صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

جهاد هديب.. حدَّ أنَّكَ تشبهُ اسمَكَ

لم تنادَ أو يُصغى إليك.. بل ما  من اسم لك في الشفاه (أرشيفية)

لم تنادَ أو يُصغى إليك.. بل ما من اسم لك في الشفاه (أرشيفية)

لا يأتي الموت.. ولا يذهب.. لأنه، ببساطة، لا يغادر أصلاً..
مات جهاد.. كلمتان فقط تختصران حياة كاملة كانت بيننا.. لَكْمَتان للروح في صباح حزين، لا يشبهه إلا الحزن في عينيّ جهاد.. ذلك الحزن العميق، الداكن، الغائر، الذي لم يفلح البريق في إخفائه.. ولا حتى ابتسامته الطيّبة.. كان جهاد طيّباً.. ومثل كل الطيّبين مرّ سريعاً.. كأنه طيف.. كأنه برق قصيدة لم تكتمل.. عبرَ بخفّة بالغة.. كأن لم يكن!
لم يكن جهاد هديب مسؤولاً في الكتابة فقط.. بل كان يتمتع بالمسؤولية في تفاصيل يومياته.. كان يمتلك إنسانية عالية وأدباً جمّاً على الصعيد السلوكي، وفي الذاكرة الكثير ما يجعل الكتابة عنه تأخذ سمتاً مختلفاً.. كان جهاد (شهماً) بكل ما في الكلمة من معنى، شهماً في مواقفه تجاه زملائه و(شهماً) في دفاعه عن الكلمة وموقفه من الكتابة ومسؤوليتها. كان جريئاً بوعي، مهذباً على نحو خاص، ذلك التهذيب الذي يعينه على النقد من دون أن يجرح مشاعر أحد..
في واحدة من قصائده الجميلة يقول:
هُجّروا من العدم/‏‏ وفي البرزخ الذي عبروه/‏‏ إلى أرض فكرتهم/‏‏ سقَطْتَ من متاعهم هناك/‏‏ وعندما هممتَ بالرجوع/‏‏ كانت المفازة بحراً/‏‏ فانشققتَ عن المياه بالأسئلة/‏‏
لم تنادَ أو يُصغى إليك، بل ما من اسم لك في الشفاه.
والأفعى التي سرقت قضمة العشب وقعت في منامك. لم تلقِ
سلاماً أو أحجية، ومن شدة ما خِفتَ وجدتَها مائتة على العتبة.
تلهو الريحُ بأرق كأنه الشجرة. قلبك المشّاء يندمُ ومثل
ابتهالٍ ناحلٍ يرجّفكَ التعب. تدري أنه حِيلَ بين يديك،
وخيفَ من ظلِّكَ إن وقع على أرضٍ فتشهد. ثم تدري أن
صرختكَ قد أُلْقِيَ بها إلى بئر.
لن تتركَ أثراً في خيال سحابة أو حلم امرأة. وأي أرضٍ مرّتْ
بها قدماك أخطأها الغيب وكفَّت الريح واحتجبت عنها
الشمس. مات البحر. والذي أجريتَهُ إليه: النهرُ: دمعُكَ؛ لم يكن
ليوقظَ الميْتَ من الملح إلى نجاته. بل ظلَّ النهر أبداً ينتحر.
نحدّق إلى البياض. أمثلَ تمثالٍ يتذكر؟ وفي حفرة تضيقُ
بك وتضْيَقُّ عليك تنام، ثم لا تأتي ملائكُ. ويوم يُبْعَثُ
آخرونَ لا رميم لك فيلتئمُ؛ حدَّ أنك تشبه اسمك:
ج
هـ
ا
د
هل كان هنا يرى موته؟ أم يحتجُّ ضدَّ النكران والتغييب الذي يمارس ضد شعبه؟ على المستوى الشخصي، اطمئن يا جهاد، لا أحد سينساك من أصدقائك، الذين يسجلون هنا اسمك على شفاههم.
كان جهاد يحب استخدام تعبير: «ترفع له القبعة» عندما يعجبه شيء ما.. الآن، وقد غادرنا جهاد ليبدأ لحظته الأولى في حياة أخرى، يمكن للمرء أن يقول بأريحيَّة تامة أن سلوك جهاد وثباته على قناعاته وممارستها في الواقع وليس على الورق فقط، هو أيضاً مما «ترفع له القبعة»..
كانَ.. لم يكُنْ.. كنّا.. لم نكُن.. كانَ.. كنّا.. كيف يمكن لنا أن نصدّق وبقاياه ما تزال هنا؟! سنفترض أنه لم يأت صباحاً إلى قهوة رائقة.. سنفترض أنه لم يبحث عن فكرة يجوس أرضها بقلمه.. سنفترض أنه لم يسأل عن هاتف شاعر أو كاتب أو مبدع هنا أو هناك.. سنفترض أنه لم يبحث عن صورة لمقال سهر عليه حتى الصباح.. سنفترض أنه لم يعلق (جاكيتته) على الكرسي الفارغ.. سنفترض أن الكرسيّ أصلاً لم يكن.. سنفترض أنه لم يمازح أحداً.. لم يروِ طرفة.. لم ينظر بكلّيته إلى صورته في الكمبيوتر مع أصدقائه من صعاليك الشعر.. سنفترض أنه لم يختصر الحياة في نهوض غامض يوشّي القصيدة.. سنفترض أنه لم يكن حريصاً على روحه بما يكفي فتعبت مبكراً، وقررت أن تمضي إلى شأنها، تاركة لنا حسرة معلقة على مكتبه.. لكن كيف نفترض، وقد اعتدنا حضوره يومياً بيننا، أن باقات الورد التي اعتدنا إحضارها ستنقص باقة؟!هنا.. نستحضر جهاد، الحاضر فينا، عبر نصوصه الشعرية، ومقال عن الموسيقى التي كان يعشقها.. وشهادات من بعض أصدقائه.
(الاتحاد الثقافي)

كأن الغياب يرتّبُ بضاعتنا التالفة
إبراهيم الملا

يرحل الأصدقاء ويكون لحضورهم أثر وصدى والتماعات، والأقسى من ذلك، أن هذا الحضور الملتبس يترنّح هاذيا، بين شك ويقين، وبين ماء وقفر، وبين جرح وعافية، وكأن الغياب يشتغل بنهم وبضراوة كي نعيد ترتيب بضاعتنا التالفة في هذا الاستدعاء المنهزم دوما، وبلا رصيد كاف من الأمل.
وكأن الحياة مجرد عبور في فضاء تملؤه الشظايا والإبر والأمواس، كل شهيق فيه دام، وكل زفير فيه نازف، وهكذا علينا أن ندخل هذا النفق القاحل، وأن نخسر الرفاق واحدا تلو الآخر، ونتركهم خلفنا، وديعة للعتمات الباردة كي تعتني بهم، دون تلويحة أو التفات، وأمامنا ضوء خافت نتعثر به، كي ننجو من هذا التعب الفائض، وهذه الذاكرة المضاعفة، تماما، وفي اللحظة ذاتها، التي يتجلى فيها العجز الفادح، والصرخة البكماء، والبهتان العظيم.
أن تختبر الكلمات وأن تختبرك هي الأخرى بهذه القسوة غير المبررة، فإن خللا لابد أن يطرأ على تفسيرك لما هو ملموس وما هو افتراضي في ذات الوقت، كلمات مثل الصداقة والفقد والاغتراب والأسى والحنين المقطّع الأوصال، وهنا أيضا أستعيد لحظاتي الراكدة في قاع الذكرى والتخيلات المبهمة، أستعيد جهاد هديب الذي تسرّب من قاعات الشعر ومعارض الكتب، ومهرجانات السينما ومباني جريدة الاتحاد في أبوظبي ودبي والشارقة، عندما كنا معا نتصيّد الفرح الهارب بضحكات خافتة، وطيش يتلوّن بنقائه المخدوش وبراءته القلقة.
كيف للكلمات أن تبني كل هذا الصرح المشيّد من الحكي والألفة والجدل اللذيذ والنقاشات الزاهية، ثم يتهاوى كل شيء فجأة، ويتفشى الموت واليباس والظمأ وسط هذه الغابة المغسولة بماء القصيدة وضباب النثر والترجمات الشعرية، وطراوة الصداقة المتشكلة مثل وعد لا ينقطع.
ذهب جهاد إذن إلى نهايات الصمت وهو الذي كان يدخّر بوحه لمقام أوسع ومحلّ أرفع، وتركنا في هذا الهجير الشرس، المأهول بحوارات وصور وتأويلات ومشاهد ومواقف جمعتنا يوما، وها هي تنهدّ وتنهدم في لحظة صادمة، ومربكة، ومكبلة لأكثر الحواس نزقا وانفلاتا. ذهب صديق الكتابة الأنيقة، ونديم الوعي المختلف، إلى شغف آخر من تجليات عشقه المؤجل، وإلى نداء آخر يكمل ما قطعه الموت، ذهب جهاد كي ينجز ما لم تستطع الحياة أن تنجزه بخساراتها المكررة، وهزائمها المنذورة للشجن.
في كل مرة كنت ألتقيه، كان جهاد يعدني بدواوينه الشعرية القديمة والأخرى التي أصدرها حديثا، وكانت زحمة مشاغله اليومية والمهنية تنسيه وتنسيني هذا الوعد المتبخّر في السهو والتهافت وجراحات الوقت والغيابات الطارئة.
وعندما وصلني خبر رحيله في المشفى البعيد، عندما كانت عمّان تغرق تحت وابل الأمطار والعاصفة المبكرة، شعرت وكأنه ثمة دموع أخرى تنهمر من كل حدب وصوب، دموع الشتاءات المصحوبة بموسيقا سوداء وعزف جنائزي أخير لمأساة مدبّرة. أرمّم دواوينه الغافلة وقصيدته غير المكتملة، وأنا أسترجع قبل سنتين كلماته الذائبة في الوجد، وهو عائد من مهمة صحفية، كي يصف لي ليل باريس، وذلك المقهى الثمل بعشق مستحيل، وكان بوحه الفاتن يخترق الزمان والجغرافيا، ويكتمل بلحظة فردوسية، تحت رذاذ أليف، استبدّ به وأخذه إلى مطارح التجلّي، والهيامات السكرى، وإلى معنى جارف وملتهب، يضيق من دفقه كل وصف، وتخبو أمامه كل قصيدة، وتذوي في وهجه كل عبارة.
يطرق جهاد الآن أبواب بصيرتي المشوشة، ومازلت أراه وهو يعبر في ممرات مبنى الجريدة بابتسامته المطبوعة على ملامحه منذ زمن الطفولة ربما، والتي نسي أن يغادرها ذات خرافة وجنوح، وذات ترحال أنيق بين رمل وغيم، وأن يحول ضحكاته الخافتة إلى مرثية متجددة فيه، وطاغية على حواراته وسلوكه اليومي المفعم ببراءة حاضرة وشغب عابر وشقاوة طاهرة لم تلوثها السنين، ولم يدنّسها المرض. سلام على روحك أيها الصديق في مرقدك العالي، وعزاؤنا الوحيد أنك ماثل بيننا ومقيم في عبورنا المتأرجح بين انكفاء وغبطة، وبين عناق وضجر، وبين كل الأضداد التي جعلتك حيّا وعارما ومضيئا فينا، وجعلتنا منسيين ومكلومين ومنطفئين فيك.

عبير زيتون
أغلق الصمت كلامه فينا
ليس من السهل استدراج اللغة وتطويعها للكتابة عن رحيل قسري وقاس لصديق وزميل رحل بصمت مؤلم مع فجر يوم خريفي حزين ليترك أصابعنا ترتجف وهي تلملم كلمات نعبر فيها عن ألم مصاب الفراق والوداع لصديق وعزيز حرص على أن يَبْقَى حَيّاً ومشعاً بالأمل والتفاؤل والحب حتَّى وهو تحت الماء.
تسقط الكلمات خارج اللغة عندما تتداعى صور دافئة حية في الذاكرة تكونت من زمالة قصيرة مع الراحل الصحفي والشاعر والأخ جهاد هديب والكافية لمعرفة هذا الإنسان الذي فيه الكثير من العتمة والصمت، لأن جهاد هديب كما كان يقول: بأنه لا يصرخ في العتمة وإنما يترك صوته يشعّ فيها. هو المتروكُ كبقعة ماء كي يجفّ. المهدورُ كما ـ السيل. المغلوبُ إن خاف ثم استدار. لا يصرخ في العتمة بل ـ صمته يشع فيها.
هو الطيبة التي تمشي على الأرض والمتعبة حتى الثمالة من الترحال والطواف، من النهوض والسقوط وسط بياض اللغة يتأرجح لا بكاء ولا مرارة، روح شعرية شفافة، كطائرة ورقية تسبح في الوجود تبكي بصمت ناطق حريق العالم والبشرية يبحث عبثاً عن بصيرة تخترق الجدران، وتكسر بشاعة العالم. حياته أقل من أحلامه يشي بها صمته الطويل الناطق، الذي يقتات من الغياب وأمل اللقاء، يقيم بوطن الترقب ورغبة النسيان، عين على اليومي البائس وعين على الفن والجمال والشعر، ولكن دوماً بقلب مترع بشقاوة حب الحياة والوفاء للأصدقاء.
ارتحل إذن، جهاد هديب، دون وداع أخير، في يوم بلا هوية، ليتركنا بوجوه متخشية، مذهولة أمام مرارة الفراق مع زمننا الراهن المشوه الملامح والممعن في الاختلال، ليبقى حضوره فينا حضوراً مكثقاً يزدهر في داخلنا، طفلاً، محتفظاً بدهشته الأولى، ذهب وأغلق الصمت كلامه فينا.

كأنه عائد من الموت!
في يوم الجمعة، صحوت إثر صوت هامس: «صلاة الجمعة». وكعادتي وبهدوء ولا مبالاة، دفعت يدي إلى الهاتف لأقرأ الرسائل، تصفحتها واحدة واحدة، وبقيت الأخيرة، فقلت في نفسي اللهم اجعله خيرا، ثم قرأت: «جهاد هديب في ذمة الله».
لم تكن هذه المرة الأولى التي أقرأ رسالة مختصرة كهذه تخبر عن موت صديق، لكن الأمر المختلف هذه المرة، أنني كنت واثقا أَن المغفور له جهاد هديب، قد هزم مرضه حسب ما ذكر لي، عند عودته من عمَّان إلى أبوظبي بعد أن استكمل علاجه في مدينة الحسين الطبية بالأردن.
لقد رجع إلى الإمارات ليستأنف عمله، وأصر على ذلك متحججا برغبته في المشاركة في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، لكني توسلته قائلا: «اقض وقتا بعيدا عن كل شيء، لا تهتم بعملك، ولا تقلق على مصيره، لأنك تحتاج فترة نقاهة بعد أن استكملت علاجك»، وأضفت: «إن صحيفة الاتحاد، كما هي دوما، يستحيل أن تتخلى عنك، فلقد أثبتت بالفعل في كثير من المواقف المشرفة التزامها ودعمها كافة العاملين بها، وهي تدرك جيدا أنك تمر في محنة».
شرحت له هذا الأمر بالتفصيل لكنه قرر أن يأتي، واتفقنا أنا وصديقي سامر أبو هواش أن نجلس معه محتفين به مباركين عودته. روحي تحلق مبتهجة سعيدة مباركة نجاته من هذا المرض المتوحش الذي لا يرحم أحداً، قلبي يتوسل أن يكون جهاد قد نجا.
في ليلة من ليالي أبوظبي، جلسنا أنا وأبو هواش، ننتظر جهاد هديب، ورغم صرامة اسمه الأول وقوته، إذ يتصل بالكفاح والتعب والألم إلا أن «هديب» اسمه الثاني، يظهر معنى لا يشاكل الجهاد، اللفظ القرآني الإشكالي الأصيل، بل الجمع بين جهاد وهديب من قبيل المصادفة التي وحدها أرادت أن تمنحه اسما يقوم على المفارقة، قوة في الأول ورقة بل وضعف في الثاني.
التقيناه، في أحد مطاعم أبوظبي، قبل أيام قليلة من معرض أبوظبي للكتاب، لكن اللقاء أسفر عن غموض ما، لم أستطع فهمه ولا هو بنفسه كان قادرًا على فهم حالته الصحية، وكم عانى جهاد في شرح ما أسفرت عنه نتائج العلاج، لكنه أراد أن يقنعنا بأنه قد هزم المرض، حاول أن يشرح: كان أمامي خياران، فإما أن يبتر جزء من الحنجرة، فأحرم من سماع صوتي، وإما أن أحافظ عليها وأخضع لعلاج كيماوي.
لقد قرر جهاد أن يحافظ على صوته، وهو عندما يفعل ذلك، يدرك جيدا بأن رأسمال الشاعر حنجرته التي تتيح له بأن يتخيل نفسه آخر، فيقرأ وينصت لنفسه، ذلك أن النص وإن أنجز على الورقة البيضاء، فإنه يظل ناقصا دون أن يقرأ الشاعر قصيدته لنفسه بصوت مرتفع، والشاعر الحق هو الذي ينشد نصه لنفسه، ثم يجعل بينه وبين القصيدة مسافة ليتمكن من تحريرها، فيغير كلمة هنا، وأسلوبا هناك، عندها تصبح القصيدة بيضاء في الصوت وبيضاء في الكتابة.
والقصيدة على الورقة مثل طفل أنابيب، يحتاج إلى الرعاية، والصوت هو الراعي الأول، وحده القادر على أن يعبر بالقصيدة من فضائها الأنبوبي إلى العالم، هو وحده القادر على أن يكسب الشعر شعريته الحقة، وبذلك فإن القصيدة من دون أن تمتزج بصوت صاحبها، أن يتحول الشاعر منصتا وقارئا، فإنها تظل قاصرة بل ناقصة، على الأقل في عين الشاعر نفسه.
لربما، كان جهاد، يخشى أن يفقد هذه الخصيصة الصوتية ومآثر الصوت ومزايا الشاعر بحنجرته الكاملة غير المبتورة، ولذلك كله تجنب أن يمس الطبيب، مهما حدث، حنجرته.
لقد كانت ملامح جهاد هديب بعد عودته من عمان إلى أبوظبي من رحلة علاجه تشبه ملامح الناجين من الموت، وجهه قد بدت عليه معالم حياة مفقودة، حياة صغيرة، بسيماءات يضيع فيها الجسد في قطع واسعة من الملابس، يبدو عليه فعلا من بعيد، أنه قد نجا، هكذا أصرّ في رده على سؤالنا، وكأنه يريد أن يقنع نفسه قبل أن يقنع غيره.
كانت الطاولة التي جلسنا عليها صغيرة لا تتسع لكثير من الكلمات، كانت الكلمات لا تتسع هي الأخرى لكثير من التأويلات وكانت الكلمات مرة ثالثة لا يسعفها صوت جهاد الذي بدا مجهدا ومتعبا، صوت متشنج، ينبعث من أعماقه وما إن يخرج فإنه بالكاد يلامس مسامعنا.
لقد كانت أنفاسه غير قادرة على حمل الكلمات، تعب في النطق، وألم آخر ينتاب الأحرف فتخرج ضعيفة مثل صاحبها، كلمات أثقل من صوته، الصوت الذي لم يكن باستطاعته أن يحمل بضعة أحرف تكاد تخلو من كل تعبير ما عدا حشرجات.
بعد أيام قليلة، التقيته من جديد في معرض أبوظبي للكتاب، كان اللقاء مرعبا وداميا وجارحا، هكذا لاحظ كل الأصدقاء، تجنبته، إذ المظهر يشي بأنه في أمس الحاجة إلى أن يعود لفترة نقاهة طويلة، لكني شعرت بالخذلان والتعب والألم، دمعة ساخنة في العين، دمعة في القلب ودمعة فوق الكتاب، وأخرى تنهال على الصوت فتحبس الأحرف، كلما نظرت إليه من بعيد يسير لوحده، ينظر بلا مبالاة ويتحرك ببطء، وكأنه يلقي نظرة أخيرة على أصدقائه وعلى الكتب والممرات، بل ونظرة أخيرة إلى أبوظبي التي لطالما عشقها الشاعر جهاد هديب، وسخر قلمه وعقله وقلبه بأن يكتب عن أنشطتها الثقافية ويحاور مثقفيها، ولعل أبلغ مثال على فهمه لدور المثقف يتجلى في مقالته التأبينية في المرحوم الشاعر أحمد راشد ثاني الذي جمعني بجهاد هديب قبل سبعة عشر عاما في أحد مقاهي عمَّان بوسط البلد.
قصائد كثيرة كتبها وهو يقيم في أبوظبي وذكريات بالكاد تفصح عنها كلماته، ذكريات لا تذكر، عابرة تتجنّب أن توغل في أرواحنا، فيوغل فينا الوجع، ألهذا كان جهاد يقول:
لحقتنا الذكرياتُ كأنها الكلابُ الضريرة
طافت بنا وهي تتشمم أقدامنا
ثـــــم ابتعــــدت علــى حــــــذرٍ
كما لو أن ريبةً تغشــــاها
ذكريات مبصرة متبصرة، لكنها تعجز عن سرد الأشهر الأخيرة من حياة جهاد المحب والبار بأمه والذي ظل يجنّبها معرفة ما ألم به وبرّح روحه، وجعله يقترب منها أكثر وأكثر، فالموت لا يجرؤ أن يأخذ الأحياء من أحضان أمهاتهم. رحم الله جهاد هديب، هدب العين، عين القلب والشعر والذكريات.

الفصول الأربعة لفيفالدي بتوقيع نايجل كينيدي
ثقيلاً يمرُّ الزمن
الفصول الأربعة الكونشيرتو الذي يتألف من ثلاث حركات (سريع، بطيء، سريع)، هو فضيحة العازف لأنه يقوم أساساً على المهارات الفردية للعازفين وكلما كان الأداء أكثر رفعة يكون أكثر رقياً. كيف يمكن لهذه الموسيقى الكلاسيكية الغربية، التي تكاد تكون نوعاً من الموسيقى الشعبية، أن تترك هذا الأثر كله في مشاعره؟ بل وتمارس نوعاً من الدفع الهادئ للمصغي إليها باتجاه تأمل ما في الذات والعالم إذ يسمعها في لحظة صفاء.

جهاد هديب
الحديث هنا عن «الفصول الأربعة» لعازف الكمان والمؤلف الإيطالي الشهير أنطونيو فيفالدي، أحد أكثر أعماله شهرة لدى الناس وشيوعا لدى قادة الأوركسترا في العالم قاطبة الذين يختارونها رهاناً ليجعلوا برنامج أي حفل موسيقي ينطوي على تقديمها لافتاً للاهتمام. والحديث هنا أيضاً عن «الفصول الأربعة» يجمع عازف الكمان وقائد الأوركسترا البريطاني الشهير نايجل كينيدي، الذي ولد في استراليا، إلى فرقة «بيرلينر الفلهارمونيكر»، وهي موجودة كاملة على موقع التواصل الاجتماعي اليوتيوب.
تتشكل «الفصول الأربعة» من أربعة من الكونشيرتو يحمل كل منها عنوان فصل من فصول السنة: الربيع والصيف والشتاء والخريف. لقد ألّفها أنطونيو فيفالدي خصيصاً لمعشوقته آلة لكمان، تماما مثلما فعل الشعراء العرب القدامى فخلدتهم تلك القصائد، فإن «الفصول الأربعة» قد جعلت من فيفالدي خالدا.
إن الفصول الأربعة الكونشيرتو، الذي يتألف من ثلاث حركات (سريع، بطيء، سريع)، هو فضيحة العازف لأنه يقوم، أساساً على المهارات الفردية للعازفين وكلما كان الأداء أكثر رفعة يكون أكثر رقيا، وهنا مع كينيدي والأوركسترا جرى تقديم قوة تعبير هائلة ومتعددة تجعل المشاعر تختلف وتتلون بحسب البطء والسرعة في الأداء، وبحسب ذلك التعارض أو التباين بين العازف واقفا وبقية أعضاء الأوركسترا، الأمر الذي منح الأداء جمالية هائلة وطاقة تشع باتجاه كل مَنْ يصغي إليها فتجعله حقا يخيض تجربة في تأمل ذاته، خاصة أن هذه الموسيقى تبث فكرة عبور الزمن، بوصفها تعبيرا عن فصول السنة المتتالية أو التي لا تكف عن أن تبقى كذلك.
لقد كان نايجل كينيدي و«وبيرلينر الفلهارمونيكر» وفيَّيْن لفكرة فيفالدي الأولى عن هذا الإحساس بعبء مرور الزمن، ووطأته على روح الفرد، بل وقوته في جعل الأشياء تختلف إذ بوسع المرء أن يؤول ما يصغي إليه بحسب كل فصل من الفصول بحسب خبراته في كل فصل على حدة حيث يتجاور في الفصل الواحد عنف الطبيعة وكذلك عنف المشاعر ثم سلاستها، انفعالاتها وهدوئها، صمتها وصراخها، كل هذه الأفكار الملونة يشعر بها المرء هنا بسبب المهارات العالية التي تتوفر لدى جميع العازفين في الفرقة، خاصة أولئك الذين يعزفون على نحو منفرد، وخاصة أيضا في الكونشيرتو الذي يحمل العنوان: الخريف.
أما الأكثر إثارة للبهجة فهو كونشيرتو «الربيع»، فربما الموسيقى تجد أصولا لها في الموسيقى الشعبية، إذ هي «خفيفة» ليست ضاغطة على العصب الحساس للمرء، ككنوشيرتو الشتاء مثلاً ذي الموسيقى الصعبة التي تتطلب أكثر من تجربة في الإصغاء.
غير أن المرء بالمجمل يخرج بإحساس عميق بذاته وبما يدور حوله في هذا العالم.
نذكر هنا بأن من الممكن العثور على نماذج لأصول الكونشيرتو الحديث بقوة في الأعمال الأخيرة لأنطونيو فيفالدي، التي بناها على مهارة المؤدي مع التأليف الموسيقي المتقن والموهوب، وذلك نظرا لتفوق فيفالدي الصارخ على معاصريه من عازفي الكمان.
وهذه ليست هي المرة الأولى التي يقدم فيها نايجل كينيدي «الفصول الأربعة»، وهو عازف الكمان البارز أيضا، فقد ظهر تميزه الكبير في تقديمها وخصوصيته كقائد أوركسترا عام 1989 ليكسر كل الأرقام القياسية السابقة في تسجيلات الموسيقى الكلاسيكية وليصبح بالتالي أكثر تسجيلات «الفصول الأربعة» مبيعاً في جميع الأوقات.

ولادة و.. موت
وُلد الشاعر الفلسطيني جهاد أحمد حسين هديب سنة 1967 في مدينة مادبا في الأردن، وتوفي ليل الخميس/‏‏‏ الجمعة الموافق 12 نوفمبر 2015 بعد صراع مع مرض عضال، ألم به منذ أكثر من عام.
حصل على شهادة الدبلوم في التصميم الداخلي والديكور سنة 1993.
عمل في الصحافة، محرراً في القسم الثقافي في صحيفة «الدستور» (1998 - 2006)، ثم انتقل للعمل في المجال نفسه بالإمارات منذ سنة 2008، وانضم إلى جريدة «الاتحاد» (القسم الثقافي) في العام 2009، حيث كانت له مئات المساهمات المختلفة، من متابعات وحوارات وترجمات ودراسات نقدية. وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، ونقابة الصحفيين الأردنيين.
ويعد جهاد هديب، أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية التي برزت منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصدر العديد من المجموعات الشعرية كان آخرها «تمثال مخمور» في 2015.
ومن أعماله الأدبية:
«تعاشيق»، شعر، دار أزمنة، عمّان، 1996. «ما أمكنَ خيانتُه ويسمّى الألم»، شعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999. «قبل أن يبرد الياسمين»، شعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002. «غروب كثير يمر في التخوم»، شعر، دار فضاءات، عمّان، 2006. «ليت فمي يُعطى لي»، دراسة ومنتخبات من الصوت الشعري التسعيني في الأردن، وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء/‏‏‏ اليمن، 2004. ط2، دار فضاءات، عمّان، 2006.
كما له عشرات القصائد غير المنشورة.

الأرض الأخرى يابسة
1
الذين جاؤوا من جبال دائخة أسكرها الضباب صاروا
سمكاً في بحر. مروا كطائر ترك الأثر لا يدلُّ إلى هيئة أو جهة ثم أقاموا في بياض يصل الأرض بأسفلها وموتاً بالذي
يسبقه. الذين، منذ الوحشة استطالت أعشابها، تأجَّل الكلام.

2
العتمة عندما اشتدت الى حلكة عثروا على وجهها ثم
نبحوا فيه. ما تذكروا سبباً لذلك. ما حدث وأشعلوا ناراً
أو تدفأوا بالحنين. ربما خرج أبلهٌ من بينهم وألقى حصاة في
بركة. يحب الدوائر إذ تبدأ من بعيد ويحبّها حين تنكسر على مقربة.

3
كلما مرّت في أرضهم شمس مسحوا عنها البرد والصدأ،
ثم قرعوا بالحجارة في إثرها كي تسبح ثانية.

4
هناك في وعرٍ بات لهم، تتراءى صخرة أمامهم. مرّة،
كانت امرأة مال جذعها. والآن، كما لو أنها الصرخة
العارية.

الظل

أُخِذَتْ منا الصور؛ صِيدتْ بنبال مُرَيَّشة. أُخِذَتْ منا الأسماء
ومن خوابينا الموتى والقلائد. طير ذكرى أُطعِمَ حنطة
نسائنا فرَّ عن شمال، ونهرٌ بلَّلَ أثداءهنّ جفَتْ دمعته بينما
نساقُ إلى مرافئ انْهَجَرتْ.
أُشيرَ إلى عربةٍ تجري في قَفرٍ. رأينا أعمارنا تنبح خلفها مثل
كلاب صيد؛ فيما النبيذ يجري إلى الجرار والخبزُ في
القمحٍ والحليبُ على المائدة.
تشقَّقتْ أقدامنا؛ تشقّقَ تحتها الماء. وليس خوفاً ما قضى
على الصرخة بل قضمها سربٌ من النمل.

من قصيدة أغنية الطيف فأغنية الظل