الاتحاد

الملحق الثقافي

الحياة المتخيلة للنباتات

لوحة من الفن الكوري الحديث

لوحة من الفن الكوري الحديث

ذلك اليوم عند عودتنا من الفندق، لم يقل أخي الذي كان جالسا إلى جانبي في السيارة أي كلمة· خمنت اصطخاب الانفعالات في داخله· الخزي، الندم، الأسف، الشعور بالوحدة، بالفشل، كل هذه المشاعر كانت تعصف به· حياءً مني، احتفظت بالصمت·
قال لي بصوت خفيض: ''أريد أن أتمشى''·
أجبته وأنا أستدير إليه: ''تعرف جيدا أن الوقت قد تأخر''· لم يلح كثيرا· وبما أنه ظل صامتا فقد غيرت اتجاهي· كان المكان عبارة عن حديقة صغيرة يوجد فيها قبر ملكي، وهي حديقة لا تبعد كثيرا عن بيتنا· تبعد عن المنزل، عند المشي بخطوة عادية، مسافة عشر دقائق وعشرين دقيقة بالكرسي المتحرك وأقل من دقيقتين بالسيارة· كان أخي يحب الذهاب إليها، مفضلا الطريق التي تتلوى حولها والمظللة بالأشجار الكبيرة· كان تشابك الأغصان يشكل غطاء من العتمة وكأننا في نفق·
من وقت إلى آخر، كان أخي يطلب مني أن أقوده إلى هنا· أتركه عند المدخل· ليقول لي: ''هل تستطيع أن تعاود المرور بي لتأخذني بعد ساعتين؟''· وإذا ما اقترحت عليه أن أدفع به الكرسي المتحرك، يهز رأسه ليقول لي أنه ما من داع لذلك وأنه يفضل التجول لوحده· هو على الأقل شخص دقيق في مواعيده: بعد ساعتين يكون ودون تأخير، بانتظاري عند المدخل· عادة، تنتهي جولته في اللحظة المحددة لغروب الشمس· كانت هذه المرة الأولى التي يعبر فيها عن رغبته في التجول في ساعة متأخرة مثل هذه· أوقفت السيارة في مدخل الحديقة، ساعدته في أن يستقر في كرسيه المتحرك· لم يطلب مني أن أعود إليه بعد ساعتين· وبدأت في دفع الكرسي·
كان الجو منعشا· وأعمدة الإنارة تنتزع جانبي الممر من الظلمة التي تبتلع بقية الحديقة· كان الأزيز المميز للعجلات مسموعا· أصبح الظل أكثر كثافة بعد أن تجاوزنا المفرق الأول للطريق· أردت أن أقوم بنصف استدارة، لكنني لم أتجرأ طالما أن أخي لم يدعُني إلى ذلك· تحرك الكرسي على الطريق بصعوبة مقادا بالاضاءة الخافتة··· لم تكن هناك أي علاقة لليل المنعش بالارتعاشة الصغيرة التي عبرت عمودي الفقري· لربما كان هذا بسبب القوة المقلقة الخفية والتعويذية التي تنبعث من الأشجار المندفعة نحو السماء من على حافتي الطريق·
كأن الليل كان على وشك سحق الكرسي المتحرك، كأننا بدأنا في الانزلاق في ثقب أسود سيبتلعنا قريبا· حيوان ما مر إلى جانبنا مُصدرا ضجيجا غريبا· كنت فريسة لمشاعر التشاؤم· ولدي الشعور بأننا قد اختطفنا وأننا هنا، مفصولان تماما عن العالم· أدركت فجأة أنني وعلى عكس أخي قليلا ما سرت في هذا الطريق· وأنني لا أحب العتمة بينما يبدو عليه هو أنه يتمتع بها·
لقد رغبت دائما في مصاحبته في نزهاته ولكن من المؤكد ليس في مثل هذه الظروف: ليس في مثل هذه الظلمة وهذا الجو· بدا عليه أنه يريد المواصلة· أنا كنت سأموت وأخبره أنه يتوجب علينا أن نعود على أعقابنا بسرعة قبل أن تتجلى لنا ساحرة ما· لكنني لم أتجرأ· كان صمته ثقيلا، صمت يتوجب علي احترامه·
عندما تكلم أخي: ''هنا، ينتهي الطريق'' انتفضت ثم شعرت بالاطمئنان· فوجئت في البداية لأنني كنت غارقا في أفكاري وأشباحي· ثم في النهاية شعرت بالاطمئنان لأن أخي يرد الفعل· لم أكن أمتلك فكرة دقيقة عن المكان الذي وصلنا إليه· هل كان بعيدا عن المدخل؟ كم استغرقنا من الوقت للوصول إليه؟ كانت العتمة عميقة وكنت مستغرقا في هواجسي إلى حد أنني لم أكن أعرف شيئا·
ـ ''لا نستطيع أن نمضي أبعد، هنا أتوقف دائما''·كان صوت أخي يصلني بنبرة جديدة منحه اياها الهواء الرطب لليل: ''عندما أصل هنا، أتخيل غابة كثيفة وراء هذه البوابة، غابة ربما كان فيها كهف وأشجار تتنافس في ما بينها للتسامق باتجاه السماء وأنا إذا مادخلت إليها، فلربما استطعت أن أرى شجرة الدردار التي أحب أن أذهب إليها، أحب أن أذوب في هذه الغابة، أحلم أن أذهب وألمس شجرة الدردار الكبيرة التي تدعم السماء، أجل انها تدعمها، لكنها تدعم الوقت أيضا''·
كان أخي يتكلم لوحده· استمعت للأمنيات الملتهبة التي كان يصوغها، دون أن أعرف في ماذا تتمثل بالضبط·
''ذات يوم، سآخذك إلى هناك''· قلت له وكأن المسألة تتمثل في شيء غير مضر· لكنني ندمت مباشرة على خفّتي· سكتُ، محرجا· شعرت بالخزي· كنت متأكدا من احمراري· من حسن الحظ أنها كانت عتمة! ''هل ترى هذه الشجرة؟'' سألني أخي دون أن يعقب على اقتراحي· كان يوجه اصبعه في اتجاه محدد· وبما أنه قد تحدث عن شجرة فمن المؤكد توجد واحدة· لكنني لم أكن أرى شيئا غير السواد· كانت الظلمة تغرق حرفيا الغابة بأكملها· مسلوبة من فردانيتها، كانت الأشجار تتماهى مع الظل·
اجباريا، كنت غير قادر على تمييز الشجرة المحددة التي كان يشير إليها· أي واحدة كان يتحدث عنها؟ ماذا كان يرى هو بالضبط؟
''ماذا ترى؟'' سألته بسذاجة وأنا أضحك ضحكة غير صادقة·
''أليست هذه شجرة صنوبر؟''
أجابني أخي بهدوء: ''هل ترى هذه الشجرة، شجرة الصنوبر الكبيرة؟ بجذعها الصلب وأغصانها السميكة؟ مباشرة إلى جانبها، يوجد واحدة أخرى، من عائلة صنوبر مختلفة تماما· تعطي الانطباع بأنها تريد أن تحيط الشجرة الأولى بأغصانها، طرية ورشيقة، كأنها امرأة ببشرة ناعمة ومسمرة''·
''عن أي شجرة تتحدث؟''·
لم أكن أتبين أي شيء في الظلام لكنني لم أكن أريد السماح لمحادثتنا بأن تنقطع· لم يكن عيبا ولا مفاجئا الاهتمام الذي كان يوليه للطبيعة، بالنسبة لشخص يبتعد أكثر وأكثر عن مخالطة الناس، حتى لو كنت أجهل كليا إن كان هذا جيدا أم لا بالنسبة إليه·
''هذه الشجرة، ممشوقة وعالية، تجعلني أفكر بفتاة عارية''، حدد أخي مستغرقا تماما في رؤاه· ''إن ما يبهجني هو ورودها البيضاء المتشكلة على شكل أجراس، نحن الآن في شهر أيار لن تتأخر في التفتح· عندما نتطلع إليها من أسفل، نشعر أن الأجراس ستبدأ في الرنين''· غرق صوته في عتمة الغابة مثلما تغرق المرساة في أعماق البحر· لم أكن أعرف كيف أدخل في مناجاته، إضافة إلى أن هذا لم يكن ضمن نواياي·
أطلق تنهيدة· لم كان يتحدث عن هذه الأشياء؟ لقد بدا لي أني كنت أفهمه لكنني لست متأكدا فعلا من ذلك·
فجأة، شعرت بأن مسند الكرسي المتحرك يرتجف· هذه الحركة كانت متأتية من كتفي أخي· ولكي أكون دقيقا أكثر، كانت الدموع هي المتسببة في ارتجافة كتفيه·
''ماذا أصنع بهذه المشاعر المخزية التي تجتاح جسدي؟'' وصلني صوت أخي كأنه نفس كثيف للغابة· تبينت مغزى كلماته جيدا لكنني تظاهرت بأنني لم أستمع إليها· قلت وكأنني أشعر بالبرد: ''يتوجب علي أن آتي نهارا لرؤية شجرتك''· ثم سعلت لأخفي الاضطراب الذي يخنق صوتي· من المؤكد، لم أكن موهوبا في الادعاء·
همست: ''سنعود، أشعر بالخوف''· ودون ارتقاب اجابته، أدرت الكرسي نصف استدارة، دفعته، مقادا بالاضاءة الخافتة التي تتصاعد من الطريق· شعرت في قبضتيّ بالاهتزازات الناتجة عن نشيج أخي لكني ادعيت عدم الانتباه· في السيارة لم أقل أي كلمة حتى وصولنا إلى المنزل· هو أيضا لم ينبس ببنت شفة·

عن الرواية

رواية ''الحياة المتخيلة للنباتات'' للكاتب الكوري ''لي سيونغ ـ يو'' ليست رواية علمية كما قد يمكن أن يوحي عنوانها· هي رواية عائلة كورية: الأب بكل غموضه، الأم بتناقضاتها وأسرارها التي ستنكشف على امتداد الرواية، الابنين: ''ايهيون'' الأكبر يفقد ركبتيه بسبب أخيه الأصغر ''كيهيون''، الذي يسرد لنا الحكاية بضمير الأنا مع مونولوج داخلي تقطعه من فصل إلى فصل حوارات قصيرة··· هذا الأخ الذي يغار من أخيه، يحب حبيبته سرا ثم علنا محاولا الفوز بها· يتسبب ''كيهيون'' في خسارة أخيه لساقيه عن غير قصد ضمن سلسلة من الأخطاء التي تبدأ بسرقته لآلة التصوير خاصته·· ''كيهيون'' سيكون هو الصوت المعلن، المضطرب، العاشق المغامر، والجبان على حد سواء··· هو المحرك للأحداث والرابط بين الشخصيات في العلن لكنه بالنهاية سيكتشف أن والده، هذا الحاضر ـ الغائب، هو الذي كان يوجه خطواته نحو اكتشاف الحقيقة· طبعا دون نسيان المعشوقة ''سينمي'' بجمالها وفتنة صوتها والتي ساهمت في تفعيل الأحداث سواء بحضورها المباشر أو من خلال فعل التذكر· وعلى الرغم من أن الآلة الموسيقية الوحيدة التي ذُكرت في رواية ''الحياة المتخيلة للنباتات'' هي آلة الغيتارة، إلا أن شجن موسيقى ناي ممتزج بصوت الريح وهو يتخلل أوراق نخلة كان حاضراً فيها· نفس النخلة التي مثلت محورا مهما من محاور الرواية ـ هو ما يمكن أن يلخص أصدق خلفية موسيقية لهذه الرواية·

عن المؤلف

ولد ''لي سيونغ ـ يو'' سنة 1959 في كوريا الجنوبية· جعله اهتمامه بالدين، يلتحق بكلية دراسة علم اللاهوت في سول، ليعمل فيما بعد صحفيا لصالح مجلة بروتستانية، ثم انتهى بأن تفرغ للكتابة· سنة ،1981 نشر روايته الأولى ''بورتريه أريسيشتون''· أصبح منذ سنة ،2001 أستاذا للآداب الكورية ويدير ورشة الكتابة بجامعة ''شوسان'' (كوريا الجنوبية)· نُشرت وتٌرجمت كتابات ''لي سيونغ ـ يو'' للمرة الأولى إلى اللغة الفرنسية سنة 2000 من خلال كتابه: ''الوجه الآخر للحياة'' ثم نشرت رواية ''الحياة المتخيلة للنباتات'' سنة ·2006

اقرأ أيضا