الاتحاد

دنيا

فيينا.. لياليها أنس وصباحاتها بهجة وثقافة

مبنى البرلمان النمساوي

مبنى البرلمان النمساوي

يذكرنا المسير في شوارع وأحياء فيينا بصوت المطربة الراحلة أسمهان العذب، وهي تردّد أغنيتها الشهيرة “ليالي الأنس في فيينا”، لكن صدى الصوت يأتي معدّلاً ليشدو بأن الليالي والصباحات، وكلّ الأوقات في فيينا هي أنس وسعادة، فالطبيعة هنا آسرة تخطف الألباب بكل محتوياتها من خضرة وماء، بينما تجسد المباني القديمة، كلّ منها، بطابعها المعماري وزينتها حكاية مختلفة تشير إلى حضارة راقية وماضٍ عريق، أما شعبها فهو ودود مسالم يوحي التعامل معه بالثقة والأمان.
وفيينا هي عاصمة النمسا وأكبر مدنها، سميت بهذا تطويراً عن اسمها اللاتيني القديم “فيندوبونا”، ومعناه الهواء الجميل أو النسيم العليل، تقع المدينة في الجزء الشمالي الشرقي من النمسا، على الضفة الجنوبية من نهر الدانوب، وتمتد على مساحة قدرها 415 كم² في الطرف الشرقي لسهل ضيق بين جبال “كارباثيان” الكربات وجبال الألب. يبلغ عدد سكانها حوالي مليون ونصف المليون نسمة، وتنقسم إلى 23 منطقة، أهمها سياحياً المنطقة الأولى، باعتبارها قلب البلد وأكثرها عراقة.

الشارع الدائري

وسط المدينة القديم، هو مركز فيينا وتشتمل هذه المنطقة على الكثير من المباني التاريخية والمعالم الحضارية، كما تشتمل على محال تسوّق من الطراز الرفيع تجمع كلّ الماركات العالمية في ثناياها. وفي قلب المدينة القديمة تقف كاتدرائية القديس ستيفن، تسمى بالألمانية “شتيفان دوم”، التي بنيت في القرن الثاني عشر وأنهي بناؤها عام 1511 ليخرج بشكله الحالي، يبلغ طولها 107 أمتار وعلو البرج الجنوبي 138 متراً. وفضلاً عن جمال شكلها وغرابته من الخارج، فإنها من الداخل أشبه بالمتحف حيث توجد فيها العديد من التماثيل والزخارف والنقوش الفريدة التي تجلب السياح بأعداد غفيرة يومياً.
كما يقع قصر “هوفبيرج” الذي يتكون من مبانٍ حديثة وهياكل تنتمي إلى العصور الوسطى بعد عدة وحدات سكنية باتجاه الغرب من وسط المدينة، يشتمل القصر على الغرف الملكية، التي يقيم فيها رئيس النمسا، والمكتبة الإمبراطورية ومتاحف متعددة ومدرسة ركوب الخيل الإسبانية. ويقع بالقرب من هذا القصر أجمل متنزهين في فيينا هما “بيرجارتن” و”فولكزجارتن” المشهوران بأشجار الورد.
يحيط بوسط المدينة طوق من الشوارع يسمى الشارع الدائري “رنج شتراسه”، وتقع بعض أجمل مباني فيينا العامة على هذه الشوارع، مثل مُتحف تاريخ الفن، وقاعة المدينة، ودار الأوبرا، ومبنى البرلمان، وسوق الأوراق المالية. ويعود تاريخ هذه المباني إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
أما أحياء الضواحي القديمة للمدينة فتقع خارج الشارع الدائري، وتضم مباني مهمة تشتمل على “كارلسكيرشي” أي كنيسة القديس تشارلز وقصر “بيلفدير”، وتعتبر أنماط هذه المباني من أجمل النماذج الماثلة للفن الباروكي، وهو طراز بالغ الزخرفة تطور خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.
ومن أهم المعالم السياحية بفيينا قصر “شونبرون” ومعناه النبع الجميل، ويقع هذا القصر في قلب فيينا، وقد كان مقراً للإمبراطور النمساوي فرانس جوزيف (1830-1916)، وتحول في وقتنا الحاضر إلى متحف يُعرض فيه أثاثه الفاخر ونفائسه، وتتميز مُعظم جدران حجرات القصر من الداخل بأنها منقوشة من الذهب، كما يمكن للزائر أن يرى المخدع الذي كان مُخصصاً للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت والذي كان يأتيه برفقة زوجته ماري لويز ليزور حماه فرانس الأول إمبراطور النمسا في ذلك الوقت.
ويبلغ عدد غُرف قصر “شونبرون” نحو ألف وخمسمئة غرفة، بالإضافة إلى عشرات القاعات والصالونات والحمامات، ومن أهم الغرف تلك المخصصة لعرض المجوهرات الرائعة لأباطرة النمسا. إلى جانب “قصر الشونبرون” الشهير تقف حديقة حيوان “شونبرون” على الأرض التابعة للقصر، وقد بُنيت عام 1752م وهي أقدم حديقة حيوان في العالم.
اشتهرت فيينا بكونها مركزاً عالمياً للتعليم والأدب والموسيقى والعلوم، وهي موطن مؤسسات الفنون الجميلة المشهورة في التعليم العالي. تشتمل هذه المؤسسات على أكاديمية الفنون الجميلة، وأكاديمية الموسيقى، والجامعة الفنية، وجامعة فيينا التي تأسست عام 1365. إلى ذلك فقد اشتهرت المدينة منذ وقت طويل بمتاحفها المتميزة وصالات فنها، بما في ذلك متحف “ألبيرتينا”، الذي يضم أكثر من 65 ألف لوحة يعرضها بصورة دائمة، فضلاً عن العروض الحية التي يستقطبها باستمرار. ومتحف تاريخ الفن، كما تشتمل على مكتبات متعددة بما في ذلك المكتبة الوطنية التي تأسست عام 1526. أما دار الأوبرا الشهيرة ففيها تُعقد الأمسيات الموسيقية في “ميوزييك فيرين”، ودار الأوبرا الحكومية “فولك سوبر” بالإضافة إلى المسرحيات الموسيقية الصامتة. كما تشمل المسارح الرئيسية مسرح “بيرج” الذي تدعمه الحكومة النمساوية مالياً، ومسرح “جوزيف أشتات”.
عاش في فيينا عدد من مشاهير المؤلفين والعلماء والكُتاب الذين خلدهم التاريخ مثل “لودفيج فان بيتهوفن”، و”يوهانس برامز”، و”جوزيف هايدن”، و”فولفغانغ أماديوس موتسارت”، و”فرانز بيتر شوبرت”، و”يوهان شتراوس”، وقد اتخذوا من فيينا مسكنًا لهم، وقد أصبحت مساكن بعضهم متاحف يفد إليها الزائرون.
لمحبي التنقل والسياحة في المدينة يمكنهم أن يتنقلوا عبر نظام المواصلات الممتاز هناك والذي يشمل القطارات الأرضية المعلقة والحافلات، وهي أفضل من وسائل المواصلات الخاصة ويفضلها معظم الناس لكونها سهلة وسريعة ومنخفضة التكاليف.
الناس في النمسا ودودون ولا يتوانون عن تقديم المساعدة للآخرين، وهم شعب مضياف بامتياز، يمكنك هناك أن تحتسي القهوة والتي تمتاز بطعم مختلف لا يوجد له مثيل في العالم، كما يمكنك أن تتناول أصنافاً متعددة من الخبز كل بنكهة خاصة، أما إذا أردت أن تحمل هدية من هناك فالشوكولاته هي الخيار الأمثل لا سيما من نوع “موزارت” وهي أفضل شوكولاته في النمسا.

نبذة تاريخية
عاشت قبائل ما قبل التاريخ في موقع مدينة فيينا الحالي، وفي سنة 15 ق.م أسس الرومان مركزاً متقدماً سمّوه “فندوبونا”، وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي احتلت المنطقة قبائل جرمانية، ثم سيطر المجريون على المدينة في أواخر القرن التاسع الميلادي، وأطلقوا عليها اسم فيينا، وعاشوا هنالك حتى قهرهم الألمان في أواسط القرن العاشر الميلادي.
في عام 1273م أصبح أحد أفراد عائلة هابسبيرج الإمبراطور الروماني المُقدس، فاتخذت عائلة هابسبيرج فيينا عاصمة لها، وقد نمت المدينة بسرعة وازدادت ثراء وأهمية في عهدهم. ثم هاجم الأتراك فيينا في عام 1529م ومرة ثانية في عام 1683م، لكنهم فشلوا في احتلال المدينة.
بُنيت بعض القصور الباروكية الجميلة والكنائس في فيينا خلال القرن الثامن عشر، وأصبحت فيينا بعد الحرب العالمية الأولى عاصمة جمهورية النمسا، لكن الكتائب الألمانية احتلت فيينا من عام 1938م إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، خلال هذه الفترة تهدمت أجزاء كثيرة من المدينة بسبب ضرب الحلفاء لها بالقنابل خلال الحرب، ومن عام 1945م إلى 1955م عاش الناس تحت سيطرة الحلفاء المنتصرين، وقد أعاد سكان فيينا تقريباً بناء ما دّمر أو أتلف من المعالم الرئيسية، واستعادت المدينة كثيراً من روحها السابقة وغناها.
وفي السبعينيات من القرن العشرين بنيت فنادق جديدة، وبدأ مد نظام سكك حديدية تحت الأرض، وأقيم مبنى للأمم المتحدة يتكون من مبان متعددة وقد افتتح المركز في عام 1979، ويعتبر المبنى موقعاً لمؤتمرات الأمم المتحدة، ويُزوِّد الأمم المتحدة بمكاتب تفي بأغراض بعض وكالاتها.

اقرأ أيضا