الصحيح، وتحترم المشاهد البسيط، وتطرح حلولاً تنقذه من أوجاعه ومعاناته وتوفر له بريقاً من الأمل في “الغد” أم ستتركه فريسة للأوهام حتى ينفد وقود صبره ويفقد رغبته في الحياة..؟!

همسة: الأمل.. قطار يسير على عجلات التمني، مستبعداً محطات اليأس


سلطان الحجّار soltan.mohamed@admedia.ae

اقرأ أيضا